رقية الأشرم تكتب: من المنجم إلى المصنع
السبت، 03 أكتوبر 2026 08:45 م
رقية الأشرم
المغرب.. من ثروة الفوسفات إلى اقتصاد المعادن والصناعة وسلاسل القيمة العالمية، فالفوسفات في المغرب ليس مجرد ثروة معدنية ضخمة مدفونة في باطن الأرض، وإنما أصبح أحد المكونات الأساسية في النموذج الاقتصادي والصناعي المغربي، بما يتجاوز فكرة تصدير الخام إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ من التعدين ولا تنتهي عند إنتاج الأسمدة والكيماويات والمنتجات ذات القيمة المضافة.
وتكشف بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن المغرب امتلك في 2024 نحو 50 مليار طن من احتياطيات صخور الفوسفات، بما يعادل نحو 68% من الاحتياطيات العالمية المقدرة، بينما بلغ إنتاجه نحو 35.3 مليون طن من صخور الفوسفات، ليأتي ثانيًا عالميًا في الإنتاج بعد الصين.
المسح الجيولوجي الأمريكي.. لكن الأهم من حجم الاحتياطي هو ما يفعله المغرب بهذه الثروة، فالفوسفات هو المصدر الطبيعي للفوسفور، وهو عنصر أساسي لنمو النباتات، ولذلك يدخل بصورة رئيسية في صناعة الأسمدة الزراعية، كما يدخل الفوسفور ومشتقاته في عدد من الصناعات الكيميائية والغذائية والصناعات المرتبطة بتغذية الحيوان.
وهنا تظهر أهمية استراتيجية المغرب: القيمة الاقتصادية لا تأتي من استخراج الفوسفات وحده، وإنما من تحويله إلى منتجات صناعية
من المنجم إلى المصنع.
وتأتي أهمية مجموعة OCP في قلب هذه المنظومة؛ فوفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، كانت المجموعة في 2024 المنتج الوحيد لصخور الفوسفات وحمض الفوسفوريك والأسمدة الفوسفاتية في المغرب، مع ملكية حكومية تبلغ 94.12%.
المسح الجيولوجي الأمريكي
وهذا النموذج يمنح المغرب قدرة على الانتقال من تصدير المادة الخام إلى تصنيع مشتقاتها، وفي 2024 بلغ إنتاج المغرب من الأسمدة الصلبة نحو 12.3 مليون طن، فيما ارتفع إنتاج حمض الفوسفوريك إلى نحو 7.4 مليون طن.
كما بلغت صادرات صخور الفوسفات وحمض الفوسفوريك والأسمدة الفوسفاتية نحو 8.7 مليار دولار، وهو ما مثل 94% من قيمة صادرات قطاع التعدين المغربي في ذلك العام.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة الاقتصادية: فكل مرحلة إضافية في سلسلة التصنيع تعني قيمة مضافة أعلى، وأسواقًا أوسع، وفرصًا أكبر لتطوير الصناعات الكيميائية المرتبطة بالفوسفات.
الفوسفات.. غذاء للزراعة ومدخل لصناعات متعددة
تتجاوز أهمية الفوسفات صناعة الأسمدة التقليديةن فمشتقاته تدخل في الصناعات الكيميائية، وفي منتجات تستخدم في تغذية الحيوان، كما ارتبط تاريخيًا باستخدام مركبات الفوسفات في بعض تطبيقات المنظفات، وإن كانت استخدامات الفوسفات في منظفات الغسيل مقيدة أو منظمة في عدد من الأسواق لأسباب بيئية.
والاتجاه الأكثر إثارة للاهتمام حاليًا هو انتقال الفوسفات إلى اقتصاد البطاريات، فهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تشير إلى أن المغرب يعمل على إنتاج حمض الفوسفوريك المنقى ومواد مثل فوسفات الحديد FePO₄، وهي مادة وسيطة تدخل في تصنيع كاثودات بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم LFP، إلى جانب تطوير أملاح الفوسفات المستخدمة في هذه السلسلة الصناعية، كما أن المغرب أنشأ منطقة صناعية مخصصة لإنتاج كاثودات LFP، مع استثمارات أولية معلنة بلغت 2.3 مليار دولار.
وهذا التحول مهم للغاية؛ لأنه يعني أن الفوسفات المغربي لم يعد مرتبطًا فقط بالأمن الغذائي والأسمدة، وإنما يمكن أن يصبح جزءًا من سلاسل القيمة العالمية للطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.
أمريكا.. سوق مهم ولكن العلاقة ليست بلا تعقيدات
أما الولايات المتحدة، فهى واحدة من الأسواق المهمة في علاقة المغرب التجارية العالمية، وفي 2024 بلغت صادرات المغرب إلى الولايات المتحدة نحو 1.4 مليار دولار، بينما بلغت وارداته منها نحو 7.1 مليار دولار وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية
وفي قطاع الأسمدة الفوسفاتية تحديدًا، شهدت العلاقة التجارية بين المغرب والولايات المتحدة نزاعًا حول الرسوم التعويضية المفروضة على بعض واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية.
وتقول مجموعة OCP إن هذه الرسوم أضرت بوصول المزارعين الأمريكيين إلى إمدادات الفوسفات المغربية، بينما استمرت الإجراءات التجارية الأمريكية.
وهذه القضية تكشف أن الفوسفات لم يعد مجرد سلعة تصديرية؛ فمع ارتباطه بالغذاء والأسمدة والزراعة، أصبح جزءًا من حسابات الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والسياسة التجارية الدولية.
اقتصاد مغربي لا يقوم على الفوسفات وحده، ومع ذلك، فإن قراءة الاقتصاد المغربي من خلال الفوسفات فقط ستكون قراءة ناقصة.
فالمغرب نجح خلال السنوات الماضية في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا؛ إذ تمثل الخدمات قرابة نصف الناتج المحلي، والصناعة نحو الربع، بينما تظل الزراعة قطاعًا حيويًا للتوظيف والنشاط في المناطق الريفية.
وتشمل القطاعات الرئيسية: الفوسفات والأسمدة، السيارات، الطيران، السياحة، الصناعات الغذائية، الصيد البحري، والخدمات الرقمية. كما أصبح ميناء طنجة المتوسط عنصرًا مهمًا في تحويل المغرب إلى مركز لوجستي يربط أوروبا وأفريقيا وبقية الأسواق العالمية.
واللافت أن المغرب لا يراهن على التعدين وحده، بل يحاول بناء منظومة صناعية متصلة بالتوجهات الجديدة في الاقتصاد العالمي، ومنها الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وسلاسل السيارات الكهربائية.
وبحسب البنك الدولي، نما الاقتصاد المغربي الحقيقي بنحو 4.7% في 2025، مقارنة بـ3.8% في 2024، مدفوعًا بقوة النشاط غير الزراعي، مع مساهمات من السياحة والتعدين والبناء.
المغرب والأسواق العربية.. شراكة اقتصادية تتسع
ولا يمكن قراءة الاقتصاد المغربي بعيدًا عن محيطه العربي، فالمغرب يتحرك تجاريًا في أكثر من دائرة في الوقت نفسه: أوروبا، أمريكا، أفريقيا، آسيا، والعالم العربي. وتوضح بيانات مكتب الصرف المغربي أن الدول العربية الآسيوية مثلت في 2024 نحو 4.5% من إجمالي تجارة المغرب مع العالم، بقيمة بلغت نحو 55.3 مليار درهم، بينما بلغت صادرات المغرب إليها نحو 5.5 مليار درهم مقابل واردات تقارب 49.8 مليار درهم
البوابة الإلكترونية للجهة.
وهذا يوضح وجود مساحة كبيرة أمام العلاقات الاقتصادية العربية، ليس فقط في التجارة التقليدية، وإنما في الاستثمار والشراكات الصناعية والطاقة والأمن الغذائي والخدمات واللوجستيات.
كما أن العلاقة المغربية العربية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد حركة صادرات وواردات؛ فهناك فرصة لبناء سلاسل إقليمية متكاملة: رأس المال والاستثمار من الخليج، والموارد والخبرات والأسواق من الدول العربية والأفريقية، مع الاستفادة من الموقع المغربي كبوابة إلى أوروبا وأفريقيا.
الاقتصاد المغربي بين أوروبا وأمريكا والعالم العربي، المعادلة المغربية في النهاية تقوم على تنويع الشركاء والأسواق.
فأوروبا ما زالت الكتلة التجارية الأهم؛ إذ بلغت تجارة المغرب مع أوروبا في 2024 نحو 754.9 مليار درهم، منها 653.8 مليار درهم مع الاتحاد الأوروبي، وفق مكتب الصرف المغربي.
وفي الوقت نفسه، يحتفظ المغرب بعلاقات تجارية مع الولايات المتحدة، ويتوسع في أفريقيا، ويطور علاقاته مع الأسواق العربية والآسيوية
البوابة الإلكترونية للجهة.
وهذا التنوع يعطي الاقتصاد المغربي أكثر من نافذة على الاقتصاد العالمي، لكنه في المقابل يضع أمامه تحديات حقيقية، أبرزها العجز التجاري، واعتماد قطاعات مهمة على الظروف المناخية، ومشكلة ندرة المياه، والحاجة إلى خلق مزيد من فرص العمل.
ففي 2024 بلغت صادرات السلع المغربية نحو 455 مليار درهم، بينما وصلت الواردات إلى نحو 761.4 مليار درهم، ليصل العجز التجاري إلى نحو 306 مليارات درهم تقريبًا.
القصة المغربية ليست قصة «بلد يملك 50 مليار طن من الفوسفات» فحسب، القصة الأهم هى: كيف يمكن لثروة طبيعية أن تتحول إلى صناعة؟
من الصخور إلى حمض الفوسفوريك، ومن حمض الفوسفوريك إلى الأسمدة والكيماويات، ومن الصناعات الفوسفاتية إلى مواد تدخل في البطاريات؛ ومن التعدين إلى الصناعة والتصدير واللوجستيات والطاقة المتجددة والسيارات.
وهنا تظهر تجربة المغرب كحالة اقتصادية تستحق الدراسة: الثروة المعدنية تصبح أكثر قيمة عندما ترتبط بالصناعة والتكنولوجيا والأسواق وسلاسل القيمة، لا عندما تظل مجرد خام يُستخرج ويُصدّر.
وفي الوقت نفسه، فإن مستقبل الاقتصاد المغربي سيتحدد بقدرته على تحقيق توازن بين الثروة المعدنية، والتصنيع، والزراعة، والسياحة، والطاقة، والتجارة الخارجية، والاستثمار، والعلاقات العربية والأفريقية والدولية.
ومن الفوسفات تحديدًا قد تمتد قصة اقتصادية أكبر: من تأمين الغذاء العالمي بالأسمدة إلى المشاركة في اقتصاد الطاقة والبطاريات والسيارات الكهربائية.
Short Url
د. علي الدكروري يكتب: الاستثمار يبدأ من الخريطة
29 سبتمبر 2026 10:11 ص
أكثر الكلمات انتشاراً