الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

12:28 م

الدكتور محمد عسكر يكتب: التجسس على الهواتف بين الحقيقة والتهويل

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 10:07 ص

الدكتور محمد عسكر إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

الدكتور محمد عسكر إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

الدكتور محمد عسكر إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

لم يعد التجسس على الحياة الخاصة بحاجة إلى عين تتلصص من خلف الأبواب، أو شخص يتخفى لمراقبة الآخرين، فقد أصبح الهاتف المحمول، بما يختزنه من أسرار وتفاصيل، ساحة جديدة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الخصوصية، وتتعارض فيها الرغبة في المعرفة مع الحق في الحرية، فبضعة تطبيقات، وصلاحيات قد يمنحها المستخدم دون انتباه، وثغرة أمنية قد يستغلها أحدهم، يمكن أن تفتح أبواباً لم يكن الإنسان يتصور يوماً أن تصبح متاحة بهذا القدر، وهكذا، لم يعد السؤال مجرد استفسار عن إمكانات تقنية جديدة، بل أصبح سؤالاً عن أمن الإنسان في عالم رقمي تتقلص فيه المسافة بين حياته المعلنة وأسراره المستورة.

من هنا، اكتسب الجدل الذي أثاره مسلسل "طالع نازل" حول إمكانية التجسس على الهواتف المحمولة من خلال تطبيقات تُحمَّل على الأجهزة أهمية تتجاوز حدود العمل الدرامي، فقد أعاد المسلسل إلى الواجهة قضية تمس ملايين المستخدمين، وفتح الباب أمام نقاشات إعلامية شارك فيها متخصصون في أمن المعلومات، بين التحذير من مخاطر حقيقية والتساؤل عن مدى دقة الصورة التي تقدمها الدراما، غير أن أهمية القضية تفرض علينا ألا نكتفي بالانفعال الذي يثيره المشهد الدرامي، بل أن نتوقف أمام الحقائق التقنية والأبعاد الأخلاقية والاجتماعية التي تكشف عنها هذه الظاهرة.

والحقيقة أن التجسس على الهواتف المحمولة ليس خيالاً درامياً محضاً، بل هو واقع موثق في عالم الأمن السيبراني، فهناك برامج خبيثة وأدوات مراقبة تستطيع، في ظروف معينة، الوصول إلى بيانات شخصية، أو تتبع الموقع الجغرافي، أو جمع الصور والملفات والمعلومات الحساسة، وقد تتمكن بعض الأدوات الأكثر تطوراً من استغلال ثغرات أمنية للوصول إلى وظائف وبيانات يصعب على التطبيقات العادية بلوغها، لكن الإقرار بهذه الحقيقة لا يعني أن كل تطبيق قادر على اختراق الهاتف بالكامل، أو أن مجرد تحميل برنامج يمنح صاحبه القدرة على مراقبة كل ما يجري داخل الجهاز، فالأمر يتوقف على طبيعة البرنامج، ونظام التشغيل، والصلاحيات الممنوحة له، ومستوى الحماية المتوافر، والوسيلة التي جرى بها الوصول إلى الهاتف.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحقيقة التقنية والمبالغة الدرامية، فالدراما بطبيعتها تسعى إلى التشويق، وقد تختصر إجراءات معقدة في مشهد سريع، أو تمنح تطبيقاً قدرات استثنائية لخدمة تطور الأحداث، لكن ما يصلح لبناء حبكة مثيرة لا يصلح بالضرورة مرجعاً لتفسير الواقع، ومن ثم، فإن الحكم على تطبيق بعينه يجب أن يستند إلى معلومات موثوقة وفحص تقني، لا إلى ما يظهر على الشاشة أو يتردد في بعض المناقشات الإعلامية، فليس من الإنصاف أن ننكر مخاطر التجسس لأنها تبدو مثيرة للدهشة، كما ليس من الموضوعية أن نتصور أن كل هاتف يمكن اختراقه والسيطرة عليه بضغطة زر.

غير أن المسألة الأعمق لا تكمن في قدرة تطبيق على الوصول إلى بيانات بعينها، بل في التحول الذي أحدثته التكنولوجيا في مفهوم الحياة الخاصة، لقد أصبح الهاتف المحمول ذاكرة شخصية متنقلة، يحتفظ بصورنا ورسائلنا وعلاقاتنا واهتماماتنا، ويرصد جوانب من تحركاتنا وعاداتنا اليومية، إنه بمثابة خريطة لحياتنا الداخلية والخارجية، وقد تكشف البيانات المتناثرة فيه عن ملامح شخصياتنا، وطبيعة علاقاتنا، ومواطن ضعفنا، وما نفضّل أن نبقيه بعيداً عن أعين الآخرين، ولذلك، فإن اختراق الهاتف لا يعني دائماً الاستيلاء على جهاز إلكتروني، بل قد يعني النفاذ إلى مساحة شديدة الخصوصية من حياة صاحبه.

ولعل الأخطر من الاختراقات التقنية المعقدة أن تتحول أدوات المراقبة إلى وسيلة لإساءة استخدام السلطة داخل العلاقات الإنسانية، فقد يبرر أحدهم مراقبة شريك حياته بدعوى الغيرة، أو يبرر آخر بالحرص على أحد أفراد أسرته لتتبع تحركاته والاطلاع على رسائله، وقد يستخدم البعض ما يجمعونه من معلومات في الابتزاز أو التهديد أو فرض السيطرة، وفي هذه الحالات، تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتكريس الشك بدلاً من بناء الثقة، وإحكام السيطرة بدلاً من ترسيخ الاحترام المتبادل.

إن العلاقة الإنسانية السليمة لا تحتاج إلى رقيب خفي، والمحبة لا تمنح صاحبها حق اقتحام أسرار الآخرين، فالخصوصية ليست دليلاً على الإخفاء أو سوء النية، ولا امتيازاً يحق لبعض الناس دون غيرهم، بل هي جزء أصيل من كرامة الإنسان واستقلاله، ومن حق كل فرد أن يحتفظ بمساحة شخصية في حياته، حتى في أكثر علاقاته قرباً وخصوصية، أما تحويل الهاتف إلى أداة تفتيش دائمة، فإنه يغيّر طبيعة العلاقات نفسها، ويجعل الثقة رهينة المراقبة، والطمأنينة مشروطة بكشف الأسرار.

ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين الاستخدام المشروع للتكنولوجيا والتجسس السري، فمشاركة الموقع الجغرافي بموافقة واضحة، أو استخدام أدوات الرقابة الأبوية في إطار مسؤول، يختلفان جذرياً عن تثبيت برنامج خفي لجمع المعلومات دون علم صاحب الهاتف، فامتلاك القدرة التقنية لا يمنح صاحبه الحق الأخلاقي أو القانوني في استخدامها، وهذه قاعدة جوهرية في عصر تتسع فيه إمكانات الوصول إلى البيانات بوتيرة أسرع من تطور وعي المجتمع بحدود استخدامها.

وللإعلام في هذه القضية مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الخبراء والمتخصصين، فمن حق البرامج التلفزيونية أن تناقش القضايا التي تثيرها الأعمال الدرامية، وأن تحذر من المخاطر التي تهدد الجمهور، لكن من واجبها أيضاً أن تضع المعلومات في سياقها الصحيح، وأن تميز بين الاحتمال والواقعة، وبين الخطر المثبت والسيناريو المفترض، فالإثارة وحدها لا تصنع وعياً، والتحذيرات المطلقة قد تترك الجمهور أسير الخوف بدلاً من أن تمنحه القدرة على حماية نفسه، والإعلام الرشيد هو الذي يحوّل القلق إلى معرفة، والجدل إلى فرصة للفهم، والمشهد الدرامي إلى مدخل لنقاش عام يستند إلى الدقة والمسؤولية.

ولا يمكن أن تكتمل مواجهة هذه المخاطر من دون بناء ثقافة رقمية أكثر نضجاً، فالمستخدم ليس مطالباً بأن يكون خبيراً في البرمجة، لكنه يحتاج إلى قدر من الوعي يجعله أكثر حرصاً عند اختيار التطبيقات، ومراجعة الصلاحيات التي يمنحها لها، وتحديث نظام تشغيل هاتفه بانتظام، وتأمين حساباته، وتجنب الروابط والملفات مجهولة المصدر، كما تقع على المؤسسات المعنية مسؤولية نشر الوعي الرقمي، وتطوير آليات الإبلاغ عن الانتهاكات، وتعزيز حماية البيانات الشخصية، وتطبيق القوانين على من يتعمد الوصول غير المشروع إلى معلومات الآخرين.

إن حماية الخصوصية ليست مسؤولية الفرد وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين المستخدمين والشركات المطورة للتطبيقات والمؤسسات الإعلامية والجهات التشريعية، فكلما اتسعت قدرة التكنولوجيا على جمع المعلومات وتحليلها، ازدادت الحاجة إلى ضوابط تضمن ألا تتحول هذه القدرة إلى وسيلة لانتهاك الحقوق، ولا ينبغي أن يكون ثمن التقدم التقني هو التنازل التدريجي عن حرمة الحياة الخاصة، أو التسليم بأن الإنسان أصبح مكشوفاً بالضرورة لمجرد أنه يعيش في العصر الرقمي.

لقد نجح الجدل الذي أثاره مسلسل "طالع نازل" في وضع قضية مهمة أمام الرأي العام، لكن القيمة الحقيقية لهذا الجدل لا تتحدد بحجم الضجة التي أحدثها، بل بما يتركه من أثر في وعي الناس وسلوكهم، فالمطلوب ليس أن نخاف من التكنولوجيا، وإنما أن نفهمها؛ وليس أن نشك في كل تطبيق، وإنما أن نتعلم كيف نستخدمه بأمان، وليس أن نرفض التطور، وإنما أن نضع له الضوابط التي تحمي الإنسان من إساءة استخدامه.

في النهاية، قد يصبح الهاتف نافذتنا الأوسع على العالم، لكنه يجب ألا يتحول إلى نافذة مفتوحة للعالم على أسرارنا، فالتكنولوجيا التي لا تحترم الإنسان تفقد جانباً أساسياً من قيمتها، والتقدم الذي ينتقص من حريته لا يمكن أن يكون تقدماً كاملاً، وبينما يتيح لنا التطور التقني إمكانات غير مسبوقة، تظل هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا: ليس كل ما نستطيع الوصول إليه يحق لنا الاطلاع عليه، ففي زمن أصبحت فيه أسرار الإنسان قابلة للتحول إلى بيانات، تظل الخصوصية حقاً أصيلاً، ويظل احترامها مقياساً لتحضر المجتمعات، لا عائقاً أمام تطورها.

اقرأ أيضًا:

الدكتور محمد عسكر يكتب: الساعات الذكية.. تكنولوجيا تراقب صحتنا ولا تغني عن الطبيب

Short Url

search