-
مستقبل الصناعات الإلكترونية في مصر 2030.. فرص النمو وتحديات التوطين
-
من قلب الروبيكي.. «مركز تكنولوجي» يفتح أبواب التطوير أمام صناعة الجلود المصرية
-
رئيس الوزراء يشهد الإعلان عن مشاريع جديدة للشراكة بين القطاعين العام والخاص الثلاثاء
-
بنمو يتجاوز 25%.. وزير الصناعة: 800 مليون دولار حجم التجارة مع التشيك
الدكتور محمد عسكر يكتب: الساعات الذكية.. تكنولوجيا تراقب صحتنا ولا تغني عن الطبيب
الإثنين، 19 أكتوبر 2026 06:47 م
الدكتور محمد عسكر استشاري نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي
الدكتور محمد عسكر استشاري نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي
لم تعد الساعة، التي نرتديها في معصمنا مجرد أداة لمعرفة الوقت أو متابعة النشاط البدني، بل تحولت مع التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى نافذة صغيرة نطل منها على بعض المؤشرات الحيوية لأجسامنا، بضغطة واحدة أصبح بإمكان الإنسان متابعة معدل ضربات القلب ومراقبة أنماط النوم وقياس مستوى النشاط البدني، بل إن بعض الأجهزة تستطيع تسجيل تخطيط كهربائية القلب أو تقدير مستوى الأكسجين في الدم وفقاً لإمكاناتها، وبينما تفتح هذه التقنيات آفاقاً جديدة أمام الوقاية الصحية والكشف المبكر عن بعض المشكلات، فإنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً مهماً يستحق النقاش: إلى أي مدى يمكن أن نثق في هذه الأجهزة؟ وهل أصبحت التكنولوجيا قادرة على حمايتنا من الأمراض، أم أننا نبالغ أحياناً في الاعتماد عليها حتى تتحول من وسيلة للاطمئنان إلى مصدر للقلق؟
الحقيقة، أن الساعات الذكية تمثل تطوراً مهماً في مفهوم متابعة الصحة، لأنها تتيح جمع بيانات عن الجسم على مدار اليوم، بدلاً من الاكتفاء بقياسات متفرقة أثناء زيارة الطبيب، والتغيرات المتكررة في معدل ضربات القلب، على سبيل المثال، قد تلفت الانتباه إلى اضطراب يستحق التقييم الطبي، كما يمكن لمتابعة النشاط البدني أن تشجع الإنسان على الحركة بصورة منتظمة، وتساعده بيانات النوم على اكتشاف بعض العادات التي تؤثر في راحته وقدرته على التركيز، وهنا تظهر القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا، فهي لا تكتفي بتقديم معلومات لحظية، وإنما قد تساعد على ملاحظة أنماط وتغيرات يصعب على الإنسان رصدها بمفرده.
ويزداد دور الذكاء الاصطناعي، أهمية، عندما يتعلق الأمر بتحليل هذه البيانات، إذ تستطيع الخوارزميات معالجة كميات كبيرة من المعلومات والبحث عن أنماط قد ترتبط بمخاطر صحية معينة، وقد أصبحت بعض الأجهزة قادرة على إصدار تنبيهات بشأن احتمال وجود اضطرابات في نظم القلب، مثل الرجفان الأذيني، الذي قد يحدث دون أعراض واضحة لدى بعض الأشخاص، وتمثل هذه الإمكانات فرصة مهمة للتنبيه المبكر، لكنها لا تعني أن الساعة أصبحت طبيباً صغيراً قادراً على تشخيص جميع الأمراض، لأن اكتشاف مؤشر غير طبيعي يختلف تماماً عن تحديد طبيعة المرض وأسبابه ودرجة خطورته ووضع خطة علاجه.
وهنا يجب التوقف أمام حقيقة علمية أساسية، وهي أن دقة القياسات تختلف من جهاز إلى آخر، ومن وظيفة إلى أخرى، كما تتأثر بعض القراءات بالحركة وطريقة ارتداء الساعة وطبيعة النشاط الذي يمارسه الإنسان، وقد تسجل الأجهزة تغيرات لا تعكس بالضرورة وجود مرض، بينما قد تمر بعض المشكلات الصحية دون أن تظهر في المؤشرات التي تستطيع الساعة قياسها، ولذلك فإن القراءة الطبيعية لا تمثل شهادة طبية تؤكد سلامة الجسم، كما أن القراءة غير الطبيعية لا تعني بالضرورة أن الإنسان مصاب بمرض، إنها مؤشرات تحتاج إلى الفهم والتفسير، وليست أحكاماً نهائية يمكن بناء القرارات الطبية عليها بمعزل عن بقية المعطيات.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية، إذ أصبحت بعض الساعات والتطبيقات تستخدم مؤشرات مثل تباين معدل ضربات القلب وجودة النوم ومستوى النشاط البدني لتقدير الإجهاد الفسيولوجي الذي قد يرتبط بالتوتر، وقد تساعد هذه البيانات الإنسان على ملاحظة علاقات متكررة بين ضغوط العمل واضطراب النوم والتغيرات التي تطرأ على جسمه، ولكن هل تستطيع الساعة أن تعرف أن صاحبها يعاني من القلق أو الاكتئاب؟ الإجابة أن هذه الأجهزة لا تستطيع بمفردها تشخيص اضطراب نفسي، لأن الصحة النفسية أكثر تعقيداً من مجموعة من المؤشرات الحيوية، وتتطلب فهماً لمشاعر الإنسان وأفكاره وسلوكه ومدى تأثير الأعراض في حياته اليومية، وقد تستدعي تقييماً متخصصاً.
والمفارقة أن التكنولوجيا التي صُممت لمساعدتنا على الاطمئنان قد تتحول لدى بعض الأشخاص إلى مصدر للقلق الصحي، وهناك من يراجع معدل ضربات قلبه مرات متكررة خلال اليوم، ويشعر بالخوف من أي تغير في الأرقام، ثم يعيد القياس بحثاً عن الطمأنينة، وقد تتحول متابعة النوم إلى انشغال بدرجات التطبيقات وتقييماتها، حتى يصبح الإنسان قلقاً بشأن جودة نومه بسبب الرقم الذي ظهر على الشاشة، بدلاً من أن يستمع إلى احتياجات جسمه ويلاحظ مستوى نشاطه وتركيزه خلال اليوم، وفي هذه الحالة تفقد التكنولوجيا جزءاً من فائدتها، لأنها تدفع الإنسان إلى مراقبة نفسه بصورة مرهقة بدلاً من مساعدته على تحسين نمط حياته.
ولا يعني ذلك أن الحل هو الابتعاد عن التكنولوجيا أو التقليل من شأنها، وإنما يكمن في تعلم استخدامها بوعي واعتدال، ومن المفيد أن يحدد الإنسان هدفاً واضحاً لاستخدام الساعة، مثل زيادة النشاط البدني أو متابعة النوم أو مراقبة مؤشر صحي بناءً على توصية الطبيب، وأن يهتم بالاتجاهات العامة للبيانات بدلاً من الانشغال بكل تغير لحظي، ومن المهم أيضاً تقليل الإشعارات غير الضرورية، وعدم التعامل مع كل تنبيه باعتباره دليلاً على وجود مرض، والامتناع عن اتخاذ قرارات علاجية أو إيقاف أدوية موصوفة اعتماداً على بيانات الجهاز وحدها.
وفي المقابل، يجب ألا يؤدي هذا الحذر إلى تجاهل التنبيهات المهمة أو الأعراض التي تستدعي الفحص، وإذا تكررت إشعارات غير معتادة بشأن ضربات القلب، أو ظهرت تغيرات مستمرة تثير القلق، فمن الأفضل مراجعة الطبيب لتقييم الحالة وتحديد الحاجة إلى فحوصات إضافية، وإذا ظهرت أعراض خطيرة مثل ألم الصدر أو ضيق التنفس الشديد أو الإغماء، فإن الأولوية تكون لطلب الرعاية الطبية العاجلة، دون انتظار قراءة جديدة من الساعة أو الاطمئنان إلى أن بعض المؤشرات تبدو طبيعية، والأعراض الفعلية تظل أكثر أهمية من أي شعور زائف بالأمان قد تمنحه شاشة الجهاز.
كما ينبغي الانتباه إلى أن انتشار الأجهزة الصحية الذكية يثير تساؤلات تتعلق بخصوصية البيانات، فالمعلومات التي تجمعها هذه الأجهزة قد تكشف تفاصيل حساسة عن النوم والنشاط البدني وبعض المؤشرات الصحية، ومن ثم فإن اختيار التطبيقات والأجهزة يستلزم الاهتمام بسياسات الخصوصية وطريقة تخزين البيانات ومشاركتها، وعدم منح التطبيقات صلاحيات واسعة دون ضرورة، والتقدم التكنولوجي لا يقاس فقط بقدرة الأجهزة على جمع المعلومات وتحليلها، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المستخدم واحترام خصوصيته.
في رأيي أن مستقبل الرعاية الصحية لن يقوم على المفاضلة بين الطبيب والتكنولوجيا، وإنما على التكامل بينهما، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في تحليل البيانات واكتشاف بعض الأنماط، والساعات الذكية يمكن أن توفر معلومات إضافية عن الحالة الصحية بين الزيارات الطبية، لكن الطبيب يظل صاحب الدور الأساسي في تفسير النتائج وربطها بالتاريخ المرضي والأعراض والفحص السريري وتحديد التشخيص والعلاج المناسبين، وكلما تحسن هذا التكامل، زادت فرص الاستفادة من التكنولوجيا في الوقاية والمتابعة، دون الوقوع في فخ المبالغة في قدراتها.
وفي النهاية، فإن أهم ما ينبغي أن نتعلمه في عصر الذكاء الاصطناعي هو أن امتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك المعرفة الكاملة، وأن كثرة البيانات لا تعني بالضرورة فهماً أفضل للصحة، والساعة الذكية قد تنبهنا إلى تغير يستحق الانتباه، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا ضماناً مطلقاً بأننا أصحاء، كما أن الأرقام التي تعرضها لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر دائم للخوف، إن الاستخدام الأمثل لهذه الأجهزة هو أن تجعلنا أكثر وعياً بعاداتنا الصحية، وأكثر استعداداً لاتخاذ قرارات سليمة، وأكثر قدرة على التواصل مع الطبيب عند الحاجة، والتكنولوجيا ينبغي أن تساعد الإنسان على أن يعيش حياة أفضل، لا أن تجعله أسيراً لشاشتها، والذكاء الحقيقي لا يكمن في أن نراقب أجسامنا طوال الوقت، بل في أن نعرف كيف نفهم الإشارات التي تقدمها لنا التكنولوجيا، ومتى نثق بحدودها، ومتى نلجأ إلى الخبرة الطبية التي لا غنى عنها.
اقرأ أيضًا:
الدكتور محمد عسكر يكتب: الذكاء الاصطناعي.. سباق التفوق أم معركة السيطرة؟
Short Url
رقية الأشرم تكتب: منتدى مصر 2026.. من اقتصاد بناء الأصول إلى اقتصاد صناعة القيمة
19 أكتوبر 2026 09:24 م
المنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس: بوابة موسكو إلى أفريقيا
17 أكتوبر 2026 10:59 ص
د.نجلاء صقر تكتب: من ضفاف النيل لآفاق الطبيعة.. استراتيجية مصر لحماية التنوع البيولوجي
16 أكتوبر 2026 06:17 م
أكثر الكلمات انتشاراً