الإثنين، 14 سبتمبر 2026

01:03 م

القطاع العقاري في مصر.. القضية أخطر من مجرد فقاعة

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 12:23 م

محمد أحمد طنطاوي

محمد أحمد طنطاوي

بقلم محمد أحمد طنطاوي

ليس في مصر أصعب من بيع العقارات خلال الوقت الراهن، خاصة إن كانت مرتفعة الثمن، في الفئة المتوسطة والفاخرة، فربما تعرض منزلًا للبيع لسنوات، دون أن يتقدم مشترٍ واحد، ويتحول الأمر فقط إلى مكالمات هاتفية، وصراعات دون عائد مع السماسرة والزبائن غير المحتملة، التي تظهر وتختفي دون تنفيذ فعلي، أو بيع حقيقي، أو إجراءات تنفيذية على الأرض.

قضية العقارات وأسعارها أكثر تعقيدًا وتشابكًا من حصرها في كلمات أو مصطلحات بعينها، بل تحتاج إلى رؤية معتبرة وحصر حقيقي لاحتياجات السوق، والقدرة الشرائية للمستهلكين أو الراغبين في الحيازة، بالإضافة إلى دراسة محايدة لحجم العرض والطلب سنويًا، في ظل الثروة العقارية الهائلة، التي تكونت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

الكثير من الخبراء والمحللين يقيمون الوضع الراهن بأن "فقاعة عقارية" ضربت هذا القطاع، وقد تكون انفجرت بالفعل أو على وشك أن تنفجر، لكن في تقديري الشخصي أتصور أن المؤشرات والحقائق والأرقام تقودنا إلى ما هو أبعد وأسوأ من ذلك، فالنموذج الأكاديمي للفقاعة التي تبدأ من زيادة الطلب وقلة المعروض، ثم يعقبه ارتفاع الأسعار، ودخول المضاربين إلى السوق، وزيادة عمليات إعادة البيع، وارتفاع تكاليف التخارج والصيانة.. إلخ، قد تكون عوامل تحققت جزئيًا خلال الوقت الراهن، لكن الأمر يشي بما هو أعقد. 

الفائض العقاري أو الوحدات السكنية والإدارية التي تزيد عن حاجة المستهلكين، ظاهرة ليست جديدة على المجتمع المصري، بل موجودة ومتجلية منذ نحو عقود عديدة، لا سيما أن بيانات آخر تعداد للسكان 2017 أظهرت وجود نحو 12.5 مليون وحدة سكنية مغلقة، وهذا بالطبع يشير إلى أن المعروض مازال أكبر بكثير من حجم الطلب، وهذا الوضع موجود في أغلب أرقام التعدادات بمصر على مدار نحو نصف قرن.

إذن.. البيانات تؤكد أن العقارات في مصر تفوق حاجة الناس الفعلية، والدليل وجود شقق مغلقة منذ تعداد 1986 تقدر بنحو 1.8 مليون وحدة سكنية، وصل عددها إلى 12.5 مليون في 2017، والتقديرات الفعلية الآن تشير إلى نحو 15.5 مليون وحدة سكنية على الأقل، وهو فائض عقاري يكفي لثلاثين عامًا ربما أكثر إذا استمرت معدلات الزيادة السكانية كما هي دون سكون أو تراجع كما يرجح خبراء الديموغرافيا، على عكس ما حدث في الفترة من عام 1976 حتى 2006، فقد تضاعف عدد السكان من 36 إلى 72 مليون في 30 عامًا.

لكن على الرغم من أن مقدمات الفقاعة العقارية في مصر مختلفة عن النموذج النظري التقليدي، أو كما ترصده الكتب، لكن النتائج أو المخرجات النهائية، متشابهة، أو ربما متطابقة مع سيناريوهات "الفقاعة"، فالقدرة الشرائية في أضعف حالاتها نتيجة تراجع مدخرات المواطنين، وانهيار قيمة العملة المحلية، وارتفاع تكاليف الصيانة، إلى جانب الصعوبة البالغة في تنفيذ عمليات إعادة البيع والتخارج من العقارات، وتراجع القيمة الإيجارية للعقار أو العائد منه بالمقارنة مع الفرصة البديلة في الشهادات البنكية على سبيل المثال، فالفارق لصالح الثانية بأربعة أضعاف على الأقل. 

جزء كبير من أزمة العقارات في الوقت الراهن يكمن في أن المساكن محملة بفوائد بنكية تصل إلى 300%، خاصة مع كبار المطورين الذين يبيعون بنظام التقسيط على سنوات ممتدة، تصل إلى 15 عامًا، وهو ما يجعل الوحدة التي ثمنها الفعلي 3 ملايين جنيه في الوقت الراهن، يصل سعرها الإجمالي إلى 9 ملايين جنيه بنهاية المدة، وهذا الإجراء يضاعف الأقساط الشهرية والدفعات السنوية، ويرفع مستويات التعثر، ويجعل السوق أمام الآلاف من حالات التخارج شهريًا، حتى ولو بخسائر من 25 إلى 30 %، كما نرى على منصة "عقار إكزيت".

لا شك أن السياسات التسويقية الخاطئة، وفلسفة المطورين العقاريين في التوسع بالسوق رغم حالة الركود الممتد وتراجع القدرة الشرائية زادت الطين بلة، وضاعفت من حدة الأزمة، وجعلت سيناريو الركود الممتد يتوازى مع انفجار الفقاعة خلال الفترة القصيرة المقبلة، لاسيما في ظل مشكلات هيكلية تتعلق بوجود شريحة كبيرة من المطورين غير الجادين، وظهور مشكلات في التسليمات، بالإضافة إلى الآلاف من حالات النصب والاحتيال على العملاء، وتحول العقار إلى ضيف دائم في قاعات المحاكم. 

في قوانين الاقتصاد لآبد للسوق أن يصحح مسار الأسعار، وهذا أمر حتمي لا شك فيه، حتى وإن طال قليلًا، فالمشتري لن يدفع ثمنًا في وحدة سكنية أو تجارية إلا إذا تأكد يقينًا أنها تستحق فعليًا هذا الثمن أو تدر عائدًا يتساوى مع تكلفة الفرصة البديلة حال استثمار أمواله في أي أصل إنتاجي يعود بريع أو أرباح، لذلك لا بديل عن خفض الأسعار لمستويات عادلة، والتوقف عن تحميل الراغبين في الشراء أعباء وفوائد بنكية باهظة، في ظل اقتصاد يتغير فيه سعر العملة المحلية بصورة شبه يومية، ويتأثر سلبًا بالأحداث الإقليمية والدولية، بصورة تجعله غير قابل للتوقع لوضع سيناريوهات تحوط فعالة! 

الوضع الراهن للقطاع العقاري لا يبشر بخير أو يعد بتحسن قريب، بل يمكن القول:" إن الأسوأ ربما لم يأت بعد"، فالسيناريو الأقرب للحدوث أنه مع أول استجابات من المطورين لخفض الأسعار سوف تتسع كرة الثلج إلى موجة انخفاضات متتالية تنفجر معها الفقاعة بصورة عنيفة، تعصف بكل مكاسب العقار التي حققها على مدار 10 سنوات مضت، وهذا ربما يقود مئات الشركات إلى الإفلاس بخسائر تريليونية، لكن في كل الأحوال لآبد أن يتقابل العرض مع الطلب، بصورة تجعل الراغب في الشراء يستطيع أن يدفع ما يطلبه البائع، دون تعثر أو مشكلات في السداد، وللحديث بقية..

اقرأ أيضًا:

عقار بـ75 مليون جنيه يتصدر المشاهدات.. أبرز عقارات إعادة البيع على «عقار إكزيت»

الحكومة تحسم ملف العقارات المتعثرة في أكتوبر.. حصر شامل لـ500 ألف وحدة

«ناوي»: بيع أكثر من 20 وحدة عقارية خلال ساعتين.. واستثماراتنا تتجاوز 50 مليون دولار

Short Url

search