السبت، 12 سبتمبر 2026

03:13 م

محمد فؤاد يكتب: العقار في مصر بين المغامر والمقامر والمغلوب على أمره

السبت، 12 سبتمبر 2026 01:36 م

الدكتور محمد فؤاد

الدكتور محمد فؤاد

منذ عامين بالضبط كتبت مقالًا عن الجدل الدائر حول احتمالية انفجار «الفقاعة العقارية» في مصر. وخلصت وقتها إلى أن السوق المصرية لا تحمل المقومات نفسها التي صنعت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2008، وأن ارتفاع الأسعار محليًا كان انعكاسًا للتضخم وتراجع قيمة العملة وتحول العقار إلى مخزن للقيمة، وليس نتيجة توسع مصرفي هائل في منح قروض عقارية عالية المخاطر.

بعد عامين، لا تزال هذه الخلاصة صحيحة: لم تنفجر فقاعة عقارية بالمعنى التقليدي، ولم نشهد انهيارًا واسعًا في الأسعار أو أزمة تهدد ملاءة الجهاز المصرفي. لكن ذلك لا يعني أن السوق بخير. فما بدأ يتكشف هو اختلال من نوع مختلف: أزمة سيولة وتنفيذ وثقة، وليست أزمة رهن عقاري وبنوك.

وقد صنعت هذه الأزمة ثلاث شخصيات رئيسية: مغامر دخل السوق بحثًا عن مكسب سريع ويريد الآن الخروج، ومقامر من المطورين توسع بأكثر من قدرته المالية والتنفيذية، ومغلوب على أمره يواصل سداد الأقساط وينتظر وحدة قد يتأخر تسليمها.

لماذا لا تشبه الأزمة ما حدث في أمريكا؟

في الولايات المتحدة، كانت الأزمة داخل قلب النظام المالي. توسعت البنوك في منح قروض عقارية لمقترضين ضعيفي الملاءة، ثم حولتها إلى أوراق مالية معقدة ووزعتها بين البنوك والصناديق وشركات التأمين. وعندما تعثر المقترضون، انتقلت الخسائر بين المؤسسات المترابطة وتحولت أزمة الإسكان إلى عدوى مالية.

في مصر، بنية التمويل مختلفة جذريًا. فالتمويل العقاري المصرفي محدود، بينما تتم غالبية عمليات الشراء بالتقسيط المباشر مع المطور. وبذلك أصبح المطور هو البائع والممول، وأصبحت المخاطرة الأساسية بينه وبين العميل، بينما يظل تعرض البنوك غير مباشر من خلال تمويل الشركات أو شراء محافظ الأقساط.

لذلك لا تواجه مصر، حتى الآن، خطرًا عامًا بالقوة نفسها التي شهدتها الولايات المتحدة، لكنها تواجه مخاطر قطاعية وتعاقدية قد تضر آلاف الأسر وتعيد تشكيل خريطة الشركات العاملة في السوق.

المغامر الذي يريد الخروج

المغامر هنا هو المشتري الذي دخل السوق بمقدم محدود، ليس بهدف السكن أو الاحتفاظ بالوحدة، وإنما بقصد إعادة بيعها قبل التسليم وتحقيق مكسب سريع. وكان رهانه أن استمرار المطور في رفع أسعار المراحل الجديدة سيتيح له الخروج بربح قبل سداد نسبة كبيرة من قيمة الوحدة.

وقد ساعدت على انتشار هذا النموذج فترات السداد التي امتدت إلى ثماني وعشر سنوات وربما أكثر. هذه التسهيلات لم تجعل العقار أرخص، وإنما خفضت تكلفة الدخول الأولية، وسمحت بتكوين طلب لا يعكس بالضرورة احتياجًا سكنيًا أو طلبًا نهائيًا حقيقيًا.

لكن مع تراجع القوة الشرائية وتباطؤ سوق إعادة البيع، أصبح كثير من المغامرين راغبين في الخروج في الوقت نفسه، بينما انخفض عدد المشترين المستعدين للدخول. وهنا انكشف الفارق بين السعر المعلن والسيولة الحقيقية: قد تحتفظ الوحدة بسعر مرتفع على الورق، لكن صاحبها لا يستطيع بيعها بهذا السعر بسهولة.

المطور المقامر

المقامر هنا ليس كل مطور عقاري، بل المطور الذي دخل السوق دون ملاءة أو خبرة تنفيذية كافية، ثم توسع في شراء الأراضي وإطلاق المشروعات والبيع بأكثر من قدرته المالية والتنفيذية.

وقد ساعدت فترات الرواج بعض الشركات على إخفاء ضعفها. فطالما استمرت الحجوزات والمقدمات والمبيعات الجديدة، أمكن تمويل الإنشاءات والالتزامات القائمة. لكن عندما تباطأت المبيعات، ظهرت فجوة التمويل.

كما أصبح المطور يسجل مبيعات بمليارات الجنيهات، لكنه لا يحصل حاليًا إلا على نسبة محدودة بسبب امتداد الأقساط لسنوات. وهكذا اتسعت الفجوة بين المبيعات التعاقدية والسيولة المتاحة فعليًا للبناء. ويضاف إلى ذلك الارتفاع الحاد في أسعار مواد البناء وتكاليف المقاولات والفائدة وأقساط الأراضي عقب انخفاض قيمة الجنيه. فأصبح المطور مطالبًا بتنفيذ المشروع بتكلفة اليوم، بينما يحصل ثمنه من العميل على مدى سنوات طويلة.

المشكلة ليست في التقسيط ذاته، وإنما في استخدامه للتوسع غير المحسوب، أو الاعتماد على مقدمات مشروع جديد لاستكمال مشروع قديم. هذا النموذج يستطيع الاستمرار خلال الرواج، لكنه ينكشف عندما تتراجع المبيعات؛ لأنه يقوم على افتراض أن تدفق العملاء الجدد لن يتوقف.

المشتري المغلوب على أمره

المتضرر الأكبر هو المشتري الجاد الذي تعاقد مع مطور ضعيف أو مقامر. فقد يواصل سداد أقساطه في مواعيدها، بينما يتباطأ التنفيذ أو يتأخر التسليم أو تنخفض جودة المشروع والخدمات المتفق عليها.

وقد يجد نفسه محاصرًا بين عقد يمنح المطور حماية واسعة، وإجراءات قضائية بطيئة، وسوق إعادة بيع لا توفر له مخرجًا عادلًا. فهو لا يستطيع التوقف عن السداد دون التعرض للجزاءات، ولا يستطيع إجبار المطور سريعًا على التنفيذ.

ولا يقف الضرر عند العملاء؛ فتعثر الشركات الضعيفة يهز الثقة في السوق ويرفع التكلفة على المطورين الجادين، كما يضر المقاولين والموردين والعمال، وقد تمتد بعض الخسائر بصورة غير مباشرة إلى البنوك.

إذن فالاختلال ليس مصرفيًا عامًا، لكنه ليس صغيرًا أو محصورًا؛ لأن العقار يرتبط بالحديد والأسمنت والمقاولات والتشغيل، فضلًا عن ارتباطه بمدخرات آلاف الأسر.

من التشخيص إلى التشريع

الحل الأول هو إلزام كل مشروع يُباع قبل التنفيذ بفتح حساب ضمان مستقل، تودع فيه أموال المشترين، ولا تُصرف إلا على المشروع نفسه وبالتناسب مع نسب الإنجاز المعتمدة. فلا يجوز استخدام مقدمات مشروع جديد لشراء أرض أخرى أو سد فجوة مشروع سابق.

والحل الثاني هو إنشاء جهة موحدة لتنظيم التطوير العقاري، تتولى ترخيص المطورين وتصنيفهم وفق الملاءة والخبرة وسابقة الأعمال، ومراقبة البيع قبل التنفيذ، والإفصاح عن نسب الإنجاز، والتدخل قبل تحول التأخير إلى تعثر كامل.

أما الحل الثالث فهو إتاحة البيانات؛ فنحن نعرف أسعار الطرح المعلنة، لكننا لا نملك معلومات كافية عن الأسعار الفعلية، ونسب الإلغاء والتعثر، وحجم إعادة البيع، ومعدلات التحصيل، والتزامات المطورين، وتكلفة استكمال المشروعات مقارنة بالأقساط المنتظر تحصيلها.

كما يجب وضع عقود متوازنة، وإنشاء مسار سريع للمنازعات، وربط السماح بالبيع بنسبة إنجاز أو ضمان مالي، مع التفرقة بين حماية العملاء وإنقاذ المطور الذي بالغ في المخاطرة.

ومن هذا المنطلق، ستتقدم الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمشروع قانون متكامل لتنظيم نشاط التطوير العقاري وحماية حقوق المشترين، يقوم على حسابات الضمان، وترخيص المطورين، وإتاحة البيانات، وضبط البيع قبل التنفيذ، وإيجاد آلية سريعة وفعالة لحسم المنازعات.

فلم يعد مقبولًا أن يدفع المشتري وحده ثمن ضعف التنظيم أو سوء الإدارة. وحماية السوق تكون بضمان توجيه أموال المشترين إلى مشروعاتهم، وكشف ملاءة المطور، وربط البيع بالقدرة على التنفيذ.

وبعد عامين من المقال الأول، يمكن تلخيص المشهد في عبارة واحدة: تراجع القوة الشرائية كشف المغامر الذي يريد الخروج، والمقامر الذي بالغ في التوسع، والمغلوب على أمره الذي يدفع الثمن. والاختبار الحقيقي للمطور لم يعد حجم المبيعات التي يعلنها، بل مقدار ما يحصله، وما ينفذه، وما يسلّمه في موعده.
 

Short Url

search