الأحد، 11 أكتوبر 2026

04:18 م

دكتور تامر مؤمن يكتب التمويل الانتقالي: الحل المصرفي لحماية الكيانات الصناعية المصرية في عصر الاستدامة

الأحد، 11 أكتوبر 2026 02:27 م

د. تامر مؤمن - خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

د. تامر مؤمن - خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

في عالم الصناعة، لا تمنحنا التشريعات الدولية رفاهية الوقت للاستعداد؛ فالقواعد تتغير بينما تدور ماكينات المصانع، والبقاء هنا ليس للأقوى، بل لمن يمتلك مرونة التمويل لامتصاص الصدمات التشغيلية والمتغيرات العالمية.

لم نكد ننتهي في مقالنا السابق ضمن سلسلة الصناعة المصرية المستدامة عبر منصة "إيجي إن"، من تفكيك تبعات فاتورة الكربون الحدودية، حتى تبلورت مؤخرًا تحركات تشريعية أوروبية جديدة، تضع استدامة صناعاتنا الاستراتيجية أمام اختبار فوري وضاغط.

وأدرجت المفوضية الأوروبية مصر، ضمن مسودة الدول غير الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي قد يُقيد تصدير مخلفات المعادن "الخردة" إليها؛ متذرعة بضرورة امتلاك الأسواق المستوردة لبنية تحتية معتمدة لإدارة النفايات بطريقة مستدامة، ومطالبة مصر بإثبات وجود ضوابط للحد من التلوث عند معالجة مخلفات المعادن.

هذا التحول التنظيمي ليس مجرد خبر عابر، بل هو صدمة هيكلية تضرب في مقتل صناعات حيوية كالحديد والصلب والألومنيوم، فبحسب بيانات الاتحاد العربي للحديد والصلب، استوردت مصر نحو 2.12 مليون طن من خردة الصلب من الاتحاد الأوروبي، خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 59.7% على أساس سنوي، مقابل نحو 1.83 مليون طن خلال 2025.

وعلية فاعتماد هذه المصانع على الخردة كمدخل إنتاج رئيسي، كان يضمن لها استهلاك طاقة أقل وبصمة كربونية منخفضة، فحرمان خطوط الإنتاج المصرية من هذه الخامات، سيُجبر المُصنع المصري على استيراد خامات أولية، تتطلب معدلات حرق طاقة أعلى بكثير، ما يرفع نفقاته التشغيلية ويزيد انبعاثاته فجأة، ليضعه مجددًا تحت طائلة الضرائب الحدودية الأوروبية عند التصدير.

ونصطدم بمعضلة تواجه الإدارات الصناعية ولجان التمويل على حد سواء في ظل هذه التشابكات التنظيمية، وهو كيف يمكن لكيان إنتاجي تُفرض عليه هذه القيود، أن يحصل على التمويل اللازم لتطوير عملياته، في ظل اشتراطات عالمية مفرطة المثالية، تطالب بالوصول الفوري إلى ما يُعرف بالانبعاثات المنخفضة أو الصفرية؟

ويؤكد الواقع التشغيلي بوضوح، أن استيراد معايير "التمويل الأخضر الخالص" وتطبيقها حرفيًا على مصانعنا المحلية، يمثل تقييدًا تمويليًا يضر بعصب الاقتصاد المصري، وبالاحتكام إلى المؤشرات الكمية، يساهم القطاع الصناعي المصري، بنحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ويستحوذ على ما يقارب 30% من إجمالي استهلاك الطاقة، وفقًا لبيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.

فالصناعات الاستراتيجية، لا تمتلك رفاهية التحول المفاجئ إلى طاقة نظيفة بشكل كامل، كما أن محاولة فرض هذه المعايير الأوروبية، تعني تجميد النصيب الأكبر من التمويلات الموجهة للقطاع الصناعي، وهو ما يتناقض جذريًا مع توجهات البنك المركزي المصري، بضخ 25% من المحافظ الائتمانية نحو المشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ وهي نسبة تترجم إلى مئات المليارات، التي تبحث عن توظيف آمن وحقيقي.

ولتجاوز هذا الاختناق التشغيلي، وباعتبار أن إجمالي أصول القطاع المصرفي المصري قد قفز ليسجل 27.6 تريليون جنيه بنهاية النصف الأول من 2026 - وفقًا للتقرير الصادر عن البنك المركزي المصري في نهاية سبتمبر 2026 - فإن الأزمة لم تعد في ندرة السيولة كما نؤكد دائما، بل في إدارتها وهندسة توجيهها وحوكمتها.

ومن واقع خبراتي المصرفية في التمويل المؤسسي والتنمية المستدامة، أستطيع القول أن تبني مفهوم "التمويل الانتقالي"، هو المفهوم المصرفي الأكثر واقعية لحماية الصناعة الوطنية، وهذا المسار الائتماني، لا يبحث عن مشروعات خضراء نقية لتمويلها، بل يُصمم خصيصًا للصناعات التقليدية لتحسين كفاءتها تدريجيًا.

فعندما يتدخل صانع القرار الائتماني لتمويل مصنع بهدف تحديث تكنولوجيا الأفران للتعامل مع خامات بديلة، أو لاستبدال غلايات متهالكة لتقليل الهدر، فإن هذا المصنع لم يصل إلى الانبعاثات المنخفضة او الصفرية، ولكنه حقق قفزة تشغيلية هائلة، تحميه من تقلبات سلاسل الإمداد الدولية. 

وعند ترجمة هذا الترشيد محاسبيًا وماليًا ومصرفيًا داخل غرف لجان المخاطر، فإن التمويل الانتقالي الموجه لرفع كفاءة استهلاك الغاز أو الكهرباء بنسب تتراوح بين 15% إلى 20%، ينعكس مباشرة على هيكل النفقات التشغيلية، ليحقق خفضًا مستدامًا في التكاليف.

هذا الانخفاض يحمي ويُعظم الأرباح التشغيلية للمصنع، ما يمنحه حصانة مالية صلبة، وبالنسبة للقطاع المصرفي، فإن هذا الاستقرار في هوامش الأرباح يُترجم رياضيًا إلى تحسن فوري في الجدارة الائتمانية للعميل، وانخفاض صريح في احتمالية التعثر.

ويتجاوز التمويل الانتقالي كونه مجرد أداة للامتثال البيئي، ليصبح استراتيجية مصرفية ومالية تحمي التدفقات النقدية للكيانات الصناعية، وتضمن للمؤسسات التمويلية انتظام سداد محافظها.

غير أن هذا التعافي الداخلي يتطلب تحصينًا خارجيًا؛ فكيف ستؤثر هذه المعايير على بقاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة ضمن سلاسل الإمداد العالمية؟ ولماذا سيُجبر المورد المحلي على الخروج من السوق إذا تجاهل هذه التحولات؟ هذا ما سنطرح أبعاده في محطتنا التحليلية القادمة عبر "إيجي إن".

 

اقرأ أيضًا:-

دكتور تامر مؤمن يكتب.. التمويل على أرضية المصنع يهدف لحماية صادراتنا من العزلة الدولية

دكتور تامر مؤمن يكتب مفارقة السيولة والقدرة: البُعد المفقود في تقييم المخاطر المصرفية في عصر

الدكتور تامر مؤمن يكتب: صادراتنا في ميزان الاستدامة.. هل تتحول قدراتنا التشغيلية إلى «أصول عالقة»؟

Short Url

search