الجمعة، 09 أكتوبر 2026

02:22 ص

رقية الأشرم تكتب: من العاصمة سول إلى قناة السويس.. السيسي يفتح بوابة الشراكة الاستراتيجية مع كوريا الجنوبية

الجمعة، 09 أكتوبر 2026 12:25 ص

رقية الأشرم

رقية الأشرم

لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جمهورية كوريا الجنوبية، مجرد محطة في جولة أسيوية، وإنما جاءت لتدشين مرحلة جديدة في العلاقات المصرية ـ الكورية، عنوانها الانتقال من التعاون التقليدي، إلى شراكة استراتيجية تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وصناعية وتكنولوجية واسعة.

ووصل الرئيس السيسي، إلى سول في 6 أكتوبر 2026، في زيارة دولة تستمر حتى 9 أكتوبر، قبل أن يجتمع في 8 أكتوبر بالرئيس الكوري لي جاي ميونغ، حيث جرت مراسم الاستقبال الرسمية المهيبة والمباحثات الموسعة، وانتهت بتوقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.
 

شراكة استراتيجية تتجاوز التجارة 

كان الحدث الأبرز في الزيارة، هو الاتفاق المصري الكوري على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يفتح المجال أمام تعاون أوسع في السياسة والدفاع والاقتصاد والتعليم والثقافة والقضايا الإقليمية والدولية.

يأتي في مقدمة التطورات الاقتصادية، إطلاق المفاوضات الخاصة باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة CEPA، وهي خطوة تتجاوز اتفاقات التجارة التقليدية، إلى إطار أوسع يشمل تجارة السلع والخدمات والتعاون الاقتصادي وسلاسل الإمداد، ومن المقرر العمل باتجاه بدء الجولة الأولى من المفاوضات خلال النصف الأول من عام 2027.

وهنا تظهر أهمية مصر بالنسبة لكوريا الجنوبية، فمصر ليست سوقًا محلية فقط، وإنما منصة إنتاج وتصدير يمكن من خلالها الوصول إلى الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.

 

12 اتفاقية ومذكرة تفاهم.. خريطة تعاون جديدة

شهدت الزيارة توقيع أو تبادل 12 وثيقة تعاون واتفاقية ومذكرة تفاهم في مجموعة واسعة من المجالات، وتشمل:-

  • اتفاقية للضمان الاجتماعي لتنظيم حقوق العاملين بين البلدين وتجنب الازدواج في الاشتراكات التأمينية.
  • مذكرة تعاون في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي والبحث المشترك.
  • مذكرة تعاون في الطاقة النظيفة، تشمل الطاقة الشمسية والرياح وتحويل المخلفات إلى طاقة ومجالات الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
  • مذكرة تعاون في صناعة السفن، تشمل تطوير قدرات بناء وإصلاح السفن، وتدريب العمالة، واستخدام الوقود الأنظف وتموين السفن بالغاز الطبيعي المسال.
  • مذكرة تعاون بحري في النقل البحري والموانئ واللوجستيات وتبادل الخبرات.
  • إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة CEPA.
  • تحديث مذكرة التعاون في التعليم العالي، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتنمية المستدامة وبرامج الدرجات العلمية المشتركة.
  • مذكرة تعاون في البنية التحتية للكهرباء وشبكات الطاقة، بما يشمل تقنيات نقل الكهرباء والتخزين.
  • منصة رقمية لتيسير التجارة، تعتمد على الفحص القائم على المخاطر وتتبع حركة السلع.
  • اعتبار عام 2027، عامًا للتبادل الثقافي المصري الكوري.
  • مذكرة تعاون بين المتحف المصري الكبير، والمتحف الوطني الكوري.
  • مذكرة تعاون بين المتحف المصري الكبير، والمتحف الزراعي الوطني الكوري.

وبالتالي، لا تتحرك الاتفاقيات في اتجاه واحد، وإنما ترسم شبكة متكاملة تبدأ من التجارة والصناعة والطاقة، وتمتد إلى التكنولوجيا والتعليم والنقل والثقافة.
 

قناة السويس.. قلب الشراكة الصناعية الجديدة

لكن ربما يكون الجزء الأكثر أهمية اقتصاديًا، هو ما يتعلق بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فالرئيس السيسي، جدد خلال لقائه مع رؤساء 23 شركة كورية كبرى الدعوة لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بحيث لا تكون مجرد تجمع مصانع، وإنما مركزًا للإنتاج والتصدير إلى الأسواق المصرية والإقليمية والعالمية.

وتحمل هذه الفكرة بعدًا اقتصاديًا مهمًا؛ فالشركات الكورية تستطيع أن تنتج من مصر ثم تستخدم موقعها وشبكة اتفاقياتها التجارية للوصول إلى أسواق إفريقيا والدول العربية والاتحاد الأوروبي.

والأهم أن الرؤية المصرية المطروحة لا تقتصر على جذب مصانع للتجميع، وإنما تستهدف توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات وتدريب العمالة المصرية.

 

ماذا يمكن أن تصنع كوريا في مصر؟

المجالات التي طُرحت خلال لقاء الرئيسا السيسي، مع مجتمع الأعمال الكوري واسعة للغاية، وتشمل بناء السفن والسيارات، والسيارات الكهربائية، والإلكترونيات، والبتروكيماويات، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات.

كما تشمل فرصًا في الزراعة والتصنيع الغذائي والاستزراع السمكي والمنسوجات والسياحة، إضافة إلى البترول والغاز والتعدين والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية وتخزين الطاقة، وهذا يعني أن الطموح المصري من الشراكة الكورية، يتجاوز استيراد المنتجات الكورية إلى إنتاج التكنولوجيا والصناعة الكورية داخل مصر.

هيونداي روتيم.. نموذج لما يمكن أن يأتي

ومن أبرز المشروعات التي ظهرت بالفعل على هامش الزيارة، مذكرة التفاهم بين هيونداي روتيم والهيئة القومية للأنفاق بشأن التعاون في مشروع ترام يعمل بالهيدروجين للعاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب التعاون الأوسع في مشروعات السكك الحديدية والتنقل بالهيدروجين.

والأهمية هنا ليست فقط في شراء وسيلة نقل جديدة، وإنما في الاتجاه إلى تكنولوجيا نقل نظيفة، يمكن أن تفتح بابًا أمام توطين صناعات ومكونات مرتبطة بالنقل الأخضر والطاقة النظيفة.

 

من سامسونج وLG إلى مرحلة أوسع

الشركات الكورية ليست جديدة على السوق المصرية؛ فشركات كبرى مثل سامسونج وإل جي وهيونداي موجودة بالفعل في مصر، وهو ما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها بدلًا من البدء من الصفر.

لكن الرسالة التي حملتها زيارة الرئيس إلى مجتمع الأعمال الكوري، هي أن القاهرة تريد الانتقال من وجود الشركات الكورية في مصر إلى توسيع قاعدة التصنيع والاستثمار ونقل التكنولوجيا، ومن هنا تأتي أهمية المنطقة الصناعية الكورية المقترحة في قناة السويس.

 

لماذا قناة السويس؟

قناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي؛ فالمنطقة الاقتصادية المحيطة بها يمكن أن تتحول إلى منصة تجمع بين الموانئ والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتصدير، وهذا ما يجعلها مناسبة بصورة خاصة للصناعة الكورية، التي تعتمد على سلاسل إمداد عالمية، وتحتاج إلى مواقع إنتاج قريبة من الأسواق والممرات التجارية.

كما أن التعاون المصري الكوري في بناء السفن وإصلاحها والطاقة النظيفة والنقل البحري، يتقاطع بصورة مباشرة مع الموقع الاستراتيجي لقناة السويس، ومع استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.

 

السياسة والاقتصاد.. وجهان لشراكة واحدة

اللافت في هذه الزيارة، أن الاقتصاد لم ينفصل عن السياسة، فالبيان المشترك للشراكة الاستراتيجية، أشار إلى استمرار الحوار السياسي حول ملفات إقليمية ودولية، بينها القضية الفلسطينية والأمن المائي والقرن الإفريقي واليمن وليبيا وحرية الملاحة الدولية.

وهذا يعكس موقع مصر بالنسبة لكوريا، باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وفي الوقت نفسه يمثل التعاون مع كوريا بالنسبة لمصر، مدخلًا مهمًا إلى واحدة من أهم القوى الصناعية والتكنولوجية في أسيا.

 

مصر تريد التكنولوجيا.. وكوريا تريد منصة إنتاج جديدة

يمكن قراءة جوهر الشراكة الجديدة ببساطة كالآتي: مصر تريد التكنولوجيا والاستثمار والتصنيع والتصدير، وكوريا تبحث عن أسواق ومنصات إنتاج وممرات إلى إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وهنا تتقاطع المصالح، فإذا تحولت الاتفاقيات إلى مصانع ومراكز بحث وتطوير وسلاسل توريد محلية، فإن الأثر لن يكون في قيمة الاستثمار وحدها، وإنما في فرص العمل، وزيادة الصادرات، ونقل المعرفة، ورفع نسبة المكون المحلي، وربط الشركات المصرية بسلاسل الإنتاج العالمية، أما إذا بقيت الاتفاقيات في إطار مذكرات تفاهم دون تنفيذ صناعي ملموس، فسوف يظل الجزء الأكبر من المكاسب المحتملة مؤجلًا.

 

الرهان الحقيقي يبدأ بعد التوقيع

زيارة الرئيس السيسي، إلى كوريا الجنوبية وضعت إطارًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا للعلاقات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد العودة إلى القاهرة، فالرهان الآن هو تحويل الـ12 اتفاقية ومذكرات التفاهم، ومفاوضات CEPA، والدعوة إلى المنطقة الصناعية الكورية في قناة السويس، إلى مشروعات محددة بجدول زمني واستثمارات معلنة ومصانع تدخل مرحلة التنفيذ.

فالمعادلة التي تطرحها القاهرة واضحة وهي: لا نريد فقط منتجات كورية في مصر.. بل نريد الصناعة الكورية تُنتج في مصر، ولا نريد فقط استثمارات تخدم السوق المحلية، وإنما مصانع تستطيع أن تجعل من مصر قاعدة تصدير إلى إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

وهنا تصبح زيارة سول أكثر من زيارة رئاسية؛ إنها محاولة لإعادة صياغة العلاقة المصرية الكورية من شراكة تجارية إلى شراكة إنتاج وتكنولوجيا وتصدير، ومن علاقة ثنائية إلى تعاون يمكن أن يمتد من قناة السويس إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية.

إنها معادلة تقوم على الموقع المصري والتكنولوجيا الكورية، وقناة السويس كممر عالمي، ومصر كقاعدة صناعية، وكوريا كشريك تكنولوجي وصناعي، وإذا نجحت هذه المعادلة في الانتقال من الاتفاقيات إلى خطوط الإنتاج، فقد تصبح الشراكة المصرية الكورية واحدة من النماذج المهمة لكيفية تحويل العلاقات السياسية إلى قيمة اقتصادية وصناعية مباشرة.

Short Url

search