الإثنين، 28 سبتمبر 2026

07:32 م

الدكتور محمد عسكر يكتب: الذكاء الاصطناعي.. سباق التفوق أم معركة السيطرة؟

الإثنين، 28 سبتمبر 2026 06:17 م

دكتور محمد عسكر استشارى نظم المعلومات

دكتور محمد عسكر استشارى نظم المعلومات

الدكتور محمد عسكر استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني

في اللحظة التي بدأ فيها العالم يكتشف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج يجيب عن الأسئلة ويكتب النصوص ويصنع الصور ظهرت مفارقة تستحق أن نتوقف أمامها طويلا، والولايات المتحدة التي تقود العالم في تطوير هذه التكنولوجيا تحذر من مخاطرها في الوقت الذي تخوض فيه أشرس سباق مع الصين من أجل امتلاكها، وشركات التكنولوجيا العملاقة التي تنفق المليارات لبناء نماذج أكثر قوة تتحدث في الوقت نفسه عن ضرورة وضع ضوابط وحدود على هذه النماذج، والسياسيون الأمريكيون يقولون إن إبطاء الذكاء الاصطناعي يعني منح الصين فرصة للتفوق بينما يقول بعض كبار العاملين في الصناعة إن الاستمرار بلا قيود قد يقود إلى مخاطر لا يمكن السيطرة عليها.

فهل نحن أمام خوف حقيقي من تكنولوجيا خرجت عن حدود توقعات مطوريها أم أمام مناورة سياسية واقتصادية هدفها إعادة توزيع موازين القوة في العالم؟

الحقيقة على الأرجح أكثر تعقيدا من كلا التفسيرين، والذكاء الاصطناعي دخل بالفعل مرحلة جديدة، ولم يعد مجرد آلة تنتظر سؤال الإنسان ثم تقدم إجابة، والنماذج الحديثة تتجه إلى أن تصبح أنظمة قادرة على التخطيط وتنفيذ المهام واستخدام البرامج والأدوات والعمل لفترات طويلة بدرجات متفاوتة من الاستقلال، وهذه النقلة تبدو للوهلة الأولى تقنية بحتة لكنها تحمل في داخلها تغييرا عميقا في طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة.

والخطأ الذي يرتكبه برنامج تقليدي يمكن غالبا اكتشافه وتصحيحه لأننا نعرف القواعد التي يعمل وفقا لها، أما النظام الذكي شديد التعقيد فقد يقدم إجابة صحيحة في موقف وخاطئة تماما في موقف آخر وقد يكون من الصعب تفسير السبب الذي جعله يتصرف بهذه الطريقة، وإذا ظل هذا النظام مجرد أداة استشارية فإن المخاطر يمكن احتواؤها إلى حد كبير، ولكن ماذا يحدث عندما نمنحه القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ القرار والوصول إلى أنظمة حقيقية دون مراجعة بشرية مستمرة؟

هنا تبدأ المخاوف الجادة، وليس المطلوب أن نتخيل آلة شريرة تستيقظ ذات صباح وتقرر القضاء على البشر، وهذا التصور ينتمي إلى عالم السينما أكثر مما ينتمي إلى عالم التكنولوجيا، والخطر الأكثر واقعية قد يكون أبسط من ذلك وأكثر تعقيدا في الوقت نفسه، وقد نمنح نظاما هدفا محددا ثم نكتشف أن الطريقة التي اختارها لتحقيق هذا الهدف لم تكن الطريقة التي قصدناها، وقد يكون النظام ممتازا في تنفيذ المهمة لكنه لا يفهم القيم الإنسانية التي تحيط بها.

لكن هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة قررت فجأة أن تتوقف عن سباق الذكاء الاصطناعي؟

كل المؤشرات السياسية والاستراتيجية تقول العكس، واشنطن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين، ولذلك فهي تريد تطوير بنيتها التحتية وزيادة قدرتها الحاسوبية والحفاظ على تفوق شركاتها وتقليص قدرة الصين على الوصول إلى بعض التقنيات المتقدمة، القضية هنا ليست تجارية فقط، وإنها مرتبطة بالأمن القومي وبالاقتصاد وبالصناعات العسكرية وبالأمن السيبراني وبالقدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، ومن ثم فإن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في إيقاف سباق الذكاء الاصطناعي وإنما في أن تكون هي الطرف الأكثر قدرة على تحديد قواعده واتجاهه.

وهنا تحديدا يصبح خطاب المخاطر أكثر إثارة للاهتمام، والشركات الكبرى التي تدعو إلى مزيد من التنظيم لا تعمل خارج حسابات السوق، وهذه الشركات تنفق أموالا هائلة لبناء نماذج جديدة وتتنافس على السيطرة على الأسواق والمواهب والبنية التحتية، وأي قواعد جديدة تتطلب استثمارات ضخمة في الاختبارات والأمن والامتثال قد تؤدي إلى نتيجة مزدوجة، ومن ناحية يمكن أن تحمي المجتمع بالفعل من المخاطر، ومن ناحية أخرى يمكن أن تجعل دخول الشركات الصغيرة والمنافسين الجدد إلى السوق أكثر صعوبة.

وهذه ليست نظرية مؤامرة، وإنها واحدة من الحقائق الاقتصادية البسيطة التي يجب أن ترافق أي نقاش حول تنظيم التكنولوجيا، وحين تصبح تكلفة تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم مليارات الدولارات فإن الشركات التي تملك المال والرقائق ومراكز البيانات والقدرة على جذب العلماء تصبح في موقع مختلف تماما عن الشركات الناشئة.

لكن هل يعني ذلك أن تحذيرات هذه الشركات كاذبة؟

ليس بالضرورة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، وقد تكون الشركات صادقة تماما في تحذيرها من المخاطر وفي الوقت نفسه مدركة أن التنظيم سيؤثر في موازين المنافسة، وقد تخشى فعلا من بعض القدرات المستقبلية للذكاء الاصطناعي وقد ترغب في الوقت نفسه في الحفاظ على موقعها القيادي، وقد يكون المسؤول الأمريكي مقتنعا بضرورة السلامة وفي الوقت نفسه مقتنعا بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تسمح للصين بالوصول أولا إلى التكنولوجيا الأكثر تقدما.

السياسة الدولية لا تعمل عادة بمنطق السبب الواحد، وإنها تعمل بمنطق المصالح المتقاطعة،وهنا تأتي الصين، والصين ليست مجرد منافس اقتصادي للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنها المنافس الأكبر على النفوذ العالمي في التكنولوجيا المتقدمة، ومن منظور واشنطن فإن امتلاك الصين لقدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي يعني احتمالات جديدة في المجال العسكري والاستخباراتي والاقتصادي والسيبراني والعلمي، ولهذا جاءت القيود الأمريكية على بعض الرقائق ومعدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة ضمن استراتيجية أوسع للحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا ترفض قطاعات سياسية أمريكية فكرة التباطؤ الشامل، فإذا توقفت الولايات المتحدة بينما استمرت الصين فلن يكون الأمر مجرد تأخير تجاري، قد يصبح فارقا استراتيجيا طويل الأمد.
لكن هنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه.

ماذا لو تحول هذا المنطق إلى سباق لا يستطيع أحد إيقافه؟

تخيل شركتين تتنافسان على تطوير أقوى نموذج، الأولى تدرك أن نموذجها يحتاج إلى مزيد من الاختبارات، والثانية مستعدة لإطلاق نموذجها بسرعة أكبر، وإذا تباطأت الشركة الأولى فقد تخسر السوق، وإذا تباطأت الدولة الأولى فقد تخسر السباق أمام الدولة الثانية، وهكذا يصبح كل طرف خائفا من أن يكون أول من يضغط على الفرامل، وهذه هي أخطر نقطة في قصة الذكاء الاصطناعي.

ليس لأن الآلة ستقرر بالضرورة أن تحكم العالم بل لأن البشر أنفسهم قد يجدون أنفسهم داخل سباق لا يريد أي طرف أن يخسر فيه، ولقد عرف العالم منطق سباقات التسلح من قبل، ولكنه هذه المرة أمام سباق مختلف، والتكنولوجيا الجديدة ليست صاروخا أو طائرة أو سلاحا تقليديا يمكن حصر استخدامه في مؤسسة محددة، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يدخل في الطب والتعليم والإعلام والاقتصاد والبرمجة والصناعة والأمن والحياة اليومية، ولذلك فإن آثار السباق ستصل إلى المواطن العادي حتى لو لم يعرف شيئا عن تفاصيله.

ولهذا فإن اختزال القضية في سؤال من سيتفوق على من سيكون خطأ تاريخيا، وليس المهم فقط أن تنتصر الولايات المتحدة على الصين أو أن تنتصر الصين على الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي، والمهم أن يعرف العالم ماذا سيفعل عندما تصبح القدرة الحسابية والمعرفية للآلات أكبر من قدرة المؤسسات البشرية على مراقبتها وفهمها، ونحن لا نحتاج إلى إيقاف الذكاء الاصطناعي، كما أننا لا نستطيع أن نتركه يتحرك بلا قواعد، المطلوب هو شيء أكثر صعوبة بكثير وهو أن نتعلم كيف ندير هذه القوة الجديدة.

نحتاج إلى اختبارات حقيقية للأنظمة الأكثر قدرة، نحتاج إلى شفافية أكبر من الشركات، نحتاج إلى قواعد تمنع الاستخدامات الأخطر، ونحتاج إلى تعاون دولي لا يتحول إلى وسيلة لاحتكار التكنولوجيا من جانب القوى الكبرى، ونحتاج قبل كل شيء إلى الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي قضية إنسانية عالمية وليست مجرد ورقة في صراع النفوذ بين واشنطن وبكين.

لقد دخلنا بالفعل عصر الذكاء الاصطناعي، والسؤال لم يعد هل سيحدث ذلك أم لا، والسؤال أصبح من سيضع قواعد هذا العصر ومن سيدفع ثمن أخطائه، وربما تكون المفارقة الأخيرة هي الأكثر أهمية، وقد لا يكون الخطر الأكبر أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، الخطر الأكبر أن يصبح الإنسان مقتنعا بأن عليه أن يواصل سباق الآلة مهما كانت المخاطر خوفا من أن يصل منافسه إليها قبله، وعند هذه النقطة لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد سباق بين الشركات أو الدول، يصبح اختبارا لقدرة الإنسان نفسه على استخدام القوة التي صنعها دون أن يتحول خوفه من خسارة السباق إلى سبب يجعله يفقد السيطرة على اتجاهه.

وفي النهاية فإن الدولة التي ستنجح في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة الدولة التي تبني النموذج الأكبر أو تمتلك أكبر عدد من الرقائق، وقد تكون الدولة التي تعرف كيف تجمع بين القوة التكنولوجية والمسؤولية السياسية وتضع للآلة حدودا لا تسمح لها بتجاوز الإنسان، والذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أداة ابتكرها العقل البشري، ولكن أعظم اختبار سيواجهه العقل البشري ربما يكون أن يعرف متى يسرع ومتى يتوقف ومتى يقول لنفسه إن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة أن استخدامها بلا حدود هو الطريق الصحيح.

اقرأ أيضًا:

الذكاء الاصطناعي يستهلك الكهرباء والمياه.. وتحذيرات من تحديات مراكز بيانات المستقبل

Short Url

search