-
شعبة الأدوات الكهربائية تبحث التوسع في تصنيع لمبات الليد وفقًا للمواصفات القياسية
-
«المواصفات والجودة» تعقد اجتماعات 22 لجنة فنية إلكترونيًا لتطوير المواصفات المصرية
-
وزير الاستثمار: 3 محافظات جديدة ضمن خطة «مصر تنطلق بالتصدير» حتى نهاية العام
-
الرئيس السيسي يبحث مع كوشنر تطورات غزة وتعزيز الشراكة المصرية الأمريكية
دكتور تامر مؤمن يكتب مفارقة السيولة والقدرة: البُعد المفقود في تقييم المخاطر المصرفية في عصر الاستدامة
الأحد، 16 أغسطس 2026 02:31 م
د. تامر مؤمن - خبير مصرفي ومحلل اقتصادي
عندما تُغلق أبواب لجان الائتمان في البنوك والمؤسسات التمويلية، تسقط كل الشعارات الرنانة، ويبقى سؤال واحد يحكم المشهد: "ما هي احتمالية تعثر هذا العميل؟".
لعقود طويلة، اعتمدنا كصناع قرار مصرفي على الأداء المالي التاريخي لتقييم المستقبل، لكن تعقيدات الأسواق الحديثة أثبتت أن القوائم المالية للعام الماضي، لم تعد كفيلة بحماية أموال المودعين في العام القادم.
إننا نشهد ثورة صامتة في فلسفة إدارة التمويل والمخاطر، ثورة تحتم علينا دمج كفاءة استهلاك الموارد كمعيار ائتماني صلب لتحديد تسعير القروض بشكلٍ عادلٍ ومحكم.
وفي خضم النقاشات العالمية، من مؤتمرات المناخ إلى أروقة وول ستريت، يطاردنا رقم سحري يتكرر بلا هوادة: هناك فجوة تمويلية عالمية للمناخ وما يعمق هذه الفجوة الهيكلية، هو المشهد الذي رسمه "تقرير المخاطر العالمية" الصادر من قلب منتجع دافوس السويسري في منتصف يناير 2026، تقدر بـ 4.5 تريليون دولار سنويًا حتى عام 2030.
ظاهريًا، تبدو المشكلة "كمية"؛ فالعالم يحتاج إلى مزيد من المال، ولكن، بصفتي ممارسًا يقف على خط التماس بين الاستراتيجيات المصرفية وواقع السوق المصري، أزعم أن التشخيص خاطئ تمامًا.
في السوق المصري، يمثل التزام البنوك بتوجيه 25% من محافظها الائتمانية لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، وفقًا للضوابط الرقابية، قوة دفع هائلة تقدر بمئات المليارات.
لكن التحدي التنفيذي الحقيقي، يكمن في كيفية ضخ هذه السيولة الضخمة دون رفع معدلات الديون غير المنتظمة، خلال مشاركتي الأخيرة كمتحدث وعضو لجنة استراتيجية في برنامج الزمالة المهنية العالمية الذي نظمته منظمة سفراء الاستدامة العالمية (GAoS) والغرفة العالمية الخضراء للتجارة (GGCC)، وفي ورقة السياسات الدولية التي تشرفت بالمشاركة في تأليفها، طُرح سؤال محوري حول قدرة الشركات المحلية على استيعاب التمويل وتوظيفه.
الإجابة المهنية تتلخص، في أن البنوك تواجه يوميًا ما أسميته بـ"مفارقة "رأس المال والقدرة"، فالبنك لديه رأس المال المخصص، والشركة المؤسسية لديها الرغبة في التوسع، لكنها تفتقر إلى القدرة المحاسبية على ترجمة وفوراتها البيئية إلى مقاييس جدارة ائتمانية واضحة.
ولحل هذه المفارقة، يجب تطبيق منهجية تحليلية تربط بين كفاءة الموارد والميزانية، عندما تستثمر الشركة في تكنولوجيا تقلل من استهلاك الطاقة أو تحد من الهدر، فإن نفقاتها التشغيلية تنخفض بشكل هيكلي، هذا الانخفاض يحسن فورًا من معدل تغطية خدمة الدين للمشروع، وهو ما يُترجم رياضيًا داخل النماذج الائتمانية للبنوك، إلى خفض صريح في احتمالية التعثر الائتماني.
ولعل تحقيق مستهدفات "رؤية مصر 2030" المحدثة، والتي تدمج البعد البيئي في كل خطط التنمية، يتطلب تغييرًا جذريًا في العقيدة المصرفية.
نحن بحاجة إلى جيل جديد من المصرفيين يمتلك القدرة على قراءة تقرير الانبعاثات الكربونية بنفس دقة قراءته للميزانية العمومية والمراكز المالية، ونحتاج إلى المصرفي الذى يلعب دور "الاستشاري الشريك"، الذي يقول للعميل، "دعنا نمول هذا الخط الجديد ليس لأنه أخضر، بل لأنه سيخفض فاتورة طاقتك بنسبة 30% ويزيد تنافسيتك التصديرية".
ومن واقع خبراتي، لترجمة هذه الرؤية إلى واقع مؤسسي يضمن الاستدامة الحقيقية، يتطلب الأمر تحركًا من القطاع المصرفي، يرتكز على ثلاث دعائم أساسية:-
- أسبقية التعليم على التمويل، وذلك عبر صياغة رؤية مشتركة تلزم البنوك بإنشاء وحدات دعم فني حقيقية مهمتها تأهيل الكوادر والعملاء، خاصة في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لقياس وإدارة بصمتهم الكربونية قبل مطالبتهم بتقارير معقدة.
- حتمية توطين المعايير: حيث لا يمكن استيراد معايير الاستدامة الأوربية وتطبيقها حرفيًا على مصانعنا المحلية، بل نحتاج لتطوير نماذج قياس وطنية (National Taxonomy) تراعي سياقنا التنموي.
- إعادة تعريف الربحية والاستثمار في العقول، إذ يجب أن ندرك أن الاستثمار في تطوير قدرات الموظفين المصرفيين وبناء كوادر مالية ومصرفية حديثة ليس تكلفة دفترية، بل هو استثمار استراتيجي في وقاية المحفظة الائتمانية من التعثر على المدى الطويل.
هذه الوقاية الائتمانية لا تقتصر على السوق المحلي فحسب، بل تمتد لحماية شرايين الاقتصاد الوطني، كما استعرضتُ في تحليلي السابق عبر منصة "إيجي إن" تحت عنوان (صادراتنا في ميزان الاستدامة: هل تتحول قدراتنا التشغيلية إلى أصول عالقة؟)، فإن التحول البيئي هو تحدٍ مصيري أمام صادراتنا الموجهة للاتحاد الأوروبي والأسواق المتقدمة.
فمفاهيم "التوطين النوعي العميق" باتت متلازمة عضويًا مع الامتثال لمعايير الحوكمة (ESG)، ومع الدخول الفعلي لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) حيز التنفيذ، فإن الكيانات الصناعية التي تدير ظهرها لتحديث مواردها ستجد أبواب التصدير مغلقة بحواجز ضريبية قاسية، لتتحول قدراتها التشغيلية إلى "أصول عالقة" تعجز عن المنافسة دوليًا.
تأسيسًا على هذا التشخيص؛ أؤكد أن التمويل المصرفي المستدام لم يعد يعتمد على قراءة دفاتر الماضي، بل على هندسة إمكانيات المستقبل، كما إن تحويل معايير الاستدامة من مجرد تقارير ورقية تُحفظ في الأدراج، إلى نماذج رياضية تُتخذ بناءً عليها قرارات المنح الائتماني، وهو الخط الفاصل بين البنوك التي تواكب التطور ببطء، والبنوك التي تصنع المستقبل، وتضمن الحصانة المطلقة لأموال مودعيها.
Short Url
أكثر الكلمات انتشاراً