-
رئيس الوزراء: دخلنا عصر تصنيع مكونات الطاقة الشمسية، و7.5% معدل النمو المستهدف بحلول 2030
-
الذهب يكسب الرهان، صندوق "أزيموت" ينمو بأكثر من 50% و35 مليار جنيه أصول مدارة (خاص)
-
40 مليار جنيه مكاسب مؤشرات البورصة وإيجي إكس 30 يصعد 2.48%
-
فوائد تصل لـ42% سنويًا على بطاقات الائتمان في مصر، هل يؤثر قرار ترامب؟
محمد فؤاد يكتب.. بين إدارة الأرقام وإدارة اليقين: حين يصبح الخطاب الاقتصادي جزءًا من الأزمة
السبت، 10 يناير 2026 09:56 ص
الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي
في المشهد الاقتصادي الراهن، لا تبدو الإشكالية الأساسية محصورة في مؤشرات الدين العام، أو ضغوط التمويل، أو تقلبات الأسواق العالمية، بقدر ما تتجلى في نمط متكرر داخل الخطاب الحكومي نفسه. نمط لا يعكس بالضرورة خللًا في جوهر السياسات، بقدر ما يكشف عن ارتباك في طريقة عرضها، وتسلسلها، وربطها بالإطار الذي يُفترض أن يجمعها ويمنحها معنى.
خلال الأشهر الماضية، طُرحت تصريحات متعددة في سياقات مختلفة؛ من بينها الجدل الذي أُثير مؤخرًا حول حديث رئيس الحكومة عن “الانخفاض التاريخي” في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتصريحات أخرى سابقة تتعلق بصعوبة التخطيط قصير الأجل في ظل تصاعد الأزمات الدولية. هذه التصريحات لا تُناقَش هنا بوصفها صحيحة أو خاطئة، ولا باعتبارها متناقضة، بل باعتبارها أمثلة على نمط عام في الخطاب الاقتصادي، تُقدَّم فيه الرسائل كوقائع منفصلة، دون إحالتها الصريحة إلى المسار الأشمل الذي تنتمي إليه.
وهنا يتغير جوهر السؤال. فالمسألة لم تعد: هل التصريحات دقيقة من الناحية الفنية؟ بل أصبحت: هل تُدار الإشارات الاقتصادية باعتبارها أجزاء من مسار مُعلن ومفهوم، أم تُترك معلقة، بما يفتح الباب واسعًا أمام التأويل والارتباك؟
من منظور الاقتصاد الحديث، لا تُقاس جودة السياسة الاقتصادية فقط بسلامة أرقامها، بل بقدرتها على بناء قدر معقول من اليقين حول اتجاهها. وقد عبّر الاقتصاديان روبرت لوكاس وتوماس سارجنت عن هذه الفكرة بوضوح، حين أكدا أن الفاعلين الاقتصاديين لا ينتظرون القرارات بعد وقوعها، بل يُعيدون ترتيب سلوكهم مسبقًا بناءً على ما يفهمونه من إشارات الدولة ونمط خطابها. الاقتصاد، بهذا المعنى، لا يتفاعل مع القرار فقط، بل مع القاعدة التي يُفهم منها القرار.
وفق هذا المنطق، لا يكون الخطر الحقيقي في القرار الصعب، ولا حتى في القرار غير المثالي، بل في الإشارة غير الواضحة. فعندما لا تُفهم التصريحات باعتبارها جزءًا من قاعدة مستقرة أو مسار معلوم، يفترض الناس والأسواق تلقائيًا أن القواعد قد تتغير فجأة، أو أن الاتجاه غير مكتمل، حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا في الواقع.
وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب تصريحات خفض نسبة الدين أهميتها الحقيقية. فبعد صدورها وإعادة تأكيدها، بات واضحًا أن الحديث لا يدور عن خطوة استثنائية أو مسار مفاجئ، بل عن مستهدفات كمية نابعة من الاستراتيجية المالية العامة للمدى المتوسط، وهي الوثيقة الفنية التي تُحدّد مسار الدين، وهيكل التمويل، وتكلفة الفائدة، والاحتياجات التمويلية على مدى زمني واضح.
لكن هذه الاستراتيجية، بطبيعتها، لا تعمل في فراغ. فهي تُعد أحد المدخلات الأساسية للسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، التي تمثل الإطار الجامع للسياسات الاقتصادية، وتربط بين المسار المالي ومسار النمو، والاستثمار، والإنتاجية، والإصلاح الهيكلي. وداخل هذه السردية، يجري التمييز بوضوح بين سيناريو أساسي وسيناريو إصلاحي، بما يمنح الأرقام معناها، ويضعها في سياقها الأشمل. وللأمانة العلمية، يُحسب هذا الإطار للسردية الوطنية، التي عكفت وزارة التخطيط على إعدادها بالتنسيق مع مختلف الوزارات، لتكون وثيقة جامعة ومسارًا تخطيطيًا واضحًا لا يترك مجالًا للبس.
وبهذا المعنى، فإن المسار المالي ليس غامضًا ولا مجهولًا، لا على مستوى التخطيط ولا على مستوى الوثائق. الإشكالية الحقيقية ليست في غياب الخطة، بل في غياب استدعائها الصريح والمتسق في الخطاب العام. فعندما يُقدَّم التصريح منفصلًا عن الاستراتيجية التي يستند إليها، وعن السردية التي تحتويه، يبدو وكأنه حدث قائم بذاته، لا حلقة ضمن مسار متدرج ومُعلن.
ومن هنا يصبح من غير المنطقي أن نندهش لاحقًا من ارتباك الناس، أو من تضارب القراءات، أو من تصاعد الشكوك. فالفراغ التفسيري لا يبقى فراغًا؛ بل يُملأ تلقائيًا بالتخمين والانطباع، لا بالتحليل والفهم.
والأسواق، بطبيعتها، لا تتحرك بالأرقام المجردة وحدها، بل بقدرتها على قراءة القصة الكاملة. المستثمر لا يقرأ مؤشرات الدين فقط، بل يقرأ أيضًا اتساق اللغة الرسمية، واستمرارية الإشارات، وقدرة الدولة على ربط ما تقوله اليوم بما أعلنت عنه بالأمس. والمواطن أيضا يستريح لمسار واضح وإن بدا بطيئا و متدرجا فهو أفضل من التحدث عن تحسن عظيم لا يلمسه فعليا.
الأخطر من عدم اليقين ذاته، هو التطبيع معه، بل أحيانًا الاحتفاء به. أن يتحول الغموض إلى أداة جذب، وأن يُنظر إلى الشرح العلمي الهادئ باعتباره “غير مُلهم”، بينما يُكافأ الكلام الاستثنائي لأنه صادم أو مختلف. في هذه اللحظة، لا نكون بصدد إدارة اقتصاد، بل إدارة انطباع.
في هذه النقطة تحديدًا، تحضر بقوة لقطة سينمائية شهيرة من فيلم البيضة والحجر، بين الراحل أحمد زكي والراحلة معالي زايد، حين تذهب “قمر” إلى “مستطاع الطعزي”، الرجل المثقف الذي حلّ محل دجال، وتخبره بأنها “معمول لها عمل مدفون تحت ضفر نملة”، زكي يحاول أن يُقنعها بالمنطق، يشرح لها أن مشكلتها واقعية ولها حلول عقلانية، لكنها لا تهدأ، ولا تقتنع، ولا تشعر بالراحة، إلى أن يبدأ هو نفسه في اختراع طقوس الدجل فعندها فقط تطمئن.
المفارقة أننا نتصور أننا نفكر خارج الصندوق، بينما الصندوق نفسه أي المسار المؤسسي الطبيعي لم يُستخدم كما ينبغي. فنستبدل القاعدة بالاستثناء، والانضباط بالتخريج، ونُسمي ذلك ابتكارًا.
في النهاية، ما يُطرح هنا ليس دعوة إلى الجمود أو التحفظ، بل دفاع عن أبسط قواعد الإصلاح الرشيد: أن يكون المسار واضحًا، وأن تكون اللغة منضبطة، وأن تُدار التوقعات بقدر ما تُدار الأرقام. فالاقتصاد لا يحتاج إلى غموض مُفتعل أو حلول استثنائية، بل إلى إطار جامع يُفهم، ومسار يُتبع، ويقين كافٍ يسمح للمجتمع والأسواق بتحمّل الصعب دون خوف أو أوهام. الخلاصة لدينا خطة مكتوبة و يبقى أن نسعى في تنفيذها دون حيود أو شطحات ونتابع كيف تعود على المواطن بالنفع.
اقرأ أيضًا:
خاص| الدين يحكم الموازنة، 56% من الإيرادات تذهب للفوائد، كيف نواجه أزمة الاستدامة المالية؟
النائب محمد فؤاد يكتب: الدين العام والانخفاض التاريخي.. ما وراء الأرقام؟
Short Url
هبة رجاء الدين تكتب.. حتمية الوعي بالسلامة الرقمية وإجراءات مهمة لتعزيز الأمان
10 يناير 2026 03:24 م
د. علي الدكروري يكتب: من الغربة إلى الوطن.. حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء
09 يناير 2026 12:04 ص
محمود صالح يكتب: الصحفي السيء في رواية البنوك
07 يناير 2026 08:20 م
أكثر الكلمات انتشاراً