-
إعادة تدوير البلاستيك وتصنيع الحبيبات «مخلفات» تجلب مليارات الدولارات
-
830 مليار دولار استثمارات عمالقة التكنولوجيا في مراكز البيانات خلال 2026
-
بعد ملاحقة بنك QNB قضائيًا.. "الأهرام للطباعة" تناقش حل الشركة بسبب الخسائر والديون
-
لجنة الطاقة النظيفة لـ"إيجي إن": رسوم بـ5% على السيارات الكهربائية قبل التصنيع المحلي تهديد للسوق
د.محمد عسكر يكتب: من يملك رقمك؟.. عندما تصبح شريحة المحمول قضية أمن رقمي
الأحد، 09 أغسطس 2026 03:09 م
محمد عسكر
محمد عسكر
هناك أسئلة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها عندما نقترب منها قليلًا تكشف عن قضية أكبر بكثير، ومن بين هذه الأسئلة سؤال قد يطرحه المواطن على نفسه، بعد أن يكتشف أن هناك خط محمول مسجلًا باسمه بينما هو لا يعرف عنه شيئًا: كيف حدث ذلك؟ ومن قام بتسجيله؟ وهل يمكن أن يكون هذا الرقم قد استخدم بالفعل؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا استُخدم في أمر مخالف للقانون؟
هذه الأسئلة لم تعد تندرج تحت بند التفاصيل الإدارية الصغيرة، لأن الهاتف المحمول لم يعد مجرد جهاز للاتصال، ورقم الهاتف، لم يعد مجرد وسيلة للوصول إلى شخص آخر.
لقد أصبح الرقم جزءًا من الهوية الرقمية للمواطن، وقد يرتبط بحسابات إلكترونية وخدمات مالية ومحافظ رقمية وتطبيقات ومواقع إلكترونية، ولذلك فإن سلامة تسجيل الرقم وملكية صاحبه، أصبحت جزءًا من منظومة حماية البيانات الشخصية والأمن الرقمي.
المفارقة التي تستحق التأمل، هي أن المنظومة التنظيمية في مصر تضع بالفعل ضوابط واضحة لتسجيل شرائح المحمول، فالقواعد المعمول بها تشترط بالنسبة للمواطن المصري، تقديم أصل بطاقة الرقم القومي والتحقق منها وحضور العميل شخصيًا للتوقيع على التعاقد وتسلم نسخة منه، إلى جانب وجود ضوابط تحدد عدد الخطوط التي يمكن تسجيلها على الرقم القومي الواحد لدى كل شركة.
وهذه إجراءات مهمة، وتؤكد أيضًا أن المشرع والجهة التنظيمية يدركان حساسية البيانات المرتبطة بخطوط المحمول، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو، إذا كانت الضوابط موجودة، فكيف تظهر حالات يقول أصحابها إن هناك خطوطًا مسجلة بأسمائهم دون علمهم؟
هنا يجب أن نتحلى بالدقة وألا نقفز إلى استنتاجات لا يثبتها إلا دليل، فوجود خط غير معروف للمواطن، لا يعني بالضرورة أن هناك واقعة تزوير أو سرقة بيانات في كل حالة.
فقد تكون هناك بيانات قديمة أو أخطاء في التسجيل أو تعاقدات سابقة لم تعد حاضرة في ذاكرة صاحبها أو مخالفات تمت خارج الإجراءات المعتمدة.
ولذلك فإن التعامل الصحيح مع هذه الحالات، يبدأ بالتحقق من تاريخ الخط ومصدر تسجيله ونقطة البيع التي قامت بالإجراء والمستندات التي استند إليها التعاقد.
لكن تعدد الاحتمالات، لا يعني التقليل من أهمية الظاهرة، على العكس تمامًا، فهو يجعلنا في حاجة إلى منظومة قادرة على الإجابة عن هذه الأسئلة بصورة سريعة ودقيقة.
فإذا كان من الممكن تسجيل خط باسم مواطن، فيجب أن يكون من الممكن أيضًا معرفة متى سجل وأين سجل ومن خلال أي منفذ، وما المستند الذي تم الاعتماد عليه، ومتى تم تفعيله وما الإجراءات التي تمت عليه بعد ذلك.
وتظهر هنا أهمية الانتقال من مجرد تسجيل البيانات إلى مفهوم أكثر تطورًا وهو قابلية التتبع الرقمي، فالمنظومة الحديثة لا ينبغي أن تكتفي بمعرفة أن الخط مسجل باسم شخص ما، وإنما يجب أن تمتلك سجلًا إلكترونيًا واضحًا يسمح بمراجعة دورة حياة الخط كاملة.
وهذا الأمر لا يحمي المواطن وحده، وإنما يحمي أيضًا شركات الاتصالات والجهات التنظيمية من الادعاءات غير الصحيحة، ويساعد على تحديد المسؤولية عند وقوع المخالفات.
والمسؤولية في هذه القضية، ليست مسؤولية طرف واحد، فالمواطن له دور أساسي في حماية هويته الرقمية، والدولة عليها مسؤولية الرقابة والتنظيم، وشركات الاتصالات عليها مسؤولية الالتزام الصارم بإجراءات التعاقد وحماية بيانات العملاء، وأي خلل في أحد هذه الأضلاع الثلاثة، يمكن أن يضعف المنظومة كلها.
ومن الخطوات المهمة التي يستطيع المواطن القيام بها، أن يعرف ما هو مسجل باسمه بالفعل، وقد أتاح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات خدمة «أرقامي» من خلال تطبيق My NTRA، لمعرفة عدد خطوط المحمول المسجلة باستخدام الرقم القومي لدى شركات المحمول.
وهذه الخدمة تمثل في حد ذاتها تحولًا مهمًا، لأنها تمنح المواطن وسيلة عملية لاكتشاف أي خط غير معروف له بدلًا من أن يظل الأمر مجهولًا حتى تقع مشكلة.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي، فإذا اكتشف المواطن خطًا لا يعرفه فعليه أن يتحرك، وألا يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد رقم زائد، وعليه مراجعة شركة المحمول المعنية، وطلب تصحيح موقف الخط، وإذا لم تتم معالجة المشكلة يمكنه اللجوء إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وفق آليات الشكاوى المتاحة.
فالمبدأ الأساسي هنا هو أن اكتشاف المشكلة مبكرًا، أفضل بكثير من انتظار أن تتحول إلى مشكلة قانونية أو مالية أو أمنية، أما على مستوى الدولة، فإن الخطوة المقبلة ينبغي أن تركز على تعزيز الرقابة الوقائية وليس فقط التعامل مع المخالفات بعد وقوعها.
فالرقابة الأكثر فاعلية هي التي تستطيع اكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل أن تتحول إلى ظاهرة، ويمكن في هذا السياق الاستفادة بصورة أكبر من أدوات التحليل الرقمي لاكتشاف عمليات تسجيل غير معتادة أو كثافة غير طبيعية في إصدار الشرائح من منفذ معين أو أي أنماط تستحق المراجعة.
كما أن تشديد الرقابة على منافذ البيع غير الرسمية، يجب أن يظل جزءًا أساسيًا من المعالجة فوجود ضوابط قوية يفقد جزءًا من فاعليته، إذا تمكنت قنوات غير معتمدة من بيع الشرائح أو جمع بيانات المواطنين بعيدًا عن المنظومة الرسمية، ومن ثم فإن مواجهة هذه المشكلة، تحتاج إلى رقابة مستمرة ومحاسبة واضحة عند ثبوت المخالفة.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو حماية المواطن لبياناته الشخصية، فبطاقة الرقم القومي، ليست مجرد مستند لإثبات الشخصية، وإنما تحتوي على بيانات يمكن أن تصبح ذات قيمة كبيرة في محاولات انتحال الهوية أو الاحتيال.
ولهذا ينبغي ألا يشارك المواطن صورة بطاقته أو بياناتها مع جهات غير موثوقة، وألا يرسل بياناته الشخصية استجابة لرسائل أو مكالمات مجهولة المصدر.
وحذر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من مشاركة بيانات بطاقة الرقم القومي مع المواقع والتطبيقات غير الموثوقة لما قد يترتب على ذلك من مخاطر تتعلق بسرقة الهوية وإساءة استخدام البيانات.
ومن الحلول التي تستحق الدراسة أيضًا، أن يحصل المواطن على إشعار فوري عند تسجيل خط جديد باسمه، بحيث لا يكتشف المواطن بعد فترة طويلة، أن هناك رقمًا لم يكن يعلم عنه شيئًا.
ويمكن تطوير هذه الفكرة، لتشمل تنبيهًا عند تغيير بيانات الخط أو إجراء عمليات جوهرية مرتبطة به، مثل هذا النظام سيجعل المواطن شريكًا مباشرًا في الرقابة، وسيحول دون استمرار الخطأ لفترات طويلة دون اكتشافه.
إن القضية في جوهرها، ليست قضية شريحة محمول وإنما قضية ثقة، المواطن يريد أن يطمئن إلى أن بياناته التي قدمها للحصول على خدمة، لن تتحول إلى باب مفتوح أمام استخدامات لا يعلم عنها شيئًا، ويريد أن يعرف أن أي خط مسجل باسمه يمكن تتبع مصدره وأن أي خط لا يخصه، يمكن إلغاؤه بسهولة وأن الشكوى لن تضيع بين الإجراءات.
وفي زمن تتحول فيه الخدمات اليومية بسرعة إلى المجال الرقمي، أصبحت حماية الهوية الرقمية جزءًا من حماية المواطن نفسه، ولذلك فإن المطلوب ليس فقط مزيدًا من القواعد، وإنما منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والرقابة والشفافية والتوعية وسهولة الشكوى وسرعة التصحيح.
والرسالة الأهم للمواطن بسيطة، ولا تنتظر أن تقع المشكلة حتى تعرف ما هو مسجل باسمك، اعرف خطوطك وراجع بياناتك واحمِ بطاقة هويتك، ولا تمنح بياناتك إلا لجهة موثوقة.
أما الرسالة الأهم للجهات المعنية، فهي أن الثقة الرقمية لا تُبنى بالنصوص وحدها، وإنما بقدرة المواطن على رؤية أثر هذه النصوص في حياته اليومية.
فإذا كانت القاعدة تقول إن الخط لا يسجل إلا بحضور صاحبه والتحقق من هويته، فيجب أن تكون المنظومة قادرة على الإجابة عن السؤال البديهي: إذا ظهر خط لا يعرفه المواطن، فكيف دخل هذا الخط إلى المنظومة؟
عندما نستطيع الإجابة عن هذا السؤال بسرعة وشفافية، وعندما نستطيع تصحيح الخطأ ومحاسبة من يثبت تجاوزه، نكون قد تجاوزنا مجرد معالجة مشكلة آنية، وبدأنا في بناء مفهوم أكثر نضجًا للأمن الرقمي، مفهوم يجعل التكنولوجيا وسيلة للثقة والتمكين، لا مصدرًا جديدًا للقلق.
Short Url
د. علي الدكروري يكتب.. حين تستثمر البنوك في دولة.. فهي تراهن على مستقبلها
09 أغسطس 2026 05:10 م
رقية الأشرم تكتب: الصين بتعملها إزاي؟
08 أغسطس 2026 08:53 م
أكثر الكلمات انتشاراً