الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

04:52 م

القطاع العقاري في مصر.. حلول ممكنة وإنعاش عاجل قبل فوات الأوان

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 02:53 م

محمد أحمد طنطاوي

محمد أحمد طنطاوي

بقلم محمد أحمد طنطاوي

"في مجتمعنا يُغفر للرجل كل شيء، ما دام يمتلك المال والوسائل التي تجعل الآخرين يحتاجون إليه"، فيودور دوستويفسكي " 1821 – 1881"، الكاتب والروائي الروسي الشهير، من روايته "الأبله"، والحقيقة كلما سمعت هذه العبارة أتذكر المداخلات الهاتفية لرجل الأعمال المعروف هشام طلعت مصطفى، مع عمرو أديب، ومستوى الصوت الصاخب، والعبارات الحادة دون رد أو توقف، والمونولوج الطويل، دون مقاطعة أو استفهام، حتى وإن كان الرجل يتحدث من البرج العاجي، ويسوق لرواية تختلف عن الواقع.

بالأمس القريب كتبت مقالًا عن حجم الأزمة التي يعاني منها قطاع العقارات في مصر، واقترابها من الذروة بعد وجود فائض غير مسبوق لم تشهده البلاد من قبل، وركود حقيقي في التعاقدات والمبيعات، أو حتى التخارج بخسائر بسيطة، لكن عندما تستمع إلى رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، تستشعر أن كل الأمور على ما يرام، والقطاع في أفضل حالاته، رغم أن الكل يسمع ويرى المشكلات، بداية من رئيس الجمهورية، الذي وضع يده على مشكلة التسليمات والعقود والمشروعات غير المكتملة، حتى المواطن الذي دفع كل ما يملك لاستلام شقته دون نتيجة.

لا شك أن مجموعة طلعت مصطفى واحدة من أهم وأكبر الشركات في السوق العقارية، ولها سمعة طيبة، ومشروعاتها على الأرض تتكلم عن نفسها، لكن ما نتحدث عنه بالطبع أمر مختلف، لاسيما إن كان يتصل بالرأي العام، ويستهدف تصدير معلومات وأرقام غير دقيقة، عن مشروعات عقارية ضخمة ابتلعت الحصة الأكبر من العملة الصعبة للبلاد.

الحقيقة يبهرني أداء هشام طلعت مصطفى، وهو يتحدث بثقة ويقول إن السوق العقارية في مصر تحتاج نحو مليون وحدة سكنية سنويًا، ويبهرني أكثر استقبال عمرو أديب للمعلومات، بقدر كبير من الاستئناس والسكينة والوداعة والتسليم، دون مخالب أو مؤثرات صوتية أو جمل اعتراضية، كما تعودنا منه دائمًا، كأستاذ كبير في مدرسة "التوك شو" بمصر والعالم العربي.

الحقيقة تقول إن السوق العقاري في مصر بالقطاعين العام والخاص، الفاخر والمتوسط والشعبي، لا ينتج أكثر من 300 ألف وحدة سكنية سنويًا في أفضل الظروف، ولم يصل إلى رقم مليون على الإطلاق، منذ بداية تأسيس المحروسة حتى يومنا هذا، والفيصل الحقيقي الذي يمكن الرجوع إليه، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وقد أقرت آخر بيانات الجهاز " نشرة الإسكان في مصر" الصادرة يوم 17 أغسطس 2026، أن إجمالى عدد الوحدات السكنية المنفذة في مصر 212 ألف وحدة عام 2024/2025 باستثمارات قدرها 245,3 مليار جنيه مقابل 158,9 ألف وحدة عام 2023/2024 باستثمارات قدرها 152 مليار جنيه.

وقد أوردت النشرة أن الإسكان الاقتصادي جاء في المرتبة الأولى طبقا لنوعية البناء بعدد 86,5 ألف وحدة بنسبة قدرها 40,8% يليه الإسكان المتوسط بـ 57 ألف وحدة بنسبة 26,9% ثم الإسكان الفاخر بـ 49,3 ألف وحدة بنسبة قدرها 23,2%، ثم الإسكان فوق المتوسط بـ 14,1 ألف وحدة بنسبة قدرها 6,7% ثم الإسكان المنخفض التكاليف بـ 5,1 ألف وحدة بنسبة قدرها 2,4% من الإجمالي العام 2024/2025.

وأوضحت النشرة أن الوحدات السكنية المنفذة بواسطة القطاع (الحكومي/العام/أعمال عام) 104,8 ألف وحدة بنسبة 49,4% من الإجمالي العام، بينما القطاع الخاص نجح في تنفيذ 107,2 ألف وحدة بنسبة 50,6% من الإجمالي العام، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من التفاصيل التي تخص نسب التنفيذ والمحافظات الأكثر والأقل، وهذه النشرة مجانية ومتاحة من خلال جهاز الإحصاء ويمكن الاطلاع عليها في أي وقت.

إذن ما يتم الترويج له بأن القطاع العقاري يحتاج مليون وحدة سكنية سنويًا غير حقيقي، ويفوق قدرة واحتياجات السوق، الذي يعاني بالفعل من تخمة عقارية تصل إلى نحو 15.5 مليون وحدة سكنية، مغلقة لأغراض السفر والصيانة وعدم الحاجة إليها، ولو تم عرض 20% فقط من هذه الوحدات للبيع دفعة واحدة، سوف يغرق هذا السوق إلى غير عودة، لذلك يجب أن يتم تصدير أرقام وبيانات ومعلومات دقيقة وصحيحة للرأي العام من باب الحق في المعرفة والشفافية، دون أن يكون الأمر فقط مرتبط بالمصلحة والمنفعة الشخصية. 

الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ عدد سكانها في الوقت الراهن نحو 342.6 مليون نسمة، أي تقريبًا 3 أضعاف عدد السكان في مصر، ورغم مساحتها الشاسعة، التي تزيد تقريبًا 10 أضعاف عن مساحة مصر، تبني سنويًا حوالي 1.4 مليون وحدات سكنية، وفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي، وتختلف هذه الإحصائيات من عام لآخر ولكن الرقم المذكور عن العام 2025. 

السؤال الأهم: هل تحتاج مصر مشروعات عقارية في الوقت الراهن أو توسعات في هذا القطاع؟ الإجابة التي لا تقبل الشك لا.. بل فقط نحتاج بقاء كل المستثمرين الجادين في هذه الصناعة، وأتصور أن الأزمة الراهنة سوف تطرد المضاربين، وتفلس جزء كبير منهم، بالإضافة إلى ضرورة تقليل المعروض من الوحدات السكنية والتجارية بشكل عام خلال الفترة المقبلة، وإنهاء العقود والتسليمات القديمة، والعمل وفق الاحتياجات الفعلية للسوق، مع إجراء دراسة دقيقة عن حجم المطروح للبيع خلال الوقت الراهن. 

ما الحلول إذن التي يمكن من خلالها إنعاش القطاع العقاري، حتى لو كان داخل الرعاية المركزة للخروج الآمن بأقل الخسائر، سواء للحائزين أو الشركات والمطورين.. 

من وجهة نظري أتصور أن البداية من حلقة الأسعار، فكلما بقيت مرتفعة على الورق دون تنفيذ فعلي لن تتحرك هذه الأزمة سنتيمترًا واحدًا للأمام، لذلك يجب أن نبدأ من تخفيضات الأسعار حتى يتلاقى العرض والطلب في نقاط قريبة، دون أن يكون الفارق بينهما 4 أو خمسة أضعاف، فمن يبحث عن وحدة سكنية ثمنها مليون جنيه، لن يتمكن أبدًا من التنفيذ إذا كانت على الورق بثلاثة أو خمسة ملايين، حتى وإن كانت بالتقسيط على مدد معقولة. 

ثانيًا: التوسع في نظام الإيجار التمليكي داخل القطاع الخاص، بنسب فوائد معقولة ومعتبرة، ومقدمات يمكن توفيرها، مع ضرورة أن يدخل القطاع المصرفي لمساندة هذه المبادرات من أجل إنقاذ سريع قبل فوات الأوان. 

ثالثًا: يجب أن يتم التسعير وفقًا لآليات السوق في الوقت والظرف الراهن، ولا يتحرج  المطور من أن يبيع المرحلة الثانية أو الثالثة من مشروعه بأسعار أقل أو نسب خصم معتبرة عن المرحلة الأولى، لاسيما أن قانون السوق دائمًا أقوى من الجميع، ومسارات العرض والطلب سوف تكسر كل القواعد عند نقطة معينة من الركود.

رابعًا: مازالت الخدمات وجودتها عائقًا أمام تسويق الكثير من المشروعات العقارية الجديدة، سواء في شرق القاهرة حيث العاصمة الإدارية، أو غرب القاهرة، في حدائق أكتوبر وطريق الواحات، وأكتوبر الجديدة، لذلك يجب تنمية هذه المناطق خدميًا بصورة معتبرة، من أجل زيادة الإقبال للشراء فيها. 

خامسًا: تكلفة النقل أصبحت عائقًا أمام الكثير ممن يرغبون في السكن بالمدن الجديدة، خاصة مع ارتفاع أسعار المواصلات العامة والخاصة، وزيادة المحروقات بنسب كبيرة خلال السنوات الماضية، وهو ما يجعل تكلفة التنقل والحركة عبء إضافي على السكن، الذي أحيانًا يصبح مساويًا لإيجار شقة في العاصمة القديمة أو الأحياء المعروفة.

سادسًا: يجب أن تتساوى أو حتى تتقارب تكلفة الفرصة البديلة مع حيازة العقار، فطالما كان العائد الإيجاري أقل ثلاثة أو أربعة أضعاف من الشهادات البنكية، لن يغامر أحد ناحية شراء وحدة سكنية، وحتمًا سوف يختار الطريق السهل، بأن يوظف أمواله في شهادات بنكية ثم يستخدم جزء من العائد في إيجار وحدة سكنية، والمتبقي لنفقات وأعباء المعيشة، وهذا سيناريو بدأ الكثير تطبيقه في الوقت الراهن. 

سابعًا: يراهن البعض أن العقار قد يحتفظ بقيمته الورقية الحالية دون هبوط، ارتباطًا بأن مشكلة التضخم مازالت قائمة، وقد تستمر لعدة سنوات، لكن مع الأسف فالواقع يشي بأن ارتفاع معدلات التضخم سوف تفاقم الأزمة، فالمطور "طامع" دائمًا إلى رفع الأسعار ورقيًا، لتصبح النتيجة النهائية، لا بيع، لا شراء، ركود متصل، على الجناب الآخر لن يشعر المستهلك بالأزمة، ما دامت الوفرة العقارية موجودة والشقق المغلقة تمثل حوالي 30% من الثروة العقارية. 

ثامنًا: التوسع في شقق الإسكان الاقتصادي والمتوسط والشعبي، على حساب الإسكان الفاخر، لاسيما أن القدرة الشرائية الضعيفة للمواطنين حدت من اختيارات الناس خلال السنوات الماضية، وجعلت ترتيبهم يتهاوى من الفاخر إلى الاقتصادي والمتوسط، ربما الشعبي في بعض نماذج " الإيجار القديم". 

تاسعًا: توفير حوافز حقيقية للراغبين في السكن بالمدن الجديدة، خاصة التي تبعد مسافات معتبرة عن العاصمة القديمة، مثل مواصلات بأسعار أقل، خطوط نقل جديدة منخفضة التكلفة، بالإضافة إلى تعاقد الشركات العقارية ذاتها مع شركات لخدمات النقل، من أجل التيسير على ساكنيها، دون أن يكون الموضوع تجارة أو هدفه الوحيد الأرباح والمكاسب. 

عاشرًا: العقار يجب أن يكون للسكن فقط في الوقت الراهن، في ظل منافسة غير عادلة مع الفرص البديلة، لذلك لا تضع أموالك في عقارات أو وحدات لا تحتاج إليها بصورة فعلية، أو على الأقل لن تستخدمها على المدى القصير والمتوسط، لاسيما أن المحافظ العقارية في هذه الظروف محفوفة بالمخاطر عن أي وقت مضى.

اقرأ أيضًا:

عقار بـ75 مليون جنيه يتصدر المشاهدات.. أبرز عقارات إعادة البيع على «عقار إكزيت»

الحكومة تحسم ملف العقارات المتعثرة في أكتوبر.. حصر شامل لـ500 ألف وحدة

«ناوي»: بيع أكثر من 20 وحدة عقارية خلال ساعتين.. واستثماراتنا تتجاوز 50 مليون دولار

Short Url

search