الأربعاء، 14 يناير 2026

10:04 م

بين تراجع الأرباح وخسائر الواقع المعزز، الاحتيال الرقمي يضرب إعلانات «ميتا»

الأربعاء، 14 يناير 2026 08:01 م

شركة ميتا

شركة ميتا

تكشف الوثائق الداخلية التي حصلت عليها وكالة رويترز أن شركة ميتا تدخل عام 2026، وهي تواجه واحدًا من أكثر التحديات حساسية في تاريخها، يتمثل في التوازن الدقيق بين حماية نموذجها الإعلاني، شديد الربحية، والاستجابة للضغوط التنظيمية المتصاعدة عالميًا، لمكافحة الاحتيال الرقمي. 

فالشركة التي تعتمد على الإعلانات كمصدر شبه وحيد للإيرادات، تجد نفسها أمام معادلة صعبة، كل تشديد في الرقابة يعني كلفة مباشرة، وكل تساهل يفتح الباب أمام غضب سياسي وقانوني متنامي.

الأداء المالي القوي

حققت شركة ميتا، نتائج مالية قوية، مدفوعة بنمو الإعلانات، إذ بلغت إيراداتها 47.5 مليار دولار في الربع الثاني من 2025، بزيادة سنوية قدرها 22%، بينما سجل صافي الربح 18.34 مليار دولار بارتفاع 36%. 

كما حققت الشركة إيرادات تتراوح بين 47.5 و50.5 مليار دولار في الربع الثالث، متجاوزة تقديرات المحللين، ما دفع سهمها للارتفاع بأكثر من 11% في تداولات ما بعد الإغلاق، مضيفًا نحو 150 مليار دولار إلى قيمتها السوقية.

أيضًا، واصلت ميتا توسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، حيث رفعت توقعاتها للنفقات الرأسمالية لعام 2025، إلى ما بين 66 و72 مليار دولار، مع احتمال تجاوزها 100 مليار دولار في عام 2026. 

وأوضحت الشركة أن نمو النفقات في 2026، سيكون أعلى من 2025 نتيجة ارتفاع تكاليف البنية التحتية وزيادة تعويضات الموظفين، في ظل التوسع السريع في مراكز البيانات وقدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

الإعلانات والخسائر القطاعية

لا تزال الإعلانات تمثل العمود الفقري لإيرادات ميتا، إذ بلغت إيرادات الإعلانات والخدمات الأخرى 162.4 مليار دولار خلال عام 2024، أي ما يعادل 98.7% من إجمالي الإيرادات البالغة 164.5 مليار دولار، مدعومة بزيادة 10% في متوسط سعر الإعلان. 

في المقابل، واصلت وحدة Reality Labs تسجيل خسائر كبيرة، وصلت إلى 17.7 مليار دولار في عام 2024 وحده، ليرتفع إجمالي خسائرها منذ 2020 إلى نحو 60 مليار دولار، رغم إصرار الشركة على اعتبارها استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل.

الاحتيال كمنتج جانبي لنمو الاقتصاد الرقمي

لم يعد الاحتيال الإعلاني ظاهرة هامشية على منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها، بل أصبح جزءًا من البنية الاقتصادية للاقتصاد الرقمي العالمي، وتشير الوثائق إلى أن الإعلانات الاحتيالية، بما فيها عروض استثمار وهمية وانتحال شخصيات عامة باستخدام الذكاء الاصطناعي، تولد مليارات الدولارات سنويًا. 

وفي حالة ميتا، فإن جزءًا مهمًا من هذه الإيرادات يأتي من معلنين غير خاضعين للتحقق، ما يجعل الاحتيال تكلفة جانبية لنموذج قائم على سهولة الوصول وسرعة إنشاء الحسابات الإعلانية.

الشفافية كأداة سياسية لا كآلية رقابية

أنشأت ميتا مكتبة الإعلانات باعتبارها أداة للشفافية، لكن الوثائق تظهر أنها تحولت عمليًا إلى أداة لإدارة العلاقة مع الجهات التنظيمية، فبدلاً من أن تعكس المكتبة الحجم الحقيقي للإعلانات الاحتيالية، عملت الشركة على تنظيف نتائج البحث التي يستخدمها المنظمون والصحفيون، ما أدى إلى تحسين الصورة الظاهرة أكثر من معالجة جوهر المشكلة.

هذا الأسلوب، الذي وصفه موظفون سابقون بأنه مسرح تنظيمي، يعكس توجهًا اقتصاديًا يهدف إلى كسب الوقت وتخفيف الضغط السياسي دون التضحية بالإيرادات.

كلفة الامتثال ولماذا ترفضها الشركة؟

تعترف ميتا في وثائقها الداخلية بأن التحقق الشامل من المعلنين يعد من أكثر الأدوات فعالية في خفض الاحتيال، إلا أن القرار الاقتصادي كان حاسمًا، فتكلفة تطبيق التحقق عالميًا تقدر بملياري دولار، إضافة إلى خسارة محتملة في الإيرادات نتيجة خروج آلاف المعلنين غير القادرين أو غير الراغبين في الكشف عن هوياتهم.

في نظر الإدارة، لا تزال هذه الكُلفة أعلى من المخاطر التنظيمية الحالية، خصوصًا في غياب تشريع عالمي موحد يفرض هذا الخيار.

الاحتيال لا يختفي بل يهاجر

تظهر التجارب في دول مثل تايوان وسنغافورة أن تشديد القواعد في سوق واحد لا يقضي على الاحتيال بقدر ما يدفعه للانتقال إلى أسواق أخرى أقل تشددًا، هذه الديناميكية حولت الاحتيال إلى نشاط عابر للحدود، حيث تعاد توجيه الإعلانات المحظورة تلقائيًا إلى مستخدمين في دول أخرى، فيما تستمر الإيرادات في التدفق. 

اقتصاديًا، يعني ذلك أن الخسائر التنظيمية في سوق ما يمكن تعويضها بسهولة في سوق آخر، ما يقلل الحافز لدى ميتا لتبني حل جذري شامل.

دليل اللعب التنظيمي.. كيف تدار المواجهة مع الحكومات؟

الوثائق تكشف عن وجود ما تسميه الشركة دليل لعب عالمي للتعامل مع الجهات التنظيمية، هذا الدليل لا يقوم على المواجهة المباشرة، بل على سياسة التأجيل والمناورة، عبر إطلاق مبادرات طوعية، وطلب فترات سماح أطول، وفرض قيود جزئية على المعلنين الجدد أو المصنفين كعاليي المخاطر. 

في لغة الاقتصاد السياسي، تصف ميتا فرض التحقق الشامل من المعلنين بأنه حدث أسود، أي خطر نادر لكنه مدمر، هذا التوصيف يكشف كيف ترى الشركة التنظيم الحكومي ليس كأداة لتصحيح اختلالات السوق، بل كتهديد مباشر لنموذج أعمالها الأساسي. 

ومع اتساع نطاق التحقيقات والدعاوى القضائية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، يبدو أن هذا الخطر لم يعد نظريًا، والهدف ليس الامتثال الكامل، بل إبطاء التشريع إلى أقصى حد ممكن، مع الحفاظ على أكبر قدر من المرونة التجارية.

هل تستمر المعادلة الحالية؟

على المدى القصير، نجحت ميتا في احتواء الضغوط والحفاظ على تدفق الإيرادات، لكن المؤشرات الاقتصادية والسياسية توحي بأن هامش المناورة يضيق، فتكلفة عدم الامتثال قد تتجاوز قريبًا كلفة التحقق، سواء عبر غرامات ضخمة أو فقدان الثقة العامة أو تشريعات أكثر صرامة.

وفي عالم يتزايد فيه الوعي بمخاطر الاحتيال الرقمي، قد تجد الشركة نفسها مضطرة لإعادة تعريف نموذجها الاقتصادي، ليس بدافع أخلاقي، بل لأن الامتثال قد يصبح الخيار الأقل كلفة اقتصاديًا.

اقرأ أيضًا:

المفوضية الأوروبية تستعد للتحقيق مع ميتا بسبب دمج الذكاء الاصطناعي في واتس آب

4 صفقات كبرى ترسم نفوذ «ميتا» في الذكاء الاصطناعي خلال 2025

Short Url

search