الإثنين، 09 فبراير 2026

07:48 م

د. تامر مؤمن يكتب: المشروعات الصغيرة والمتوسطة وهم النمو.. كيف ينقل التضخم "الصغار" إلى ملعب الكبار؟

الإثنين، 09 فبراير 2026 03:47 م

تامر مؤمن

تامر مؤمن

توطين الصناعة لا يتحقق بالنوايا الطيبة، ولا توجد تنمية مستدامة بدون ما أسميته "أنياب اقتصادية"؛ أي إنتاج حقيقي يمتلك الجودة والقدرة التصديرية، ولكن، كيف نحقق ذلك ونحن نعزف بآلات منفردة؟، السياسة النقدية تعمل في اتجاه لكبح التضخم، والاستثمارية تبحث عن حوافز.

ما نحتاجه الآن ليس مبادرات جديدة متناثرة، بل "استراتيجية وطنية موحدة" يقودها مجلس أعلى يمتلك صلاحيات التنسيق الكامل لفك الاشتباك بين الجهات نحتاج تعريفاً مرناً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مربوطاً بمعدلات التضخم، حتى لا نخدع أنفسنا بأرقام مبيعات متضخمة لا تعبر عن إنتاج حقيقي.

في لغة الاقتصاد، الأرقام لا تكذب، لكنها في الحالة المصرية تروي قصة خلل هيكلي لا يمكن السكوت عنه عندما ندقق النظر في خارطة الشركات، ويبرز رقم واحد صادم يكشف حجم الأزمة: أقل من 2200 مشروع متوسط فقط.

هذا الرقم الضئيل، وسط محيط من 3.4 مليون مشروع متناهي الصغر، يخلق ما نسميه اقتصادياً بظاهرة "الوسط المفقود" نحن أمام هرم مقلوب؛ قاعدة عريضة جداً، وقمة مدببة من الكيانات الكبرى، وبينهما فراغ هائل كان يفترض أن تملأه الطبقة المتوسطة من المشروعات والشركات التي تقود قاطرة التصنيع والتصدير في أي اقتصاد ناهض.

وبصفتي مصرفياً ومراقب للوضع الاقتصادي: أرى أن الخطر الحقيقي الذي يواجه هذا القطاع اليوم ليس فقط شح التمويل، بل ما يمكن وصفه بـ “فخ التعريفات في زمن التضخم”، ففي ظل الموجات التضخمية المتلاحقة، ارتفعت أرقام مبيعات الشركات "اسمياً" بسبب غلاء الأسعار، وليس بسبب زيادة الوحدات المنتجة.

النتيجة كانت درامية، شركات صغيرة وجدت نفسها فجأة، وبجرة قلم، تترقى إحصائياً لتُصنّف كـ "شركات متوسطة" أو كبرى، لتخرج قسراً من مظلة مبادرات الفائدة المدعومة وتصطدم بتكلفة تمويل تجارية -ورغم اتجاه البنك المركزي للخفض مؤخراً- إلا أنها تظل عبئاً ثقيلاً يلتهم الهوامش الربحية مقارنة بالسعر المدعوم، هذا "الترقي الإحصائي" لم يكن نمواً، بل كان عقاباً غير مقصود حول الكثيرين من مصنعين إلى تجار لسرعة دوران رأس المال، وهو ما يفسر لماذا نعاني من "هشاشة إنتاجية" رغم ضخامة السوق.

الحل يكمن في التحول الجريء من سياسة دعم التعثر إلى حوافز الدمج والإنتاج، علينا تقديم حوافز ضريبية ذكية تشجع الكيانات المتناهية الصغر على الاندماج لخلق كيانات متوسطة قوية، وربط هذه المشروعات بسلاسل الإمداد العالمية بدلاً من تركها تغرق في المنافسة المحلية الضيقة وهو ما أصلت وأشرت إليه سابقًا بمقالي السابق عبر منصة "إيجى إن" بالإحلال النوعي العميق.

مصر تمتلك كل بذور النمو، من خلال سوق استهلاكي ضخم، وكوادر شابة، وقطاع مصرفي قوي، ينقصنا فقط تلك الإرادة التنسيقية التي تحول هذه المكونات من جزر منعزلة إلى تروس مترابطة في ماكينة إنتاج واحدة. فالرهان اليوم ليس على "كم" مشروعاً نمول، بل على "كيف" نصنع شركات قادرة على الصمود، والتصنيع، والتصدير.

اقرأ ايضًا:

الدكتور تامر مؤمن يكتب: الإحلال النوعي العميق خارطة طريق مصر لكسر هيمنة صناعة التجميع

دكتور تامر مؤمن يكتب: كيف أعدنا قراءة الخارطة الاقتصادية لمصر عبر منصة "إيجي إن"؟

دكتور تامر مؤمن يكتب: التمويل المبني على البيانات وجيل جديد من الائتمان المصرفي للمشروعات الصغيرة

دكتور تامر مؤمن يكتب: إستراتيجية مصر الرقمية في ضوء التوجيهات الرئاسية ومؤشرات 2025

Short Url

search