الدكتور تامر مؤمن يكتب: أزمة الطاقة والحل المصرفي.. كيف نمول شمس مصر بعيدا عن الحلول التقليدية؟
الإثنين، 04 مايو 2026 04:13 م
الدكتور تامر مؤمن – خبير مصرفي ومحلل اقتصادي
إن المنهج التمويلي التقليدي الذي يتحفظ على تمويل مشروعات الطاقة الشمسية والمتجددة للمشروعات نتيجة التركيز على التغطيات العينية والبيانات التاريخية، هو منهج يساهم عملياً في تراجع الجدارة الائتمانية للعملاء أمام صدمات التكلفة وارتفاع أسعار الطاقة، مما يُمهد الطريق لتفاقم الديون غير المنتظمة مستقبلاً بدلاً من التحوط ضدها.
في ختام مشاركتي كـ"خبير ومقيّم رسمي" في المنتدى العالمي لرؤساء جامعات الاستدامة 2026، والذي شكّل منصة حوار نادرة بين صناع القرار الأكاديمي ومؤسسات دولية وازنة مثل منظمة سفراء الاستدامة العالمية (GAoS)، الغرفة التجارية الخضراء العالمية GGCC، ومبادرة التوعية البيئية السعودية، برز تساؤل جوهري يمس عصب الاقتصاد الحقيقي: كيف يمكننا جسر الهوة بين الابتكارات الخضراء الرائدة وبين الآليات التنفيذية لتمويلها داخل أروقة لجان الائتمان في البنوك والمؤسسات التمويلية؟
الواقع الذي نرصده اليوم كخبراء وممارسين في القطاع المصرفي يشهد حراكاً إيجابياً ومبادرات طموحة لدعم الاقتصاد الأخضر، إلا أن التطبيق الفعلي على أرض الواقع وخصوصاً على مستوى المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) لا يزال يواجه تحديات هيكلية؛ إذ تُقابل بعض طلبات تمويل مشروعات الطاقة الشمسية والمتجددة بتحفظات ائتمانية لا تنبع بالضرورة من ضعف الجدوى، بل من استمرار هيمنة "المنظور التقليدي" الذي يقيّم مخاطر اليوم بأدوات الأمس.
هذا المنظور لا يزال يتأثر بمعضلة "رأس المال مقابل القدرة"، حيث تُقرأ استثمارات الطاقة المتجددة كنفقات رأسمالية ضخمة قد تضغط على ميزانيات الشركات المحدودة، مما يدفع بعض اللجان الائتمانية للتمسك باشتراط ضمانات صلبة و تاريخية كحائط صد، ورغم تفهمنا لحرص القطاع المصرفي والتمويلي على جودة المحافظ الائتمانية، إلا أن هذا النهج قد يشكل قيداً غير مقصود على كيانات تمتلك مواهب وكفاءات تشغيلية استثنائية ولكنها تفتقر لتراكم الأصول، مما يتركها فريسة لتقلبات أسعار الطاقة وصدمات التكلفة التشغيلية و التي بطبيعة الحال سوف تلقى بظلالها على المنظومة الاقتصادية و المجتمعية بأثرها.
وفي ظل التحركات الحالية للدولة لاحتواء أزمة الطاقة والتوجيهات الحكومية بتسريع وتيرة الاعتماد على الطاقة الشمسية، تبرز فجوة واضحة بين "الخطاب القومي الطموح" وبين "الواقع التمويلي التشغيلي". فاستراتيجيات الدولة لاجتياز تحديات الطاقة، مهما بلغت قوة إرادتها السياسية، ستظل قدرتها على التأثير محدودة ما لم يدعمها ابتكار موازٍ في السياسات التمويلية فنحن بحاجة لسد هذه الفجوة عبر منظومة تمويلية تترجم خطط الحكومة إلى واقع ملموس للمصانع و المشروعات، وتحول المبادرات الخضراء من مجرد توجهات عامة إلى طوق نجاة للاقتصاد الحقيقي.
هنا، تبرز الحاجة الملحة لتطوير أدواتنا وتفعيل ما أطلقت عليه "مصفوفة قابلية التمويل"، كإطار عمل مبتكر يعيد هندسة تقييم المخاطر الائتمانية ليتواكب مع متغيرات الاقتصاد الكلي واستراتيجيات "التوطين النوعي العميق" التي تتبناها الدولة لتقليص الاعتماد على الاستيراد. ويكمن السر التشغيلي لهذه المصفوفة في "إعادة تعريف التدفقات النقدية"، فتركيب محطة طاقة شمسية لمصنع منتج لا ينبغي النظر إليه كعبء دين جديد، بل كأداة تحول استراتيجي تنقل تكلفة فواتير الكهرباء المتصاعدة والمتقلبة من خانة المصروفات التشغيلية المرهقة، إلى خانة "التدفقات النقدية المستقبلية المضمونة، وعلية فإن المحلل الائتماني المعاصر مدعو اليوم لرسملة هذا الوفر المالي المؤكد، وإضافته بشكل مباشر لدعم "معدل تغطية خدمة الدين، مما يرفع من الجدارة الائتمانية للعميل فوراً.
ولتعظيم هذا الأثر، يتجلى أهمية الهيكلة التمويلية في دمج مبادرات وزارة المالية و الصناعة لدعم تمويل خطوط الإنتاج و الطاقة المتجددة، إلى محددات البنك المركزي المصري لدعم المشروعات والتصنيع، والتسهيلات مع برامج تمويل الاقتصاد الأخضر (GEFF) المدعومة من مؤسسات مثل البنك الأوروبي (EBRD)، والتي تقدم حوافز واسترداداً نقدياً، وتوجيه هذا الاسترداد كدفعة معجلة لخفض أصل الدين، مع ضبط جدول الأقساط الزمنية ليتطابق تماماً مع قيمة الوفر الشهري المحقق عبر نظام "صافي القياس"، يخلق بسلاسة "هيكلاً ائتمانياً ذاتي السداد يمول نفسه من وفوراته دون إرهاق التدفقات النقدية الأساسية للعميل.
وفى رأيي، اننا يجب أن ندرك جميعاً أن تبني معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) قد تجاوز مرحلة الامتثال الشكلي أو الرفاهية المؤسسية؛ ليصبح "درعاً ائتمانياً" صلباً يحمي التدفقات النقدية للعملاء من صدمات التضخم، ويحصن محافظ البنوك من الديون غير المنتظمة ، والقطاع المصرفي المصري، بما يمتلكه من كوادر محترفة ومبادرات استباقية، قادر تماماً على استيعاب هذه النقلة النوعية، فالبنوك التي تسارع اليوم لتبني منطق القدرة التشغيلية والتدفقات النقدية الخضراء في سياساتها، لا تؤمن فقط جودة محافظها، بل ترسخ مكانتها كشريك استراتيجي في رحلة التنمية المستدامة، مدركةً أن "المرونة التشغيلية" باتت هي الضمانة الحقيقية الأقوى في مشهد اقتصادي دائم التطور.
د. تامر مؤمن – خبير مصرفي ومحلل اقتصادي – عضو جمعية خبراء الاستثمار والضرائب المصرية – الخبير المراجع بلجنة اعتماد الزمالة العالمية للابتكار وريادة الأعمال، وعضو الهيئة الدولية لخبراء الاستدامة (IPSE) - سفير الاستدامة العالمي (GAoS)
Short Url
الدكتور محمد عسكر يكتب: مهارات المستقبل.. كيف يستعد الشباب لسوق العمل في العصر الرقمي؟
15 يوليو 2026 11:46 ص
نوران الرجال تكتب: «TIR».. بوابة مصر للاندماج في الممرات التجارية الممتدة إلى آسيا
14 يوليو 2026 12:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً