-
«صناعة النواب»: مشاركة مصر في قمة «بريكس» تعزز فرص توطين الصناعة وتأمين سلاسل الإمداد
-
السعودية توقف خط أنابيب النفط شرق - غرب بعد هجوم بطائرات مسيرة.. ماذا يحدث لأسواق الطاقة؟
-
صناعة الألبان في مصر.. 7 ملايين طن إنتاج و500 مليون دولار لتصنيع ألبان الأطفال
-
فودافون مصر تعلن بدء الحجز المسبق لسلسلة هواتف iPhone 18 Pro اليوم عبر موقعها الإلكتروني
رقية الأشرم تكتب: مصر في نيودلهي.. حين تتحرك القاهرة داخل الاقتصاد العالمي الجديد
السبت، 12 سبتمبر 2026 08:26 م
رقية الأشرم
زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نيودلهي ومشاركته في قمة بريكس، ليست مجرد مشاركة مصرية في اجتماع دولي جديد، ولا يمكن قراءة المشهد باعتباره تحركًا سياسيًا منفصلًا عن الاقتصاد، فالقمة تأتي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في الاقتصاد العالمي، حيث تتغير قواعد التجارة الدولية، وتتصاعد الحمائية والرسوم الجمركية، وتتعرض سلاسل الإمداد والطاقة والتمويل لضغوط متزايدة.
ومن هنا تكتسب المشاركة المصرية معناها الحقيقي: مصر تتحرك داخل مساحة اقتصادية عالمية آخذة في إعادة التشكّل، وليس فقط داخل تجمع سياسي واقتصادي صاعد.
قمة بريكس في نيودلهي تجمع إحدى عشرة دولة تمثل كتلة سكانية واقتصادية ضخمة، بينما أصبحت المجموعة خلال السنوات الأخيرة منصة لدول الجنوب العالمي الباحثة عن مساحة أكبر في النظام الاقتصادي الدولي، والقمة الحالية تضع في مقدمة أجندتها ملفات شديدة الدلالة: زيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، تطوير أنظمة المدفوعات العابرة للحدود، تعزيز دور بنك التنمية الجديد، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية بما يمنح الاقتصادات الناشئة وزنًا أكبر في صناعة القرار، وهنا تحديدًا تظهر أهمية توقيت القمة.
اقتصاد عالمي لم يعد يتحرك بقاعدة واحدة.. الاقتصاد العالمي الذي عرفناه خلال العقود الماضية قام إلى حد كبير على مركز مالي وتجاري غربي تقوده الولايات المتحدة، وعلى الدولار باعتباره العملة الأساسية في التجارة والتمويل والاحتياطيات الدولية.
لكن المشهد اليوم أصبح أكثر تعقيدًا، فالسياسات التجارية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وما صاحبها من استخدام الرسوم الجمركية والضغط التجاري كأداة لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية، دفعت عددًا متزايدًا من الاقتصادات إلى التفكير في كيفية تقليل تعرضها للصدمات الناتجة عن القرارات التجارية والمالية التي تصدر من مركز واحد.
ولا يعني ذلك أن العالم يتجه غدًا إلى التخلي عن الدولار، فهذا استنتاج غير دقيق اقتصاديًا؛ فالدولار ما زال يحتفظ بمكانة مركزية في النظام المالي العالمي، لكن الجديد هو أن الدول بدأت تبحث عن هامش حركة أوسع، وهذا هو جوهر التحول.
بريكس لا تبني بالضرورة نظامًا اقتصاديًا بديلًا مكتمل الأركان في مواجهة الولايات المتحدة، لكنها تعمل على بناء أدوات تقلل من درجة الاعتماد على قناة واحدة في التجارة والتمويل والمدفوعات.
ففي اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول بريكس، جرى التأكيد على زيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، وتطوير آليات دفع عابرة للحدود، مع التأكيد في الوقت نفسه على عدم وجود توجه نحو عملة موحدة للمجموعة.
من الدولار الواحد إلى تعدد قنوات التمويل، أهم ما يجب الانتباه إليه اقتصاديًا أن التحول الجاري لا يتعلق بالعملة فقط، فالقضية الأكبر هي من يموّل التنمية؟ ومن يحدد شروط التمويل؟ ومن يمتلك أدوات إدارة المخاطر؟.
وهنا يأتي دور بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، الذي يسعى إلى زيادة تمويل مشروعات البنية الأساسية والتنمية في الاقتصادات الناشئة، مع التوسع في التمويل بالعملات المحلية وجذب رأس المال الخاص، كما يجري العمل على أدوات للضمانات المالية وشبكات أمان لمواجهة الأزمات.
وهذا تطور مهم بالنسبة لدول مثل مصر.
فكلما توسعت مصادر التمويل، وتعددت أدوات الاستثمار، وأصبح أمام الدول مجال أكبر للاختيار بين مؤسسات وأسواق ومصادر تمويل مختلفة، زادت قدرتها على إدارة المخاطر الخارجية.
القوة الاقتصادية في المرحلة المقبلة لن تكون فقط في حجم الاحتياطي أو الناتج المحلي، وإنما في القدرة على تنويع الشركاء والأسواق ومصادر التمويل، والهند هنا ليست مجرد دولة مضيفة، اختيار نيودلهي لعقد القمة يحمل دلالة اقتصادية مهمة، فالهند تمثل واحدة من أكبر الاقتصادات الصاعدة في العالم، وتتحرك في الوقت نفسه بين علاقات واسعة مع الغرب وشراكات استراتيجية مع روسيا والصين ودول الجنوب العالمي.
والأهم أن الهند تدفع باتجاه تطوير المدفوعات الرقمية العابرة للحدود، بل طرحت فكرة ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين دول بريكس لتسهيل التجارة والمدفوعات الدولية، ورغم وجود تحديات تقنية وسياسية أمام هذه الفكرة، فإن مجرد وضعها على أجندة القمة يعكس اتجاهًا واضحًا نحو بناء بنية مالية أكثر تنوعًا.
وهنا تصبح المسألة أعمق من فكرة «التخلص من الدولار»، إنها محاولة للانتقال من نظام مالي شديد المركزية إلى شبكة أوسع من قنوات الدفع والتسوية والتمويل.
ماذا يعني ذلك لمصر؟، مصر لا تدخل هذا المشهد من موقع المتفرج، عضوية مصر في بريكس تفتح أمامها مساحة أوسع لتنويع علاقاتها التجارية والاستثمارية والتمويلية، خصوصًا مع دول تمثل أسواقًا ضخمة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل، وتأتي أهمية ذلك في ظل حاجة الاقتصاد المصري المستمرة إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتنويع الأسواق التصديرية، وزيادة القدرة على جذب التمويل لمشروعات البنية الأساسية والصناعة والطاقة والنقل واللوجستيات.
كما أن موقع مصر الجغرافي يمنحها ميزة إضافية؛ فهي ليست فقط سوقًا كبيرة، وإنما بوابة تربط إفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، وهو ما يجعلها مؤهلة للاستفادة من إعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية، ومن هنا يمكن قراءة التحرك المصري في بريكس باعتباره جزءًا من سياسة تنويع المخاطر الاقتصادية.
فمصر لا تستطيع أن تعتمد على سوق واحدة، ولا على مصدر تمويل واحد، ولا على عملة واحدة، ولا على شريك تجاري واحد، والاقتصاد الحديث لا يحمي نفسه بالانغلاق، وإنما بتعدد البدائل.
بريكس وترامب.. مواجهة اقتصادية أم إعادة توازن؟.. هنا يجب الحذر من التفسير السياسي المباشر، فليس من الدقة القول إن قمة بريكس جاءت «للرد على ترامب»، لأن المجموعة تضم دولًا ذات مصالح مختلفة، وبعضها لديه علاقات اقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة والغرب، لكن يمكن القول إن السياسات التجارية الأمريكية سرعت الحاجة إلى بناء بدائل وآليات حماية اقتصادية لدى الاقتصادات الصاعدة.
فالرسوم الجمركية والحروب التجارية لا تؤثر فقط في الدولة المستهدفة، وإنما تمتد آثارها إلى الأسعار، وتكاليف الإنتاج، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، وأسعار العملات، وتدفقات رؤوس الأموال.
وعندما يصبح القرار التجاري في دولة كبرى قادرًا على إعادة توزيع تكلفة الإنتاج والتجارة على بقية العالم، فإن الدول الأخرى تبدأ بالبحث عن أدوات لتقليل تعرضها لهذه الصدمات، وهنا تكتسب بريكس أهميتها.
إنها لا تقول بالضرورة: «نريد هدم النظام القديم»، لكنها تقول اقتصاديًا: نريد أن تكون لدينا قدرة أكبر على الحركة داخل النظام العالمي، وألا تكون كل مفاتيح التجارة والتمويل في يد مركز واحد.
الشرق الأوسط أمام خريطة اقتصادية جديدة، ولا يمكن فصل ذلك عن الشرق الأوسط، فالمنطقة أصبحت في قلب التحولات المتعلقة بالطاقة، والممرات التجارية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار في البنية الأساسية، والتكنولوجيا، ومصر تحديدًا تمتلك أوراقًا مهمة في هذه المعادلة، وفي مقدمتها قناة السويس، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والموانئ، وموقعها بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، إلى جانب قدرتها على أن تكون مركزًا للإنتاج والتوزيع وإعادة التصدير.
والأهم أن العلاقات المصرية مع الصين والهند وروسيا ودول الخليج ودول الجنوب العالمي يمكن أن تتحول من مجرد علاقات تجارية إلى شبكة اقتصادية متعددة الاتجاهات، وهذا هو المعنى الأهم للمشاركة المصرية في بريكس، فالعالم يتجه إلى «تعدد اقتصادي» لا إلى قطيعة اقتصادية
قد يكون أكبر خطأ في قراءة المرحلة المقبلة هو تصور أن العالم سيستبدل نظامًا بنظام آخر بين ليلة وضحاها.
الاقتصاد العالمي أكثر تعقيدًا من ذلك، الدولار سيظل لاعبًا أساسيًا، والأسواق الأمريكية ستظل من أكبر أسواق العالم، والمؤسسات المالية الدولية لن تختفي، لكن في المقابل، تتسع مساحة الاقتصادات الصاعدة، وتزداد أهمية التجارة البينية، والعملات المحلية، والمدفوعات الرقمية، والتمويل متعدد الأطراف، وسلاسل الإمداد الإقليمية.
وبالتالي فإن المستقبل الأقرب ليس «نهاية النظام الاقتصادي القديم»، وإنما انتقال تدريجي من نظام شديد التركّز إلى نظام أكثر تعددًا وتوازنًا.
وهذه النقلة قد تكون أهم تحول اقتصادي في السنوات المقبلة.
ومصر أمام فرصة.. ولكن الفرصة تحتاج إلى إنتاج، والمشاركة في بريكس وحدها لا تصنع مكسبًا اقتصاديًا، المكسب الحقيقي يبدأ عندما تتحول العضوية إلى زيادة في الصادرات، وجذب للاستثمارات، ونقل للتكنولوجيا، وتوطين للصناعة، وتوسيع للأسواق المصرية، والاستفادة من التمويل التنموي، وزيادة القيمة المضافة للمنتج المصري.
وهنا تصبح زيارة الرئيس السيسي إلى نيودلهي أكبر من مجرد مشاركة في قمة، إنها فرصة لوضع مصر في قلب خريطة اقتصادية تتشكل الآن، فالعالم لا يعيد توزيع النفوذ السياسي فقط، بل يعيد توزيع الاستثمار والإنتاج والتجارة والتمويل ومراكز سلاسل الإمداد.
ومن ينجح في قراءة هذه اللحظة مبكرًا، لن يكون مجرد متلقٍ للتحولات الاقتصادية العالمية، وإنما يمكنه أن يصبح جزءًا من صناعتها، وفي نيودلهي، لا تبحث مصر فقط عن مقعد على طاولة بريكس، وإنما عن موقع لها على خريطة الاقتصاد العالمي الجديد.
Short Url
د.علي الدكروري يكتب: من الشهادة إلى المهارة.. التعليم الذي يحتاجه الاقتصاد
11 سبتمبر 2026 06:07 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: إدارة النزاعات الأسرية في حوكمة الشركات العائلية
06 سبتمبر 2026 06:49 م
الدكتور علي الدكروري يكتب: المصنع الذي يصنع المصانع
06 سبتمبر 2026 12:56 م
أكثر الكلمات انتشاراً