الإثنين، 03 أغسطس 2026

03:11 م

د.محمد عسكر يكتب: كيف أنذرت هواتف أندرويد المصريين قبل هزة السويس؟

الإثنين، 03 أغسطس 2026 01:01 م

دكتور محمد عسكر استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني

دكتور محمد عسكر استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني

عاش عدد كبير من مستخدمي هواتف أندرويد في مصر في الساعات الأولى من اليوم تجربة غير مألوفة، بعدما تلقوا إشعارًا يحذرهم من اقتراب هزة أرضية، قبل ثوانٍ قليلة من شعورهم بالزلزال الذي بلغت قوته 5.7 درجات على مقياس ريختر.

وكان مركزه بالقرب من مدينة السويس، لكنه لم يكن لنسبة كبيرة وحده هو الحدث اللافت، وإنما سبقته رسالة قصيرة على شاشة الهاتف، تنبه إلى ضرورة الاستعداد للهزة المرتقبة، وهو ما أثار موجة واسعة من التساؤلات حول كيفية تمكن الهواتف الذكية من إصدار هذا التحذير، وهل أصبحت التكنولوجيا قادرة بالفعل على التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها؟

 

الإجابة العلمية ونظام Android Earthquake Alerts System،

وتحمل الإجابة العلمية قدرًا كبيرًا من الدقة، لكنها تتنفي في الوقت نفسه واحدة من أكثر الأفكار شيوعًا، فالهواتف الذكية لا تتنبأ بالزلازل، لأن المجتمع العلمي لم يتوصل حتى الآن إلى وسيلة موثوقة، تسمح بالتنبؤ بموعد وقوع الزلازل قبل حدوثها.

وحدث أن نظام الإنذار المبكر، رصد الزلزال فور بدء حدوثه في باطن الأرض، ثم استغل الفارق الزمني بين أنواع الموجات الزلزالية، لإرسال تحذيرٍ إلى المستخدمين الموجودين في المناطق التي لم تصل إليها، بعد الموجات الأكثر تأثيرًا.

ويعتمد نظام Android Earthquake Alerts System، على حقيقة جيولوجية معروفة، تتمثل في أن الزلزال ينتج عدة أنواع من الموجات، أولها الموجات الأولية التي تنتقل بسرعة كبيرة، لكنها عادة تكون أقل تأثيرًا، تليها الموجات الثانوية والموجات السطحية التي تتحرك بسرعة أقل، لكنها المسؤولة عن معظم الاهتزازات القوية والأضرار.

ويستطيع النظام خلال الفترة الزمنية الفاصلة بين وصول هذه الموجات، إرسال إشعارات تحذيرية إلى المستخدمين، بما يمنحهم فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية سريعة، قد تمتد من ثوانٍ معدودةٍ إلى عشرات الثواني بحسب المسافة عن مركز الزلزال.

وتبرز هنا، واحدة من أكثر الأفكار ابتكارًا في عالم التكنولوجيا الحديثة، وهي تحويل ملايين الهواتف الذكية المنتشرة حول العالم، إلى شبكة استشعار زلزالية ضخمة.

ويعمل كل هاتف بنظام أندرويد يحتوي على مستشعرٍ دقيق يسمى "مقياس التسارع"، وهو المسؤول عن التعرف على اتجاه الهاتف وحركته أثناء الاستخدام.

 

ما يتميز به المستشعر

ويمتلك هذا المستشعر أيضًا، القدرة على تسجيل الاهتزازات الأرضية عندما يكون الهاتف ثابتًا على سطح مستقر. وعندما ترصد مجموعة كبيرة من الهواتف في منطقة واحدة، اهتزازات متشابهة في التوقيت نفسه، تُرسل بيانات مجهولة الهوية إلى خوادم النظام.

وتقوم خوارزميات متقدمة، بتحليلها للتأكد من أنها ناجمة عن نشاطٍ زلزالي حقيقي، وليس عن اهتزازات عادية مثل مرور مركبة ثقيلة أو أعمال إنشائية.

وتبدأ مرحلة الحسابات الفورية بمجرد التأكد من وقوع الزلزال، إذ تحدد الخوارزميات موقع مركز الزلزال، واتجاه انتشار الموجات، وشدتها المتوقعة، ثم ترسل التنبيهات إلى الهواتف الموجودة في المناطق المتوقع تأثرها خلال اللحظات التالية، وتتم هذه العملية بالكامل في غضون ثوانٍ قليلة، معتمدةً على الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي وسرعة شبكات الاتصالات الحديثة.

وأصبحت هذه التقنية حديث الرأي العام في مصر بعد الزلزال الأخير، فإنها ليست جديدة، فقد بدأت شركات التكنولوجيا في تطوير أنظمة الإنذار المبكر منذ سنوات بالتعاون مع الهيئات العلمية المختصة، بهدف توفير وسيلة منخفضة التكلفة وقادرة على الوصول إلى ملايين المستخدمين في وقت واحد.

 

التجارب تثبت أن الإنذار المبكر يمكن أن يسهم في الحد من الخسائر البشرية والمادية

وأثبتت التجارب في عدد من الدول المعرضة للنشاط الزلزالي، مثل اليابان والولايات المتحدة، أن الإنذار المبكر يمكن أن يسهم في الحد من الخسائر البشرية والمادية، حتى وإن كانت المهلة الزمنية المتاحة، لا تتجاوز بضع ثوانٍ.

وتبدو هذه الثواني القليلة غير مؤثرة للبعض، لكنها في الواقع، تمثل فارقًا كبيرًا في إدارة المخاطر، فهي تمنح الأفراد فرصة للابتعاد عن النوافذ والأجسام الثقيلة القابلة للسقوط، أو الاحتماء في مكان آمن داخل المبنى.

كما تتيح للمستشفيات والمرافق الحيوية والمصانع والقطارات، تطبيق إجراءات طوارئ آلية تقلل من حجم الأضرار المحتملة، ولهذا أصبحت أنظمة الإنذار المبكر جزءًا أساسيًا من استراتيجيات إدارة الكوارث في العديد من دول العالم.

ولا يحل نظام التنبيه في هواتف أندرويد، محل الشبكات الوطنية لرصد الزلازل، بل يكمل دورها في محطات الرصد الزلزالي التقليدية، تعتمد على أجهزة علمية عالية الحساسية تقدم البيانات الرسمية الخاصة بقوة الزلزال وعمقه وموقعه.

ويركز النظام الرقمي على سرعة إيصال التحذير إلى المستخدمين في الوقت المناسب، كما يعكس التكامل بين المؤسسات العلمية وشركات التكنولوجيا، نموذجًا جديدًا للاستفادة من التقنيات الرقمية في خدمة السلامة العامة.

وتكشف التجربة الأخيرة، عن تحول أوسع في دور الهواتف الذكية، فلم تعد مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه، بل أصبحت منصات متقدمة للاستشعار وجمع البيانات وإدارة الأزمات.

 

أداء ووظائف الهاتف

تمنح المستشعرات الموجودة داخل الهاتف، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، القدرة على أداء وظائف كانت حتى وقت قريب حكرًا على الأجهزة المتخصصة.

ويتوقع في ظل التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات الضخمة، أن تصبح أنظمة الإنذار المبكر، أكثر دقة وسرعة خلال السنوات المقبلة، وأن تتكامل بصورة أكبر مع تطبيقات الطوارئ وشبكات الاتصالات والبنية التحتية الذكية.

وسيؤدي ذلك إلى تعزيز قدرة المجتمعات على الاستجابة للكوارث الطبيعية، ليس من خلال التنبؤ بها، وإنما عبر تقليص الزمن الفاصل بين وقوعها ووصول المعلومة إلى الإنسان.

لقد أثبتت تجربة اليوم، أن التكنولوجيا لا تستطيع منع الزلازل، لكنها تستطيع أن تمنح الإنسان، عنصرًا بالغ الأهمية في مواجهة الكوارث، وهو الوقت وفي عالم تتسارع فيه وتيرة الابتكار، وقد تكون بضع ثوانٍ كافية لإنقاذ حياة، أو حماية منشأة، أو تقليل خسائر كبيرة.

وتبرز من هنا القيمة الحقيقية لأنظمة الإنذار المبكر، بوصفها نموذجًا ناجحًا لتسخير التكنولوجيا الحديثة في خدمة الإنسان، وتعزيز قدرته على مواجهة المخاطر الطبيعية بكفاءة ووعي.

Short Url

search