الأحد، 06 سبتمبر 2026

02:13 م

الدكتور علي الدكروري يكتب: المصنع الذي يصنع المصانع

الأحد، 06 سبتمبر 2026 12:56 م

الدكتور علي الدكروري- رائد أعمال

الدكتور علي الدكروري- رائد أعمال

محمد ممدوح

عندما نتحدث عن توطين الصناعة، يذهب التفكير عادة إلى المنتج النهائي: سيارة تُصنع محليًا، جهاز كهربائي، معدة، بطارية أو منتج كان يتم استيراده ثم أصبح يُنتج داخل مصر، وهذا بلا شك هدف مهم.

لكن هناك مستوى أعلى من التصنيع أعتقد أننا يجب أن نركز عليه خلال المرحلة المقبلة، وهو ألا نكتفي بتصنيع المنتج، بل أن نمتلك تدريجيًا القدرة على تصميم وتجهيز وصيانة خطوط الإنتاج والمعدات التي تصنع هذا المنتج، بمعنى آخر، أن ننتقل من توطين الصناعة إلى توطين صناعة الصناعة نفسها.

ومن هذه الزاوية أرى أن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها مؤخرًا لإنشاء قاعدة متخصصة في مصر لتخطيط وإنشاء مصانع السيارات ووسائل النقل المختلفة تحمل دلالة اقتصادية أكبر من مجرد إضافة مشروع جديد إلى قطاع السيارات.

المشروع يستهدف إنشاء منصة للهندسة الصناعية وتصنيع وتجميع معدات الإنتاج الذكية، إلى جانب التصميم والخدمات الفنية والصيانة والتدريب ونقل التكنولوجيا، مع التوسع تدريجيًا في تنفيذ هذه الأنشطة داخل مصر.

وهنا تكمن الأهمية الحقيقية، فعندما نقرر إنشاء مصنع جديد، جزء كبير من الاستثمار لا يذهب إلى المباني أو الأرض فقط، وإنما إلى خطوط الإنتاج والمعدات والبرمجيات والحلول الهندسية وأنظمة التشغيل.

وفي كثير من الصناعات يتم استيراد نسبة كبيرة من هذه المكونات والخدمات من الخارج، وبالتالي قد ننجح في تصنيع المنتج محليًا، بينما نظل نعتمد على الخارج في التكنولوجيا والمعدات التي تنتجه.

لهذا فإن الانتقال إلى تصنيع وتجميع معدات المصانع وتطوير القدرة الهندسية المحلية يمثل مرحلة أكثر تقدمًا في عملية التوطين، الدولة الصناعية الحقيقية لا تكتفي بصناعة المنتج، بل تبني تدريجيًا القدرة على صناعة المصنع الذي ينتجه.

وهذه الفكرة لا تخص صناعة السيارات وحدها، فكل صناعة كبيرة تحتاج إلى منظومة خلفها تشمل تصميم خطوط الإنتاج، والهندسة الصناعية، والأتمتة، والروبوتات، وأنظمة التحكم، والقوالب، والمكونات المعدنية، والبرمجيات، والصيانة، وقطع الغيار، والخدمات الفنية.

وكل جزء يتم توطينه داخل هذه المنظومة يضيف قيمة جديدة للاقتصاد، الأمر هنا لا يتعلق فقط بخفض فاتورة الاستيراد، هناك قيمة أكبر تتمثل في امتلاك المعرفة، فشراء خط إنتاج جاهز يمنحك مصنعًا.

أما القدرة على تصميم الخط وتشغيله وتطويره وصيانته، فتعطيك خبرة تستطيع استخدامها في مصنع ثانٍ وثالث، ثم نقلها إلى صناعات أخرى، وربما تصديرها لاحقًا إلى أسواق خارجية.

وهذا هو الفارق بين استيراد التكنولوجيا وبناء القدرة التكنولوجية المحلية.

لذلك أرى أن نقل المعرفة الهندسية يجب أن يكون أحد المعايير الرئيسية عند تقييم المشروعات الصناعية والاستثمارات الأجنبية الجديدة.

السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم تبلغ قيمة الاستثمار؟

بل أيضًا: ماذا سيتعلم المهندس المصري منه؟، وما الذي سيُصنع محليًا بعد خمس سنوات ولم نكن نصنعه اليوم؟، وكم شركة مصرية ستدخل سلسلة التوريد؟، وهل يمكن أن تتحول الخبرة التي نكتسبها من المشروع إلى صناعة مستقلة قابلة للتصدير؟، هذه الأسئلة تحدد القيمة طويلة الأجل للاستثمار.

ومن أهم عناصر أي مشروع من هذا النوع أيضًا التدريب، فالتصنيع الذكي لا يعتمد فقط على شراء معدات حديثة، بل يحتاج إلى مهندسين وفنيين يستطيعون تشغيلها وبرمجتها وصيانتها وتطويرها.

وهنا تصبح تنمية رأس المال البشري جزءًا من السياسة الصناعية نفسها.

كل مهندس أو فني يتعلم تقنية جديدة لا يمثل موظفًا داخل مصنع واحد فقط، وإنما يمثل معرفة تنتقل لاحقًا إلى الاقتصاد بالكامل.

وقد ينتقل إلى شركة أخرى، أو يؤسس مشروعًا خاصًا، أو يقوم بتدريب جيل جديد من الفنيين والمهندسين، وهكذا تنتشر التكنولوجيا داخل السوق، وهناك بعد آخر مهم يتعلق بالصناعات الصغيرة والمتوسطة.

إنشاء قاعدة محلية لهندسة وتجهيز المصانع يمكن أن يفتح الباب أمام عشرات الشركات المصرية للدخول في سلسلة القيمة.

شركة تنتج جزءًا معدنيًا.

أخرى تصنع لوحة تحكم.

ثالثة تقدم برمجيات.

رابعة تعمل في الصيانة.

وخامسة تقدم حلولًا للأتمتة أو الخدمات الهندسية.

عندها لا يعود المشروع مجرد مصنع كبير، وإنما يتحول إلى منظومة صناعية تدور حوله مجموعة من الشركات والموردين المحليين، وهذا هو النموذج الذي تحتاج إليه الصناعة المصرية.

فنحن لا نريد أن تكون كل صناعة جديدة جزيرة منفصلة تستورد معظم احتياجاتها وتجمع المنتج النهائي فقط.

نريد صناعات مرتبطة ببعضها، بحيث يصبح إنتاج مصنع مدخلًا لمصنع آخر، وتتحول الشركات المحلية تدريجيًا إلى موردين قادرين على الالتزام بالمعايير الدولية.

وهنا تظهر أيضًا فرصة التصدير، إذا استطاعت مصر بناء خبرات حقيقية في تخطيط مصانع السيارات وتصنيع معدات وخطوط الإنتاج وتقديم الخدمات الهندسية المرتبطة بها، فلن يظل السوق المصري هو السوق الوحيد لهذه القدرات.

هناك أسواق كبيرة في أفريقيا والشرق الأوسط تسعى هي الأخرى إلى تطوير قواعدها الصناعية.

ويمكن لمصر، بما لديها من موقع وخبرات واتفاقيات تجارية وقاعدة هندسية وصناعية، أن تصبح مركزًا إقليميًا يقدم ليس فقط المنتجات، وإنما أيضًا الخدمات والحلول الصناعية.

وتصدير المعرفة الهندسية والخدمات الفنية له قيمة كبيرة.

فالاقتصادات المتقدمة لا تصدر المنتجات فقط، وإنما تصدر التصميم والتكنولوجيا والاستشارات والبرمجيات والهندسة وإدارة المشروعات.

وهذه قطاعات تحقق قيمة مضافة مرتفعة، وتوفر وظائف أكثر تخصصًا، وتساعد في بناء شركات محلية قادرة على المنافسة عالميًا.

لذلك فإن توطين صناعة معدات المصانع يمكن أن يكون بداية لمسار أوسع إذا تم ربطه بسياسة صناعية متكاملة.

نحتاج إلى تشجيع الجامعات ومراكز البحوث على التعاون مع المصانع، ونحتاج إلى ربط التعليم الفني والهندسي باحتياجات التصنيع الحديث.

كما نحتاج إلى دعم الشركات المصرية القادرة على دخول سلاسل التوريد، حتى تنتقل تدريجيًا من مورد بسيط إلى شركة تمتلك تصميمًا وتكنولوجيا ومنتجًا خاصًا بها.

وفي الوقت نفسه، يجب أن نستمر في جذب الشركات الدولية التي تمتلك التكنولوجيا، لكن بمنطق الشراكة وبناء القدرات وليس فقط بمنطق إنشاء خط إنتاج.

الاستثمار الأجنبي يكون أكثر قيمة عندما يترك وراءه خبرة ومعرفة وموردين محليين وكوادر مدربة، فإذا خرج المستثمر يومًا، تظل المعرفة داخل الاقتصاد.

أما إذا كانت كل التكنولوجيا والخبرة موجودة بالكامل خارج السوق المحلي، فإن عملية التوطين تظل ناقصة مهما ارتفعت نسبة التجميع المحلي، وأرى أن مصر لديها فرصة جيدة في هذا الاتجاه.

التوسع الحالي في صناعات السيارات ومكوناتها والبطاريات والطاقة والمعدات الهندسية يخلق طلبًا متزايدًا على خطوط الإنتاج والحلول الصناعية.

وكلما زاد حجم السوق الصناعي المحلي، أصبح من المنطقي اقتصاديًا أن يتم تصنيع المزيد من المعدات والمكونات والخدمات التي تحتاج إليها هذه المصانع داخل مصر.

وهكذا تبدأ دائرة صناعية إيجابية، المزيد من المصانع يخلق طلبًا على معدات المصانع، وتوطين معدات المصانع يقلل التكلفة ويرفع القدرة الهندسية، والقدرة الهندسية تساعد على إنشاء مصانع جديدة بصورة أسرع وأكثر تنافسية.

ثم تبدأ مصر في تصدير جزء من هذه المنتجات والخدمات إلى أسواق أخرى، هذه هي المرحلة التي يجب أن نستهدفها، ولا نريد فقط أن نرى على المنتج عبارة «صُنع في مصر».

نريد أيضًا أن تصل الصناعة المصرية إلى مرحلة نستطيع فيها أن نقول عن التكنولوجيا والمعدات وخطوط الإنتاج والخدمات الهندسية التي صنعت هذا المنتج إنها صُممت وصُنعت وطُورت في مصر.

عندها نكون قد انتقلنا من مجرد توطين منتج إلى بناء قدرة صناعية حقيقية، فالهدف النهائي ليس أن نمتلك مصنعًا جديدًا فقط، والهدف أن نمتلك المعرفة التي تجعلنا قادرين على بناء المصنع التالي بأنفسنا.

Short Url

search