الدكتور تامر مؤمن يكتب: صادراتنا في ميزان الاستدامة.. هل تتحول قدراتنا التشغيلية إلى «أصول عالقة»؟
الأحد، 28 يونيو 2026 02:08 م
الدكتور تامر مؤمن - خبير مصرفي ومحلل اقتصادي
في مسارات الاقتصاد الكلي، أخطر ما يواجه الدول هو الخلط بين الأهداف التشغيلية المرحلية والاستراتيجيات الوطنية الكبرى؛ حيث لا تُقاس مرونة الدول بحجم السيولة اللحظية التي تولدها، بل بمدى صلابة هيكل رأس المال الذي يضمن استدامة هذه السيولة. ولعل التباين الحالي في الأوساط الاقتصادية المصرية حول المستهدفات التصديرية يمثل تجسيداً حياً لهذا التحدي الهيكلي.
فنحن نقف أمام مسارين يبدوان للوهلة الأولى مختلفين: الأول يتمثل في التصريحات التنفيذية التي تحشد الجهود لبلوغ حاجز الـ 100 مليار دولار كهدف تشغيلي عاجل، والثاني تنطق به "وثيقة التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري (2024-2030)"، والتي أعادت صياغة السردية الوطنية لتستهدف نمواً تصديرياً سنوياً يبلغ 20%، وصولاً إلى 145 مليار دولار؛ وهو الرقم الذي لا يمثل مجرد طموح مؤجل، بل وثيقة تأمين حتمية لبقاء الاقتصاد المصري في الساحة العالمية.
ومن هنا يُطرح التساؤل المؤسسي الأهم: هل نحن أمام تباين في الأرقام أم غياب للربط الاستراتيجي؟ بعين التشخيص المالي والمؤسسي الدقيق، نحن لسنا إزاء تضارب، بل أمام أزمة أعمق أُطلق عليها معضلة رأس المال مقابل السعة، فبلوغ الـ 100 مليار دولار يعتمد على عصر "السعة" التشغيلية للمصانع الحالية، وهو جهد محمود لإنقاذ الحاضر. لكن العبور نحو 145 مليار دولار يتطلب بناء "رأس مال" تكنولوجي ومؤسسي جديد، لأن قواعد اللعبة القديمة قد انتهت صلاحيتها.
فلم يعد العبور إلى الأسواق العالمية في اقتصاديات القرن الحادي والعشرين مرهوناً بتكلفة العمالة الرخيصة أو وفرة المواد الخام، بل أضحى محكوماً بمعادلات معقدة تمزج بين التكنولوجيا الفائقة والانضباط البيئي الصارم. إن استدامة تواجدنا على الخريطة الدولية كمركز إقليمي، تتطلب تفعيل ما أسميه "مثلث البقاء الاقتصادي"، والذي يضع معايير الحوكمة والاستدامة في الصدارة المطلقة لمعادلة التصدير، محولاً إياها من رفاهية أكاديمية إلى شرط حصري للبقاء.
فعند الغوص في المكونات الرقمية لهدف الـ 145 مليار دولار، تتكشف لنا ملامح تحول هيكلي جذري يبتعد عن السلع المادية البحتة ليقتحم مساحات المعرفة والطاقة النظيفة. فنحن نتحدث هنا عن استهداف سد فجوة تقارب 9.5 مليار دولار في صادرات التعهيد وتكنولوجيا المعلومات للوصول بها إلى 13 مليار دولار، إلى جانب طموح استراتيجي يلامس 10 مليارات دولار لقطاع ناشئ بالكامل، وهو تصدير الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، هذه المؤشرات الكمية تعكس انحيازاً محموداً نحو تعظيم العائد من رأس المال الفكري والطبيعي، وخطوة استباقية للاندماج في اقتصاديات المستقبل المستدام.
ومن واقع خبراتي في استراتيجيات التمويل والتنمية المستدامة استطيع القول، إن هذا التحول تحدياً مصيرياً أمام صادراتنا السلعية الموجهة للاتحاد الأوروبي والأسواق المتقدمة، وأن مفاهيم "التوطين النوعي العميق" باتت متلازمة عضوياً مع الامتثال الصارم لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) ومع دخول آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) حيز التنفيذ الفعلي، فإن الكيانات الصناعية التي تدير ظهرها للطاقة النظيفة والشفافية المؤسسية ستجد أبواب التصدير مغلقة أمامها بحواجز ضريبية قاسية، وبناءً على تقييم مرونة الكيانات الاقتصادية، أؤكد أن تجاهل هذه المعايير سيحول قدراتنا التشغيلية الحالية إلى أصول عالقة تعجز عن إيجاد سوق أو مشترٍ دولي.
تأسيساً على هذا التشخيص، يجب أن نعي أن طريق الوصول إلى رؤية 2030 يكمن في قدرتنا المؤسسية على التكيف الاستباقي لا رد الفعل المتأخر، وأن التصدير لم يعد مجرد عملية لوجستية لعبور الحدود، بل هو التزام جيواقتصادي يحتم صياغة هوية جديدة ومستدامة للمنتج المصري. العبور الآمن نحو مستهدف الـ 100 مليار دولار كهدف تشغيلي، والـ 145 مليار دولار كهدف استراتيجي، يمر حتماً عبر بوابة الحوكمة والاستدامة. فالتوطين التكنولوجي بلا هوية خضراء هو سباحة عكس تيار الاقتصاد العالمي، والدول أو المؤسسات التي تفشل في دمج الاستدامة في حمضها النووي اليوم، ستجد نفسها غداً خارج سياق المنافسة وسلاسل الإمداد.
Short Url
رقية الأشرم تكتب: التضخم.. حين يأكل الأخضر واليابس
27 يونيو 2026 05:53 م
نوران الرجال تكتب: أهمية مضيق هرمز في الاستراتيجية الصينية وأثره على أمن الطاقة العالمي
25 يونيو 2026 09:40 ص
مدحت يوسف يكتب: أزمة مضيق هرمز.. وعودة الاعتراف بقوة الطاقة الأحفورية
23 يونيو 2026 11:50 ص
أكثر الكلمات انتشاراً