السبت، 18 يوليو 2026

03:48 م

الدكتور تامر مؤمن يكتب: أنياب اقتصادية ناعمة.. البنك المركزي ينقل التصدير العابر إلى التوطين في إفريقيا

الثلاثاء، 19 مايو 2026 12:35 م

الدكتور تامر مؤمن

الدكتور تامر مؤمن

بقلم: د. تامر مؤمن- خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

إفريقيا لم تعد مجرد سوق استهلاكي لتصريف فائض الإنتاج، بل هي العمق الجيواقتصادي الذي يجب أن نرسخ فيه استراتيجية التوطين النوعي العميق، لتتحول الشركات المصرية من موردين عابرين إلى حلقات لا غنى عنها في الشريان الحيوي لسلاسل الإمداد القارية، فالرقابة المالية العابرة للحدود لم تعد قيداً على حركة التجارة، بل هي الدرع الاستراتيجي الذي يحول طموح المشروعات وخاصةً الصغيرة والمتوسطة منها في التوسع الخارجي من مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى مسار استثماري آمن ومحسوب العوائد.

في وسط عالم تعاد فيه صياغة تحالفات التجارة الدولية، ولم تعد الجغرافيا وحدها تكفي لضمان النفوذ الاقتصادي، بل باتت القارة الإفريقية، ساحة تنافس شرس تتطلب امتلاك "أنياب اقتصادية ناعمة" فالقارة بقوتها الشرائية التي تتجاوز 600 مليون مستهلك ضمن تكتل الكوميسا وحده، وحجم التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا شهد طفرات ملحوظة، إذ تقترب الصادرات المصرية لدول التجمع من حاجز الـ 3.5 مليار دولار سنوياً، تتركز في الكيماويات، مواد البناء، الصناعات الغذائية، والأدوية. ورغم هذا الرقم الإيجابي، إلا أنه لا يزال يمثل نسبة متواضعة مقارنة بالفرص المتاحة في هذا التكتل الذي تبلغ وارداته من العالم الخارجي عشرات المليارات من الدولارات.

في هذا السياق، يأتي توقيع البنك المركزي المصري لمذكرة التفاهم مع مفوضية الكوميسا للمنافسة كخطوة استراتيجية تمنح الصادرات والاستثمارات المصرية الدرع الواقي لاختراق هذه الأسواق، ليس كمجرد موردين مؤقتين، بل كشركاء أصليين في قلب الشريان الاقتصادي للقارة وبمثابة إعلان عن نهاية عصر التصدير العابر والغير مستدام.

وهنا يجب التوضيح أن، الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه العديد من الكيانات سابقاً هو التعامل مع السوق الإفريقي كمنفذ طوارئ لتصريف فائض الإنتاج، هذه النظرة السطحية تصطدم بواقع أسواق تهيمن عليها أحياناً تكتلات احتكارية تعيق دخول الوافد الجديد، وعلية فبتوقيع البنك المركزي المصري لهذه الاتفاقية مع مفوضية الكوميسا للمنافسة قد أعلن عن تدشين المظلة التنظيمية الجديدة التي تضمن وجود بيئة منافسة عادلة، بما يشكل حجر الأساس لتطبيق استراتيجية التوطين النوعي العميق.

وبصفتي مصرفيا ومراقبا للوضع المالي والاقتصادي، أستطيع القول أن التوطين النوعي واختراق سلاسل الإمداد لا يعني بالضرورة بناء مصانع في الخارج، بل يعني دمج الشركات المصرية كحلقات أساسية لا غنى عنها في سلاسل الإمداد الإقليمية، فعندما تمتلك الشركة المصرية حماية قانونية ورقابية تمنع التلاعب بأسعار توريداتها أو إقصاءها لصالح كيانات أجنبية أخرى داخل دول الكوميسا، فإنها تتمكن من إبرام عقود توريد طويلة الأجل، هذا الاستقرار يحول الشركة من مصدر عشوائي إلى شريك استراتيجي في التنمية الإفريقية.

هذا البعد الاستراتيجي وحماية الكيانات الوطنية وتبادل المعلومات الرقابية حول الممارسات التجارية التقييدية- كما تنص الاتفاقية- يوفر لمصر راداراً إقليمياً يرصد التحركات التي قد تضر بمصالحنا الاقتصادية، وهذا ما أطلق عليه "الأنياب الناعمة" التي تجعل الاقتصاد المصري قادراً على المنافسة ليس فقط بجودة المنتج، بل بقوة الحماية المؤسسية التي تضمن للشركات المصرية- وخاصة الصغيرة والمتوسطة- حقها العادل في الاستحواذ على حصص سوقية مستحقة.

إن الحقيقة التي لا تقبل التأويل أن النفوذ المستدام في إفريقيا يبدأ من حماية سلاسل الإمداد، والتحرك المصري الأخير يرسخ لواقع جديد، نحن لا نصدر منتجاتنا فقط، بل نصدر معها قواعد المنافسة العادلة، ونحمي طموح شركاتنا بقوة القانون الإقليمي.

Short Url

search