-
«مرصد الذهب»: توقعات رفع الفائدة تهبط بالأوقية 1.3% والسعر المحلي يتراجع 45 جنيهًا
-
«الفقاعة العقارية في مصر».. 5 مؤشرات تكشف حقيقة السوق للمشترين
-
تمويل مصانع الكيماويات في مصر 2026.. خريطة القروض والشروط والموافقات البيئية
-
«سي. آي. كابيتال» تكشف لـ«إيجي إن» تفاصيل إطلاق صندوق المليار جنيه لتمويل المصانع المتعثرة
الدكتور علي الدكروري يكتب: المصنع لا يبدأ بالماكينات
الإثنين، 14 سبتمبر 2026 02:33 م
الدكتور علي الدكروري
عندما نتحدث عن جذب الاستثمار الصناعي، يذهب التفكير غالبًا إلى الحوافز الضريبية، وسعر الأرض، وتكلفة العمالة، وسرعة إصدار التراخيص، كل هذه العناصر مهمة، لكنها ليست وحدها ما يحدد قرار المستثمر، فصاحب المصنع، لا يبحث في الحقيقة عن قطعة أرض فقط، وإنما عن بيئة يستطيع أن ينتج داخلها بكفاءة، وأن يعرف تكلفته، وأن يصل بمنتجه إلى السوق في الوقت المناسب.
ولهذا أعتقد أن المرحلة المقبلة من المنافسة على الاستثمار الصناعي ستعتمد بدرجة كبيرة على جودة البنية الصناعية نفسها، وجاءت المناقشات الأخيرة بين وزارة الصناعة، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، حول تطوير وتمويل المناطق الصناعية، والتحول الأخضر، وكفاءة استخدام المياه، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتعيد طرح سؤال أراه مهمًا:
ما الذي يجعل المستثمر يختار منطقة صناعية دون غيرها؟، الإجابة لم تعد مجرد سعر المتر، فالمستثمر يقارن بين الكهرباء واستقرارها، والمياه وتكلفتها، والصرف الصناعي، والطرق، والموانئ، والجمارك، والاتصالات، والتمويل، وتوافر العمالة، والخدمات الفنية، وسرعة الإجراءات، ويحسب في النهاية تكلفة الإنتاج الحقيقية.
وتمنح دولة مستثمرًا أرضًا أرخص، لكن إذا واجه المصنع تكاليف أعلى في الطاقة والنقل والتخزين والصيانة وتأخير الإجراءات، فقد تختفي ميزة الأرض بالكامل، ومن هنا أرى أن علينا أن نتعامل مع المنطقة الصناعية باعتبارها منتجًا استثماريًا متكاملًا، فالمنطقة الناجحة ليست مجرد تجمع من المصانع داخل سور واحد.
إنها منظومة تبدأ بالبنية الأساسية، وتمتد إلى الخدمات اللوجستية والتمويل والتكنولوجيا والتدريب، ثم تصل إلى الموردين والأسواق، وهذا التحول في التفكير مهم جدًا لمصر خلال المرحلة الحالية، فالدولة تستهدف تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات ورفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار، كما تشهد مناطق صناعية مختلفة دخول مشروعات جديدة في السيارات والطاقة والصناعات الهندسية والغذائية والتكنولوجية، لكن كلما ارتفع حجم الاستثمار الصناعي، أصبحت جودة المناطق التي تستضيفه أكثر أهمية.
أفضل حافز للمستثمر الصناعي ليس دائمًا إعفاءً ضريبيًا، فقد يكون منطقة صناعية تجعله ينتج أرخص وأسرع وبمخاطر أقل، خذ الطاقة مثلًا، فالمصنع الذي يستطيع الحصول على كهرباء مستقرة وبسعر يمكن توقعه يمتلك ميزة واضحة، وإذا استطاع في الوقت نفسه استخدام الطاقة الشمسية، أو حلول كفاءة الطاقة، فإنه لا يخفض تكلفة التشغيل فقط، وإنما يحسن أيضًا قدرته على الوصول إلى أسواق أصبحت تهتم بالبصمة الكربونية للمنتج.
وهذا الأمر سيزداد أهمية بالنسبة للصادرات المصرية، إلى أوروبا وغيرها من الأسواق التي تتجه تدريجيًا إلى تشديد المعايير البيئية، وبالتالي فإن الاستثمار في الطاقة النظيفة داخل المناطق الصناعية لم يعد فقط ملفًا بيئيًا، بل جزء من القدرة التنافسية للمصنع المصري.
الأمر نفسه ينطبق على المياه، فهناك صناعات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وأخرى تحتاج إلى معالجة متخصصة للصرف، وكلما تمكنت المنطقة الصناعية من توفير أنظمة متطورة لإدارة المياه وإعادة استخدامها، انخفضت تكلفة المشروع وأصبح أكثر استدامة، ثم تأتي الخدمات اللوجستية.
أحيانًا يكون الفرق بين مصنع قادر على المنافسة وآخر غير قادر عليها هو عدد الساعات التي تستغرقها الشحنة من باب المصنع إلى الميناء، لذلك فإن ربط المناطق الصناعية بالموانئ والطرق والسكك الحديدية ومراكز التخزين والتوزيع يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا على قرار المستثمر من حافز مالي مؤقت، وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو المورد المحلي.
أفضل منطقة صناعية ليست التي تحتوي على مصنع كبير منعزل، وإنما التي تنشأ حوله شبكة من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمده بالمكونات والخدمات والصيانة والتعبئة والنقل والتكنولوجيا، عندها يتحول الاستثمار الواحد إلى سلسلة من الاستثمارات.
فشركة كبيرة تدخل السوق، ثم يبدأ مورد محلي في التوسع لتلبية احتياجاتها، وتنشأ شركة أخرى للصيانة، وثالثة للخدمات اللوجستية، ورابعة للبرمجيات أو أنظمة التحكم، وهكذا تبدأ المنطقة في تكوين اقتصاد صناعي خاص بها، وهذه هي القيمة الحقيقية للتجمعات الصناعية
وليس عدد المصانع فقط، وإنما درجة ارتباط هذه المصانع ببعضها البعض، فكلما ارتفعت نسبة ما يشتريه المصنع من السوق المحلي، زادت القيمة المضافة داخل الاقتصاد، وانخفض الاعتماد على الاستيراد، وأصبحت الصناعة أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
ولهذا فإن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، داخل المناطق الصناعية يجب ألا يُعامل باعتباره ملفًا اجتماعيًا منفصلًا، إنه جزء مباشر من السياسة الصناعية، فالشركة الصغيرة الجيدة اليوم، قد تصبح موردًا معتمدًا لشركة دولية غدًا، ثم تبدأ لاحقًا في التصدير بنفسها.
كما أن هناك عاملًا مهمًا جدًا هو رأس المال البشري، فقد تبني أفضل منطقة صناعية من حيث الطرق والكهرباء، لكن إذا لم يجد المستثمر الفني والمهندس والعامل المدرب، سيظل أمامه تحدٍ كبير، لهذا تحتاج المناطق الصناعية إلى علاقات مباشرة مع الجامعات والمدارس الفنية ومراكز التدريب.
والتدريب يجب ألا يكون عامًا، بل مرتبطًا بالمصانع الموجودة بالفعل وبالاستثمارات المتوقع جذبها خلال السنوات المقبلة، فإذا كنا نستهدف صناعة السيارات، يجب أن نُعد العمالة المطلوبة لها، وإذا كنا نستهدف الإلكترونيات أو المعدات أو الطاقة أو الصناعات الغذائية، يجب أن تتغير برامج التدريب وفقًا لذلك.
المنطقة الصناعية الحديثة، يجب أن تعرف نوع المهارة التي ستحتاج إليها بعد ثلاث أو خمس سنوات، وليس فقط عدد العاملين الذين تحتاج إليهم اليوم، وهناك كذلك مسألة الإجراءات، فالمستثمر الدولي قد يقارن بين خمس أو ست دول قبل اتخاذ قراره النهائي.
وأحد أكثر العناصر تأثيرًا هو الوقت، كم يستغرق تخصيص الأرض؟، كم يستغرق الترخيص؟، كم يحتاج لتوصيل المرافق؟، وكم جهة يجب أن يتعامل معها؟، ففي عالم يتحرك فيه رأس المال بسرعة، تصبح كل خطوة إضافية تكلفة، لذلك فإن الشباك الواحد والرقمنة وتوحيد الإجراءات ليست مجرد تحسينات إدارية، بل أدوات لجذب الاستثمار.
وأرى أن المنافسة المقبلة بين الدول لن تكون فقط حول من يقدم حوافز أكثر، وإنما حول من يجعل بدء الإنتاج أسرع، وهذه نقطة تستطيع مصر تحقيق تقدم كبير فيها إذا تم تصميم المناطق الصناعية من البداية وفق احتياجات المستثمر، وليس وفق التقسيم العقاري للأرض فقط.
وهناك أيضًا فرصة مهمة في استخدام مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وغيرها، ليس فقط لتمويل المشروعات المنفردة، وإنما للمساعدة في بناء منظومات صناعية كاملة، عبر تمويل البنية الأساسية، والطاقة النظيفة، ومعالجة المياه، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتمويل الأخضر، المساعدة الفنية.
كل هذه الأدوات يمكن أن تعمل معًا لرفع جودة المنطقة الصناعية وبالتالي زيادة قدرتها على جذب الاستثمار الخاص، وهنا أرى أن دور الدولة يتغير أيضًا، ليس مطلوبًا أن تقوم الدولة بتمويل كل مصنع أو تشغيله.
الدور الأكثر تأثيرًا في كثير من الأحيان، هو أن تنشئ البيئة التي تجعل المستثمر الخاص قادرًا على الاستثمار بثقة، فكل جنيه يُنفق على طريق يخفض تكلفة النقل، أو شبكة كهرباء أكثر كفاءة، أو محطة معالجة مياه، أو نظام رقمي يقلل زمن الترخيص، يمكن أن يساعد على جذب أضعافه في استثمارات المصانع.
وهذا هو النوع من الإنفاق الذي يخلق قيمة متراكمة، وأعتقد أن مصر تمتلك اليوم فرصة جيدة لتطوير نموذج أكثر تقدمًا للمناطق الصناعية، لدينا سوق كبيرة، وموقع جغرافي متميز، وموانئ على البحرين المتوسط والأحمر، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، وقاعدة صناعية تتوسع، وخبرات هندسية وفنية متراكمة، لكن تحويل هذه المزايا إلى استثمارات يحتاج إلى جمعها داخل منظومة يستطيع المستثمر رؤيتها واستخدامها بسهولة.
في النهاية، المستثمر الصناعي لا يبحث عن الحافز الأكبر فقط، وهو يبحث عن المكان الذي يستطيع أن يضع فيه رأس ماله، ويبني مصنعه، ويوظف عماله، ويحصل على مدخلاته، وينتج بجودة وتكلفة تنافسية، ثم يصل إلى الأسواق دون مفاجآت كبيرة، وهنا تصبح البنية الصناعية جزءًا من قرار الاستثمار نفسه.
المصنع يبدأ قبل أن تصل إليه الماكينات، ويبدأ بالطريق الذي يصل إليه، والكهرباء التي تشغله، والمياه التي يحتاجها، والمهارات التي تديره، والموردين الذين يخدمونه، والإجراءات التي تسمح له بأن يبدأ في الوقت المحدد.
ولهذا فإن بناء مناطق صناعية أكثر كفاءة، قد يكون واحدًا من أقوى الحوافز التي تستطيع مصر تقديمها للمستثمر خلال المرحلة المقبلة، فحين تكون البنية جيدة، لا نحتاج فقط إلى البحث عن المستثمر.
وفي كثير من الأحيان، تصبح البنية نفسها هي التي تجذب المصنع.
الدكتور علي الدكروري
رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية
Short Url
القطاع العقاري في مصر.. القضية أخطر من مجرد فقاعة
14 سبتمبر 2026 12:23 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: القرارات الإدارية ما بين التقليدية والاستراتيجية
13 سبتمبر 2026 11:36 م
رقية الأشرم تكتب: مصر في نيودلهي.. حين تتحرك القاهرة داخل الاقتصاد العالمي الجديد
12 سبتمبر 2026 08:26 م
أكثر الكلمات انتشاراً