الجمعة، 14 أغسطس 2026

04:41 م

الدكتور علي الدكروري يكتب: كيف تصبح مصر قاعدة إنتاج للأسواق الإقليمية؟

الجمعة، 14 أغسطس 2026 02:33 م

الدكتور علي الدكروري

الدكتور علي الدكروري

عندما تعلن شركة عالمية عن استثمار جديد في مصر، يكون الرقم هو أول ما يجذب الانتباه: كم تبلغ قيمة الاستثمار؟ وكم عدد المصانع؟ وكم فرصة عمل سيوفرها المشروع؟

كل هذه أسئلة مهمة، لكنني أعتقد أن هناك سؤالًا آخر يجب أن يحتل مساحة أكبر في تقييم أي استثمار جديد:

فالاستثمار الأجنبي الذي يدخل السوق المصرية يمثل إضافة للاقتصاد، لكن الاستثمار الذي يبني مصنعًا، وينقل تكنولوجيا، ويدرب العمالة، ويشتري جزءًا من احتياجاته من الشركات المصرية، ثم يصدر إنتاجه إلى الخارج، يصنع قيمة أكبر بكثير من حجم الأموال التي دخل بها في البداية. وهذه هي الفرصة التي أراها أمام مصر في المرحلة المقبلة. 

مصر تمتلك سوقًا يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، وهذا وحده عامل جذب مهم لأي شركة عالمية.

لكن الميزة الأكبر ليست في حجم السوق المصرية فقط، فموقع مصر واتفاقياتها التجارية وعلاقاتها الاقتصادية تفتح أمام المنتج الذي يُصنع داخلها أبواب أسواق واسعة في أفريقيا والعالم العربي وأوروبا وغيرها.

ومن هنا يمكن أن تتغير الرسالة التي نقدمها للمستثمر العالمي. بدلًا من أن نقول له: تعال إلى مصر لأن لدينا سوقًا كبيرة، يمكن أن نقول: اصنع في مصر، ومن مصر بِع للعالم.

والفرق بين الرسالتين كبير. الأولى تجذب استثمارًا يبحث عن المستهلك المصري، أما الثانية فتجذب استثمارًا يرى مصر جزءًا من خطته العالمية للإنتاج والتصدير.

كل دولار استثمار ليست له القيمة نفسها من الناحية الحسابية، الدولار هو الدولار. لكن من الناحية الاقتصادية، تأثيره يختلف باختلاف المكان الذي يذهب إليه.

دولار يدخل في نشاط محدود قد يحقق عائدًا جيدًا للمستثمر ويوفر بعض الوظائف.

لكن الدولار الذي يدخل مصنعًا يمكن أن يشتري آلات، ويدرب عمالًا، ويخلق طلبًا على موردين محليين، وينتج سلعة، ثم يصدرها ويجلب عملة أجنبية مرة أخرى إلى الاقتصاد.

أي أن الدولار نفسه يبدأ دورة اقتصادية جديدة. ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تركز بصورة أكبر على جودة الاستثمار، إلى جانب حجمه.

والاستثمار الأعلى قيمة هو الذي يجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والتشغيل والتصدير.

عندما تؤسس شركة عالمية مصنعًا في مصر، فإن القيمة الحقيقية لا يجب أن تتوقف عند حدود بوابة المصنع.

مصنع السيارات يحتاج إلى أجزاء ومكونات. ومصنع الأجهزة يحتاج إلى عبوات وأسلاك وقطع مختلفة. ومصنع الأغذية يحتاج إلى الزراعة والتعبئة والتغليف والنقل والتبريد.

وكلما استطاعت الشركات المصرية توفير نسبة أكبر من هذه الاحتياجات، زادت الفائدة التي تبقى داخل الاقتصاد.

وهنا يمكن للمصنع الكبير أن يصبح نقطة انطلاق لعشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة المصرية.

وبمرور الوقت، قد تبدأ هذه الشركات كمورد للمصنع داخل مصر، ثم تتطور جودة منتجاتها وتصبح قادرة هي الأخرى على التصدير.

وهكذا لا نجذب مصنعًا واحدًا فقط، بل نساعد في بناء مجموعة كاملة من الصناعات حوله.

من أهم ما يمكن أن يضيفه المستثمر الدولي أيضًا نقل المعرفة. فإنشاء مصنع حديث لا يعني فقط استيراد خطوط إنتاج جديدة، بل تدريب مهندسين وفنيين وعمال مصريين على طرق تصنيع وإدارة وجودة مستخدمة عالميًا.

وهذه المعرفة تبقى داخل الاقتصاد حتى بعد سنوات من بداية المشروع.

والعامل الذي يتعلم استخدام تكنولوجيا حديثة اليوم يصبح أكثر قيمة في سوق العمل غدًا، والمهندس الذي يكتسب خبرة داخل شركة عالمية يستطيع أن ينقل هذه الخبرة إلى شركات ومشروعات أخرى.

ولهذا فإن أحد أهم عوائد الاستثمار الأجنبي لا يظهر دائمًا في الأرقام: المعرفة التي يتركها وراءه.

التحركات المصرية الأخيرة لتعزيز التعاون الصناعي والاستثماري مع دول مثل الصين والهند، إلى جانب توجيه مزيد من الجهود لفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات المصرية، تعكس فرصة مهمة لربط السياسة التجارية بالصناعة.

فالعلاقات الدولية الناجحة لا يجب أن تنتهي عند توقيع اتفاقية أو زيادة حجم التجارة.

عندما نعرف أن سوقًا معينة تستورد مليارات الدولارات من منتج تستطيع مصر تصنيعه بكفاءة، يصبح من الممكن جذب شركة متخصصة لإنتاج هذا المنتج داخل مصر وتوجيه جزء من إنتاجها إلى تلك السوق.

وهنا تتحول العلاقات الاقتصادية من تجارة في السلع إلى صناعة مشتركة للقيمة.

أرى أن عبارة «صنع في مصر» يمكن أن تحمل خلال السنوات المقبلة معنى أكبر من مجرد بلد المنشأ.

يمكن أن تصبح وعدًا بالجودة والسعر التنافسي وسرعة الوصول إلى الأسواق.

ومصر تمتلك بالفعل كثيرًا من المقومات اللازمة لذلك: بنية أساسية حديثة، وموانئ، وطرق، ومناطق صناعية، وعمالة، وسوقًا محلية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا يصعب تكراره.

والخطوة الأهم هي الاستمرار في جمع هذه المزايا داخل رسالة استثمارية واحدة:

مصر ليست فقط مكانًا تبيع فيه الشركات منتجاتها، بل مكان تستطيع أن تصنع فيه منتجاتها للعالم.

Short Url

search