الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

04:25 م

نوران الرجال تكتب.. كيف انتصرت مصر بحريا في حرب أكتوبر؟ معركة لم تبدأ في 6 أكتوبر

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 02:50 م

الباحثة نوران الرجال

الباحثة نوران الرجال

في ذكرى نصر أكتوبر العظيم، تبقى تحية واجبة إلى جنود مصر الأبطال الذين صنعوا هذا النصر بدمائهم وتضحياتهم، وإلى كل من شارك في معركة أعاد فيها المصريون كتابة التاريخ، الأجيال التي خاضت حرب أكتوبر لم تترك مجرد ذكرى عسكرية، و إنما تركت نصرا ما زالت الكتب والدراسات العسكرية تتحدث عنه، باعتباره واحدا من أبرز نماذج التخطيط والمفاجأة والتنسيق في الحروب الحديثة.

وإذا كانت صورة العبور وتحطيم خط بارليف هي الصورة الأشهر في حرب أكتوبر، فإن وراءها منظومة متكاملة من العمليات والمعارك التي جرت على أكثر من جبهة، وكان للبحر فيها دور لا يقل أهمية من حيث التخطيط والتأمين والضغط الاستراتيجي.

لم تكن حرب أكتوبر 1973 معركة برية فقط، كما أن التخطيط المصري لم يتوقف عند عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، فبالتوازي مع الاستعداد للعبور، كانت هناك معركة أخرى يجري الإعداد لها في البحر، هدفها تأمين السواحل والموانئ المصرية، وحماية الجبهة البحرية، والضغط على خطوط الإمداد المرتبطة بإسرائيل.

ومن هنا، لم يكن البحر مجرد مسرح جانبي للحرب، بل كان جزءا من الخطة المصرية الأوسع لإدارة المعركة وحرمان إسرائيل من بعض أوراق الحركة والإمداد.

وكان البحر الأحمر أحد أهم مسارح العمليات البحرية خلال حرب أكتوبر، وفي قلبه برز مضيق باب المندب، باعتباره البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الذي تمر عبره السفن القادمة من وإلى المحيط الهندي.

وعملت مصر على إغلاق الطريق البحري أمام السفن المتجهة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي، وهو ما شكل ضغطا استراتيجيا على حركة الملاحة و الإمدادات المرتبطة بالميناء.

واللافت هنا هو اتساع نطاق المعركة جغرافيا؛ فالمسافة البحرية التقريبية بين منطقة باب المندب جنوب البحر الأحمر ومنطقة قناة السويس شماله تصل إلى نحو 1,200 ميل بحري، أي ما يقارب 2,200 كيلومتر.

وهذا يعني أن تأثير الخطة البحرية المصرية لم يكن محصورا في محيط قناة السويس، وإنما امتد على طول البحر الأحمر وصولا إلى بوابته الجنوبية.

وبالتالي، تحولت السيطرة على طرق الملاحة إلى ورقة عسكرية واستراتيجية، وأصبح البحر جزءا من عملية الضغط على إسرائيل، وليس مجرد مساحة للاشتباك بين القطع البحرية.

في الوقت نفسه، كانت القوات البحرية المصرية تؤدي مهاما أساسية في تأمين السواحل والموانئ والمنشآت الحيوية، ومنع القوات الإسرائيلية من استغلال البحر لتنفيذ عمليات يمكن أن تؤثر في سير المعارك.

ومع بدء العمليات في السادس من أكتوبر، كان تأمين الجناح البحري للقوات المصرية جزءا من منظومة الحرب الشاملة، إلى جانب حماية الموانئ وخطوط الملاحة والمنشآت الساحلية.

فالمعركة المصرية لم تكن تتحرك على محور واحد؛ كانت القوات البرية تعبر القناة، والقوات الجوية تنفذ مهامها، والدفاع الجوي يؤمن المجال الجوي، بينما تتحرك القوات البحرية لحماية الجبهة البحرية وفرض ضغوط على حركة الملاحة المرتبطة بالخصم.

ولم يقتصر النشاط البحري المصري على البحر الأحمر، بل امتد أيضا إلى البحر المتوسط، حيث نفذت القوات البحرية مهاما قتالية وتأمينية بالتزامن مع العمليات على الجبهة الرئيسية.

وكان الهدف هو الحفاظ على أمن الساحل الشمالي ومنع إسرائيل من امتلاك حرية حركة بحرية يمكن أن تستخدمها ضد المصالح المصرية.

وهنا ظهرت طبيعة مختلفة للحرب البحرية؛ فلم تكن المواجهة مجرد معركة بين أسطولين، وإنما اعتمدت على استخدام القطع البحرية والزوارق والصواريخ والوحدات المتخصصة لتنفيذ مهام محددة تخدم الهدف العسكري العام.

ومن هنا نبدأ أن نتحدث عن أهمية باب المندب ليس جغرافيا فقط وإنما من ناحية اللوجستيات و الاقتصاد أيضا.

وأهمية باب المندب في حرب أكتوبر لا ترتبط بموقعه الجغرافي فقط، وإنما بقدرته على التحكم في أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر.

فبالنسبة لإسرائيل، كان ميناء إيلات يمثل منفذا بحريا على البحر الأحمر، ولذلك فإن تعطيل الملاحة المتجهة إليه من الجنوب كان يعني تقليص مساحة الحركة المتاحة أمام إسرائيل في هذا الاتجاه.

وهنا تظهر أهمية التفكير المصري في الحرب: لم يكن الهدف فقط مواجهة القوات الإسرائيلية حيث توجد، و إنما الضغط على مصادر الحركة والإمداد التي تعتمد عليها.

ومن هذه الزاوية، أصبحت الجغرافيا البحرية نفسها جزءا من أدوات الحرب.

من قناة السويس إلى باب المندب.. حرب على مسافة 2,200 كيلومتر

عندما نتحدث عن حرب أكتوبر، غالبا ما تتجه الصورة مباشرة إلى قناة السويس، وإلى الجنود المصريين وهم يعبرونها في السادس من أكتوبر.

لكن المشهد البحري كان أوسع بكثير.

فمن قناة السويس شمالا إلى باب المندب جنوبا، امتدت جبهة بحرية شاسعة تصل إلى نحو 2,200 كيلومتر، بما يعكس حجم المساحة التي كان على مصر أن تؤمنها وتتعامل معها استراتيجيا.

وهنا تتضح واحدة من أهم دروس حرب أكتوبر: المعركة لم تكن مرتبطة بخط الجبهة وحده، وإنما بإدارة المجال الجغرافي المحيط بالحرب، برا وبحرا وجوا.

الانتصار البحري.. أكثر من معركة سفن

تكمن أهمية الدور البحري المصري في حرب أكتوبر في أنه لم يكن مجرد مجموعة من الاشتباكات البحرية، وإنما كان جزءا من تصور عسكري يقوم على حماية المصالح المصرية، وتأمين السواحل، وتقليص حرية حركة الخصم، والضغط على طرق الملاحة المرتبطة به.

ولهذا، فإن الحديث عن الدور البحري في حرب أكتوبر يجب ألا يقتصر على سؤال: كم سفينة تم تدميرها؟

السؤال الأهم هو: كيف استخدمت مصر البحر كجزء من استراتيجية الحرب؟

والإجابة تكشف أن البحرية المصرية أدت دورا يتجاوز المواجهة المباشرة؛ فقد شاركت في تأمين الجبهة، وحماية الموانئ والسواحل، وفرض ضغوط على الملاحة المرتبطة بإسرائيل، وفي مقدمتها الطريق المؤدي إلى إيلات عبر البحر الأحمر.
ولم يبدأ الدور البحري المصري في السادس من أكتوبر، كما أن تأثيره لم يكن محصورا في يوم العبور.

لقد سبقت الحرب استعدادات وتخطيطا لمختلف مسارح العمليات، ثم جاءت حرب أكتوبر لتكشف كيف يمكن للدولة أن تدير معركة واحدة عبر جبهات متعددة.

ومن قناة السويس إلى البحر المتوسط، ومن السواحل المصرية إلى باب المندب، لم يكن البحر بعيدا عن معركة أكتوبر، بل كان أحد ميادينها الاستراتيجية.

ولهذا، فإن قراءة حرب أكتوبر من زاوية بحرية تكشف لنا أن النصر لم يكن نتيجة العبور وحده، وإنما نتيجة خطة متكاملة جمعت بين المفاجأة والتخطيط والتنسيق بين أفرع القوات المسلحة، واستخدام الجغرافيا نفسها كأداة من أدوات الحرب.

ففي السادس من أكتوبر عبرت القوات المصرية قناة السويس، لكن المعركة البحرية كانت قد بدأت فكريا وتخطيطيا قبل ذلك، وامتد أثرها إلى مسافات بعيدة عن أرض المعركة الرئيسية.

وفي النهاية، يبقى نصر أكتوبر شاهدا على أن الإرادة والتخطيط والتضحية قادرة على تغيير موازين القوة، وأن أبطال القوات المسلحة المصرية الذين صنعوا هذا النصر سيظلون حاضرين في ذاكرة الوطن والتاريخ.

Short Url

search