السبت، 18 يوليو 2026

05:11 م

الدكتور تامر مؤمن يكتب: من اقتصاد الظل إلى تمويل الإنتاج.. كيف يخدم نظام "goAML" قطاع الـ SMEs؟

الأربعاء، 29 أبريل 2026 11:41 ص

الدكتور تامر مؤمن، خبير مصرفي

الدكتور تامر مؤمن، خبير مصرفي

د. تامر مؤمن – الخبير المصرفي

في عالم أسواق المال، غالباً ما تكون القرارات الرقابية الحازمة هي المحفز الأقوى لتسريع وتيرة النضج المؤسسي وإعادة تشكيل قواعد اللعبة، حيث يعد قرار البنك المركزي المصري بإلزام قطاع الصرافة بتطبيق نظام الإبلاغ الرقمي اللحظي “goAML” بضوابطه السيبرانية المعقدة والتي تشمل العزل الشبكي الكامل وحظر الصيانة الخارجية هو في حقيقته إعلان بانتهاء عصر الشركات العائلية والفردية في قطاع تداول النقد، وإيذاناً ببدء حقبة الهيمنة المطلقة للكيانات عالية الحوكمة.

دعونا نقرأ المشهد بلغة السوق والبيانات، نحن أمام تقدم غير مسبوق في البنية التحتية الرقمية؛ فقد سجلت مصر قفزة تاريخية في معدلات الشمول المالي لتصل إلى 76.3%، بكتلة ديموغرافية تتجاوز 53.8 مليون مواطن مشمول مالياً. هذه الكتلة تمثل "سيولة ديموغرافية نائمة" ما لم يتم تفعيل ما أطلق عليه "المضاعف الرقمي" فعلى سبيل المثال قفزت أعداد ماكينات نقاط البيع الإلكترونية (POS) لتكسر حاجز 274 ألف ماكينة بنهاية 2025، مقارنة بأقل من 120 ألف ماكينة في عام 2021. هذا النمو (الذي يتجاوز 128% في سنوات معدودة) يعني أن الاقتصاد يتحرك بوتيرة متسارعة نحو بيئة مالية متكاملة ومترابطة لحظياً في ظل هذه البيئة، يصبح من العبث أن تستمر منافذ الصرافة التقليدية في العمل بآليات معزولة.

إلزام البنك المركزي بتوجيه 25% من محافظها للمشروعات الصغيرة

وعلى صعيد تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، عانت البنوك في ترويض تكلفة المخاطر لتحقيق إلزام البنك المركزي بتوجيه 25% من محافظها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، في ظل فجوة تمويلية مستهدفة تقارب الـ 55 مليار جنيه. اليوم، ومن خلال الاستحواذ المفتوح على كيانات (FinTech) في سوق يتوقع أن يلامس حاجز الـ 2.9 مليار دولار بحلول 2033، لم تعد البنوك مضطرة للاعتماد على لجان الائتمان التقليدية المكلفة لتقييم الكيانات الصغيرة والمتوسطة؛ وذلك لأن الاستثمار التكنولوجي يسمح بتطبيق "التقييم السلوكي" حيث تُقرأ الجدارة الائتمانية عبر قواعد البيانات الذكية وتحليل البيانات البديلة في ثوانٍ معدودة.

ومن هنا، يطبق البنك المركزي ما يطلق علية نظرية "الاصطفاء المؤسسي" بامتياز؛ فالنفقات الرأسمالية الضخمة المطلوبة لتأمين الربط مع وحدة مكافحة غسل الأموال ستخلق ضغطاً فورياً وخانقاً على هوامش ربحية الكيانات الصغيرة. هذا الضغط سيضع تلك الكيانات أمام مسارين لا ثالث لهما: إما الدخول في سلسلة اندماجات معقدة لتكوين تكتلات قادرة على تحمل تكلفة التكنولوجيا، أو- وهو السيناريو الأقرب للواقع - الخروج الطوعي وترك الحصة السوقية بالكامل للأذرع الاستثمارية التابعة للبنوك الكبرى، والتي تمتلك بالفعل "مخطط الجاهزية" والملاءة المالية لاستيعاب هذه التكاليف بسلاسة ودمجها ضمن ميزانياتها الضخمة.

هذا التحول الهيكلي ليس مجرد تغيير في أسماء اللاعبين، بل هو فرصة ذهبية لقطاع تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) فعندما تنجح الإجراءات في سحب تدفقات النقد الأجنبي من أيدي العشوائية وضخها في القنوات البنكية المراقبة، تتضخم القاعدة الرأسمالية للبنوك تلقائياً وبدلاً من تسرب السيولة لتمويل الاستهلاك الموازي، تتحول هذه الحصيلة إلى خطوط ائتمانية مدروسة تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعد العمود الفقري للإنتاج والاقتصاد، وبالتالي تخلق دورة تمويلية منتجة تدعم سلاسل الإمداد المحلية.

وبصفتي مصرفيا أرى، أن قرار البنك المركزي المصري وضع قواعد اشتباك جديدة للمستثمرين في هذا القطاع لا تقبل المساومة، فالميزة التنافسية لشركات الصرافة اعتباراً من اليوم لن تكون في تقديم "السعر الأفضل" كما كان في الماضي، بل في الكفاءة التقنية، وسرعة التسوية، والقدرة على التكامل مع منظومات التكنولوجيا المالية (FinTech) لتقديم قيمة مضافة للعميل، سوق الصرافة يُعاد كتابة قواعده الآن، ومن يكتفي بمراقبة التحول دون الاستثمار في بنيته التحتية، سيجد نفسه غداً خارج أسواق المال الحديثة والبقاء الآن لمن يمتلك الرؤية المؤسسية للمستقبل.

Short Url

search