الجمعة، 24 يوليو 2026

05:54 م

د.محمد عسكر يكتب: الذكاء الاصطناعي والنفايات الإلكترونية.. الوجه الآخر للثورة الرقمية

الجمعة، 24 يوليو 2026 04:48 م

د. محمد عسكر

د. محمد عسكر

منذ أن تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود المختبرات ومراكز الأبحاث ليصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، انشغل العالم بقدراته الاستثنائية على تغيير أنماط العمل والإنتاج والتعليم والاتصال، حتى بدا وكأنه التقنية التي ستعيد صياغة ملامح القرن الحادي والعشرين، غير أن كل ثورة تكنولوجية كبرى تحمل في جوفها أسئلة لا تقل أهمية عن وعودها، إذ لا يقاس أثرها بما تضيفه إلى حياة الإنسان فحسب، بل أيضًا بما تتركه من انعكاسات على البيئة والاقتصاد والمجتمع. 

وفي هذا السياق يفرض ملف النفايات الإلكترونية نفسه بوصفه أحد أكثر الملفات إلحاحًا، لأن النقاش لم يعد يدور حول ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه، وإنما حول الكلفة البيئية التي قد ترافق هذا السباق المحموم نحو أجهزة أكثر ذكاءً وأعلى قدرة.

لقد تبدلت فلسفة صناعة الأجهزة الإلكترونية بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، فبعدما كانت المنافسة تدور حول سرعة المعالج أو دقة الشاشة أو جودة الكاميرا، أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي هي المعيار الجديد الذي تتنافس الشركات على أساسه. ولم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال أو التقاط الصور، بل تحول إلى منصة قادرة على الترجمة الفورية، وتحرير النصوص، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات، والتفاعل مع المستخدم بطريقة تقترب من الحوار الإنساني. غير أن هذا التطور، على الرغم من قيمته التقنية، أوجد فجوة بين الأجيال المختلفة من الأجهزة، وجعل كثيرًا من المستخدمين يشعرون بأن ما بين أيديهم لم يعد يواكب العصر، حتى وإن ظل قادرًا على أداء وظائفه الأساسية بكفاءة.

ومن هنا يبرز مفهوم التقادم الوظيفي بوصفه أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة، فالأجهزة لم تعد تُستبدل لأنها تعطلت أو انتهى عمرها الافتراضي، وإنما لأنها لم تعد قادرة على تشغيل أحدث التطبيقات أو الاستفادة من الإمكانات التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومع تسارع وتيرة الابتكار، أصبحت دورة استبدال الأجهزة أقصر من أي وقت مضى، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول الثمن البيئي الذي يدفعه العالم في سبيل مواكبة هذا التطور المتسارع.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط تحميل الذكاء الاصطناعي وحده مسؤولية هذه الظاهرة، فثمة عوامل أخرى لا تقل تأثيرًا، من بينها سياسات بعض الشركات التي تقلص فترات الدعم البرمجي، أو تنتج أجهزة يصعب إصلاحها أو ترقية مكوناتها، فضلًا عن الخطاب التسويقي الذي يربط باستمرار بين اقتناء أحدث الأجهزة والانتماء إلى المستقبل الرقمي، وهكذا يصبح المستهلك أسيرًا لفكرة أن جهازه فقد قيمته بمجرد ظهور جيل جديد، حتى وإن ظل يؤدي جميع المهام التي يحتاجها في حياته اليومية.

وتكتسب النفايات الإلكترونية خطورتها من طبيعتها المركبة، فهي ليست مجرد أجهزة انتهى استخدامها، وإنما مستودعات لمواد كيميائية قد تتحول إلى مصدر تلوث إذا لم تُدار بصورة علمية، وفي الوقت ذاته خزائن لمعادن نادرة وثمينة يعتمد عليها العالم في الصناعات المتقدمة، مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس والذهب. ومن هذا المنطلق، فإن التخلص غير المنظم من هذه الأجهزة لا يمثل خسارة بيئية فحسب، بل يعكس أيضًا هدرًا اقتصاديًا لموارد تزداد قيمتها مع اتساع الاقتصاد الرقمي والتحول نحو الطاقة النظيفة.

والمفارقة اللافتة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُنظر إليه أحيانًا باعتباره جزءًا من المشكلة، يمتلك في الوقت نفسه القدرة على أن يكون جزءًا من الحل، فقد بدأت تطبيقاته تدخل إلى منظومات فرز النفايات الإلكترونية، وتحسين عمليات إعادة التدوير، واستخلاص المعادن النادرة بكفاءة أعلى، فضلًا عن تطوير أنظمة للصيانة الاستباقية تتنبأ بالأعطال قبل وقوعها، بما يسهم في إطالة العمر التشغيلي للأجهزة وتقليل الحاجة إلى استبدالها. وهذا يؤكد أن التكنولوجيا ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما تتحدد آثارها وفق الطريقة التي يختار الإنسان توظيفها بها.

أما في الدول النامية، فتبدو التحديات أكثر تعقيدًا، إذ تتقاطع محدودية البنية التحتية مع ضعف الوعي المجتمعي، وغياب التشريعات الكافية، فضلاً عن تدفق كميات من النفايات الإلكترونية عبر قنوات غير مشروعة في بعض الأحيان. ولذلك فإن بناء منظومة متكاملة لإدارة هذه النفايات لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح جزءًا من متطلبات الأمن البيئي والاقتصادي في عصر تتزايد فيه معدلات التحول الرقمي بوتيرة غير مسبوقة.

ومن هنا تتعاظم أهمية الاقتصاد الدائري بوصفه نموذجًا جديدًا للتعامل مع التكنولوجيا، يقوم على إطالة عمر المنتجات، وتشجيع إصلاحها، وإعادة استخدامها، ثم إعادة تدوير مكوناتها بدلًا من التخلص منها. فهذا النموذج لا يحافظ على الموارد الطبيعية فحسب، بل يحد أيضًا من الانبعاثات المرتبطة بعمليات التصنيع واستخراج المواد الخام، ويمنح الصناعة التكنولوجية فرصة للتوفيق بين الابتكار والاستدامة.

ولا تقل مسؤولية المستهلك عن مسؤولية الشركات والحكومات، لأن قرارات الاستخدام والشراء أصبحت عنصرًا مؤثرًا في رسم ملامح السوق. فالاحتفاظ بالجهاز لفترة أطول، وإصلاحه متى كان ذلك ممكنًا، وتسليمه إلى جهات متخصصة عند انتهاء عمره، ليست مجرد ممارسات فردية، بل تعبير عن وعي حضاري يدرك أن الموارد الطبيعية ليست بلا حدود، وأن الاستهلاك الرشيد أصبح أحد شروط التنمية المستدامة.

في النهاية، لا ينبغي أن تُقاس ثورة الذكاء الاصطناعي بعدد التطبيقات التي تنتجها أو بسرعة المعالجات التي تطورها، وإنما بقدرتها على التعايش مع متطلبات البيئة واحترام حدود الموارد الطبيعية. فالمستقبل الذي يستحق أن نراهن عليه ليس ذلك الذي يفيض بالأجهزة الذكية فحسب، بل ذلك الذي ينجح في المواءمة بين الإبداع والمسؤولية، وبين طموح الابتكار وواجب الحفاظ على الكوكب. وعندها فقط يمكن القول إن الثورة الرقمية حققت معناها الكامل، لأنها لم تكتفِ بصناعة مستقبل أكثر ذكاءً، بل أسهمت أيضًا في بناء مستقبل أكثر استدامة.

Short Url

search