الجمعة، 11 سبتمبر 2026

07:20 م

د.علي الدكروري يكتب: من الشهادة إلى المهارة.. التعليم الذي يحتاجه الاقتصاد

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 06:07 م

د.علي الدكروري

د.علي الدكروري

بقلم: د.علي الدكروري - رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية

كان الحصول على شهادة جامعية لسنوات طويلة، يمثل الهدف الأساسي لكثير من الأسر والطلاب، إذ كانت بوابة مهمة في حد ذاتها إلى الوظيفة والمكانة الاجتماعية، لكن؛ سوق العمل تغير، واليوم لم يعد السؤال الوحيد أمام الخريج: ماذا درست؟، بل أصبح هناك سؤال أكثر أهمية: ماذا تستطيع أن تفعل؟

لا تبحث الشركات فقط عن صاحب الشهادة، بل عن الشخص القادر على التفكير وحل المشكلات والعمل داخل فريق، واستخدام التكنولوجيا والتعلم المستمر، وهنا يظهر الفارق بين التعليم الذي يمنح شهادة، والتعليم الذي يبني مهارة.

 

سوق العمل يتغير أسرع

غير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والتحول الرقمي، شكل الوظائف بسرعة كبيرة، حيث ظهرت وظائف كثيرة خلال السنوات القليلة الماضية، ووظائف أخرى تغيرت متطلباتها بالكامل، ولهذا لا يمكن أن يظل التعليم منفصلًا عن سوق العمل.

ويحتاج الطالب إلى معرفة المهارات التي ستطلبها الشركات قبل التخرج، فالشركات تحتاج إلى المشاركة بصورة أكبر في التدريب وتطوير المناهج وربط الدراسة بالواقع العملي، وكلما اقترب التعليم من احتياجات الاقتصاد، قلت الفجوة بين الخريج والوظيفة.

 

المهارة ترفع قيمة الإنسان

لايعتمد الاقتصاد الحديث فقط على عدد العمال، بل على قيمة ما يستطيع كل عامل إنتاجه، فالمهندس الذي يستخدم التكنولوجيا بكفاءة، والفني الذي يفهم المعدات الحديثة، والمبرمج القادر على تطوير حلول جديدة، جميعهم يضيفون قيمة أعلى إلى الاقتصاد، ولهذا فإن الاستثمار في المهارات ليس ملفًا تعليميًا فقط، إنه استثمار اقتصادي.

وترتفع إنتاجية العامل كلما زادت مهارته، وتحسنت قدرة الشركات على المنافسة، وأصبحت الدولة أكثر جاذبية للمستثمر، فالشهادة بداية وليست نهاية، ولا يعني ذلك التقليل من قيمة التعليم الجامعي أو الشهادات، بل على العكس، فهي تمنح أساسًا المعرفة والتخصص أكاديميًا وربما عمليًا.

وتبدأ المشكلة عندما يعتقد الإنسان أن التعلم ينتهي يوم التخرج، ففي الاقتصاد الجديد، ربما يغير الإنسان وظيفته عدة مرات خلال حياته، وقد يحتاج إلى تعلم مهارة جديدة كل بضع سنوات، ولهذا ستكون إحدى أهم مهارات المستقبل هي القدرة على التعلم المستمر.

 

التكنولوجيا لن تلغي الإنسان

تبرز عدة هناك مخاوف واسعة من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء وظائف كثيرة، لكن التاريخ الاقتصادي، يخبرنا بأن التكنولوجيا تغير الوظائف أكثر مما تلغي الحاجة إلى الإنسان، فالمهام المتكررة قد تصبح آلية، لكن قيمة الإنسان ستزداد في المجالات التي تحتاج إلى الإبداع والقيادة والتواصل والحكم السليم وتحمل المسؤولية.

ولا تعد أفضل وسيلة للاستعداد للمستقبل مقاومة التكنولوجيا، بل إعداد الإنسان ليعمل معها ويستفيد منها، فالتعليم والاقتصاد شريكان إذا أردنا اقتصادًا أكثر قدرة على النمو وجذب الاستثمار والتصدير، حيث إن التعليم يجب أن يكون جزءًا من هذه الرؤية، فالمستثمر يستطيع شراء آلة من الخارج خلال أسابيع، لكنه لا يستطيع بناء مهندس أو فني أو مدير مؤهل بالسرعة نفسها.

وأصبح رأس المال البشري أحد أهم عناصر المنافسة بين الدول، وفي النهاية، لن يكون التفوق الاقتصادي للدولة التي تمنح أكبر عدد من الشهادات، بل للدولة التي تستطيع تحويل التعليم إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج وقيمة اقتصادية.


 

Short Url

search