الجمعة، 09 يناير 2026

02:52 ص

دكتور محمد عسكر يكتب: ستارلينك إيلون ماسك، سيناريوهات السيطرة خارج الدولة

الأربعاء، 07 يناير 2026 10:31 ص

دكتور محمد عسكر إستشارى نظم المعلومات

دكتور محمد عسكر إستشارى نظم المعلومات

دكتور محمد عسكر

لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للتواصل أو أداة لتبادل المعرفة، بل أصبح أحد أهم أشكال السلطة في العالم المعاصر، فالقدرة على الاتصال، أو منعه، أو التحكم في مساراته، باتت توازي في أهميتها السيطرة على الأرض أو الموارد، في هذا السياق، تبرز خدمة ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس لا بوصفها ابتكارًا تقنيًا فحسب، بل كظاهرة تمتد إلى أبعاد سياسية واجتماعية عميقة تستحق الوقوف عندها والتأمل في آثارها. 

من حيث المبدأ، تُقدَّم ستارلينك كمشروع إنساني يهدف إلى كسر العزلة الرقمية وربط المناطق النائية بشبكة الإنترنت العالمية، هذا الخطاب، في ظاهره، يتماشى مع قيم العدالة الرقمية وتكافؤ الفرص، غير أن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين نغادر مستوى النوايا المعلنة إلى مستوى السلطة الفعلية: حول من يملك قرار التشغيل الشبكة؟ من يحدد نطاق التغطية؟ ومن يملك القدرة على إيقاف الخدمة أو تقييدها؟.

هنا، تنتقل ستارلينك من كونها مجرد خدمة تقنية إلى فاعل سياسي غير منتخب ، يمتلك تأثيرًا مباشرًا على مجتمعات ودول، وأحيانًا على مسارات صراع مسلح، فحين تُفعَّل الخدمة في مناطق تشهد اضطرابات سياسية أو حروبًا، لا تعتبر مجرد وسيلة اتصال، بل تصبح جزءًا من موازين القوة، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة.

السياسة تعلمنا أن السلطة لا تُقاس فقط بالقوة العسكرية أو بالسيادة القانونية، بل أيضًا بالقدرة على تنظيم الحياة اليومية للناس، والإنترنت اليوم أصبح أحد أهم محددات هذه الحياة، فمن يملك السيطرة على شبكة الأنترنت، يملك جزءًا من المجال العام، ومن يسيطر على مسارات الاتصال، يمتلك القدرة على التأثير في الوعي، والتنظيم، والمقاومة، وحتى على الصمت نفسه.

الإشكالية الكبرى في نموذج ستارلينك لا تكمن في كونها شركة أمريكية أو كياناً خاصا، بل في كونها عابرة للحدود وغير خاضعة لأي إطار دولي ملزم، الدولة الحديثة، كما عرفناها منذ قرون، قامت على احتكار وسائل الاتصال داخل حدودها، أما اليوم، فنحن نشهد تفكك تدريجي لهذا الاحتكار، لصالح كيانات تقنية تمتلك نفوذًا قد يفوق نفوذ بعض الدول، مما يطرح أسئلة جدية حول مستقبل السيادة وقدرة الدولة على التحكم في المجال الرقمي.

وجود شخصية مثل إيلون ماسك في قلب هذا المشهد يزيد الأمور تعقيدًا، فالرجل لا يخفي مواقفه السياسية، ولا ينظر إلى مشاريعه بوصفها كيانات محايدة بالكامل، وعندما يصبح قرار فرد واحد مهما كانت عبقريته قادرًا على التأثير في وصول ملايين البشر إلى الإنترنت، فإننا لا نكون أمام مسألة تقنية فحسب، بل أمام مأزق أخلاقي عميق يطرح أسئلة جوهرية عن السلطة والمسؤولية في العصر الرقمي، في الوقت نفسه، تتآكل قدرة الدول على التحكم في فضائها الخارجي، لصالح شبكات عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والقانونية، هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية الدولة، لكنه يفرض إعادة تعريف دورها، ويطرح سؤالًا ملحًا: كيف يمكن مساءلة سلطة لا تعيش داخل إقليم محدد.

المدافعون عن ستارلينك يرون فيها أداة لتحرير الشعوب من الرقابة والقمع، بينما يرى منتقدوها أنها قد تتحول إلى أداة ضغط أو نفوذ سياسي غير معلن، وبين هذين الموقفين، تقف الحقيقة في منطقة رمادية: فالتكنولوجيا لا تحمل أخلاقها في ذاتها، بل تكتسبها من طريقة استخدامها ومن الإطار الذي ينظمها.

لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على أن ستارلينك تُستخدم كأداة تجسس أو كجزء من مشروع سياسي سري، لكن غياب الدليل لا يلغي مشروعية القلق، فالتاريخ مليء بتقنيات بدأت بوعد إنساني، ثم تحولت لاحقًا إلى أدوات سيطرة حين غابت الرقابة والمساءلة.

المشكلة، إذن، ليست في ستارلينك وحدها، بل في الفراغ القانوني والأخلاقي الذي تعمل فيه، فالعالم لم يطوّر بعد منظومة دولية تنظم الإنترنت الفضائي باعتباره مرفقًا عامًا عابرًا للسيادة، وليس مجرد خدمة تجارية، وترك هذا المجال دون تنظيم، يعني عملياً التسليم بأن مستقبل الاتصال الإنساني قد يُدار بمنطق السوق والقرار الأحادي.

في لحظة تاريخية كهذه، يصبح دور المثقف والرأي العام ليس فى رفض التكنولوجيا، بل فى تفكيك خطابها، والسؤال عن حدودها، والمطالبة بإخضاعها للمساءلة، فالإعجاب بالابتكار لا ينبغي أن يُعمينا عن حقيقة أن كل قوة بلا ضوابط، مهما كانت نواياها، تحمل في طياتها بذور الاستغلال.

إن ستارلينك ليست مجرد مسألة تقنية بقدر ما هي سؤال فلسفي عن السلطة في عصر ما بعد الدولة، فإما أن يُنظر إلى الاتصال كحق إنساني تحكمه مواثيق مشتركة، أو يُترك كامتياز تمنحه شركات عابرة للحدود وفق حساباتها الخاصة، وبين هذين الخيارين، تتشكل ملامح المستقبل الرقمي للعالم، ويُختبر وعينا الجماعي بحدود القوة ومسؤولية من يمتلكها.

اقرأ أيضًا:

دكتور محمد عسكر يكتب: كيف انحرفت السوشيال ميديا عن دورها الحقيقي؟

تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تيليجرام) اضغط هــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا.

إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.

Short Url

search