الإثنين، 03 أغسطس 2026

10:13 م

الدكتور علي عبد النبي يكتب: خطورة نووي إيران بعد هجرة التكنولوجيا من الغرب إلي الشرق

الإثنين، 03 أغسطس 2026 07:23 م

الدكتور علي عبد النبي

الدكتور علي عبد النبي

تمتلك إيران مدرسة نووية هجينة «غربية شرقية»، ففي عهد شاه إيران «محمد رضا بهلوي»، بدأت إيران برنامجها النووي مع أمريكا ودول غرب أوروبا، حيث كانت إيران الحليف الاستراتيجي الأبرز لأمريكا في الشرق الأوسط. وبعد سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في عام 1979، تغيرت العقيدة السياسية لإيران بالكامل، وأصبحت أمريكا تصنفها كدولة إرهابية.

في إطار برنامج «الذرة من أجل السلام» (Atoms for Peace)، الذي أطلقه الرئيس الأمريكي إيزنهاور(1953)، وقعت أمريكا (إيزنهاور) مع إيران (الشاه)، اتفاقية تعاون نووي سلمي عام 1957، ومن خلال هذه الاتفاقية، زودت أمريكا إيران بمفاعل بحوث في مركز طهران للبحوث النووية، قدرته 5 ميجاوات، ويعمل بوقود مخصب بنسبة 93%، والذي بدأ العمل عام 1967. وفي عهد الرئيس «جيرالد فورد»، (1974-1977)، وقدمت أمريكا عرضا لإيران لبناء دورة وقود نووي كاملة.

وخلال فترة الشاه، أرسلت إيران مئات من كوادرها العلمية للدراسة في جامعات أمريكية مرموقة، مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT»، لتعلم الهندسة والفيزياء النووية.

كما تسابقت الدول الأوروبية، لإمداد إيران بالتكنولوجيا النووية، ففي عام 1974، وقعت شركة «كرافت فيرك يونيون» الألمانية، عقدا لبناء محطة بوشهر، بلغت قيمة العقد بين 4 إلى 6 مليارات دولار. وفي عام 1975 كان لإيران حصة مقدارها 10% من إنتاج اليورانيوم المخصب ضمن الكونسورتيوم الأوروبي، في مصنع «يوروديف» في فرنسا. 

وبعد الثورة الإسلامية عام 1979، توقفت أمريكا فورا عن توريد الوقود المخصب بنسبة 93% لمفاعل طهران البحثي، وتوقفت شركة سيمنز الألمانية، عن العمل تماما في بناء عدد 2 مفاعل نووي لإنتاج الكهرباء في محطة بوشهر، وجمدت فرنسا حصة الـ 10% الإيرانية من الوقود المخصب، ورفضت تزويد طهران باليورانيوم المخصب.

ملحوظة: تخصيب اليورانيوم بنسبة من 20% إلي نسبة أعلي من 90%، تستخدم في التطبيقات السلمية والتطبيقات العسكرية.

رأيي الشخصي: رغم أن الأرضية التكنولوجية والبنية التحتية الأولى التي انطلقت منها إيران في برنامجها النووي الحالي، كانت بتمكين ومباركة أمريكية كاملة عبر برنامج «الذرة من أجل السلام»، وبمشاركة فرنسية وألمانية تحت المظلة الأمريكية (والتي شملت وضع حجر الأساس لمفاعل بوشهر). أمريكا دربت العلماء الإيرانيين في فترة شاه إيران بالمعاهد التكنولوجية والجامعات الأمريكية، ووفرت لهم الأساس المعرفي في الهندسة النووية والفيزياء النووية، إلا أن هذه المساعي توقفت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

التفكير الاستراتيجي الأمريكي غالباً ما يقاد بالمصالح الآنية أو التجارية (مثل بيع المفاعلات للشاه لتشغيل الشركات الأمريكية)، دون النظر إلى ما سيحدث بعد 30 أو 40 سنة، ويفتقر التقدير السياسي الأمريكي أحياناً إلى قراءة التاريخ، لذلك فإنها تقع في المحظور، وترتب على ذلك نقل المعرفة الحساسة (Know-how) - التي لا يمكن محوها أو معاقبتها لاحقا - بناء على تحالفات مؤقتة. وبسبب هذا القصور السياسي، تحولت المعرفة النووية التي قدمتها أمريكا كـ "هدية للشاه" إلى "إرث علمي" بنى عليه النظام الذي جاء بعده برنامجه النووي بالكامل.

لذلك، اتخذت إيران، قرارا استراتيجيا بإحياء البرنامج النووي سرا وعلنا، ولكن بعيدا عن الغرب. 

الأرجنتين ونووي إيران: وفي عام 1985، كانت الأرجنتين تمتلك تكنولوجيا نووية متطورة ومستقلة، وتحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، رأت في إيران (التي كانت تسعى لإحياء برنامجها النووي بعد الثورة) سوقا مربحة.  

وفي عام 1987، وقعت شركة INVAP الأرجنتينية عقدا بقيمة 5.5 مليون دولار لتطوير وتعديل تصميم قلب مفاعل طهران البحثي ليعمل بيورانيوم مخصب بنسبة 20%، بدلا من اليورانيوم عالي التخصيب 93% الذي منعت أمريكا تزويد إيران به، كما زودت الأرجنتين إيران بنحو 115 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وشمل التعاون تقديم تصاميم ومساعدات لبناء منشأة لتنقية اليورانيوم، وركزت الاتفاقيات أيضا على نقل تكنولوجيا دورة الوقود النووي والماء الثقيل.

وجهت أمريكا تحذيرات دبلوماسية «خلف الكواليس» للأرجنتين، معبرة عن قلقها من أن تؤدي هذه التكنولوجيا إلى امتلاك إيران قدرات نووية عسكرية، وفي عام 1991، مارست أمريكا ضغوطا قاسية لمنع الأرجنتين من تزويد إيران بتكنولوجيا «تصنيع الوقود النووي»، وإعادة معالجة اليورانيوم، ورضخت الأرجنتين تماما للضغوط الغربية، وفي مطلع عام 1992 أعلن رسميا تعليق وإلغاء شحنات المعدات النووية والتكنولوجيا المتبقية إلى طهران.

رأيي الشخصي: لم يكن تعاون الأرجنتين النووي مع إيران مغامرة محسوبة على الإطلاق، بل تحول إلى واحدة من أكبر الكوارث الجيوسياسية والأمنية في تاريخ الأرجنتين الحديث، فالتعاون الأرجنتيني الإيراني يمثل نموذجا صارخا لـ«قصور النظر الجيوسياسي»، حيث دخلت الأرجنتين ملفا بالغ الحساسية (عبر نقل تكنولوجيا الوقود النووي وتعديل المفاعلات الإيرانية) في منطقة مشتعلة (الشرق الأوسط) بدافع المال فقط لإنقاذ اقتصادها المتدهور، وفي عام 1991 وعندما حاولت الأرجنتين الانسحاب فجأة تحت الضغط الغربي تماشيا مع إعادة التموضع السياسي الجديد لأمريكا، لم تمتلك مظلة حماية كافية أو تحصينا استخباراتيا لعمقها الداخلي، مما جعلها تدفع الثمن غضبا انتقاميا،  أصاب أمنها القومي ودماء مواطنيها في تفجيرات بوينس آيرس الدامية (1992 و1994).

وبعد صدمة الأرجنتين، وحرمانها من معداتها الدقيقة (الخاصة بالوقود والتحويل)، وضعت إيران «خطة طوارئ»، أنقذت بها برنامجها النووي، فقررت القفز مباشرة إلى أخطر مراحل البرنامج، ألا وهو التخصيب عبر أجهزة الطرد المركزي، ولجأت إلى السوق السوداء الدولية، لذلك، فانسحاب الأرجنتين لم يقتل البرنامج النووي الإيراني، بل حوله من «برنامج غربي المنشأ» إلى «برنامج هجين»، أخذ أسرار التخصيب سرا من شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان، وأخذ البنية التحتية والشرعية الدولية علنا من روسيا والصين.

عبد القدير خان، ونووي إيران: بدأت إيران تبني برنامج تخصيب اليورانيوم السري عبر السوق السوداء، ولم تتعامل إيران مع حكومات أوروبية، بل أسست شبكات تهريب معقدة جندت فيها رجال أعمال ومنظمات تجارية، وفي عام 1987، بدأت إيران في التعاون السري مع شبكة العالم الباكستاني «عبد القدير خان».

واستمرت اللقاءات والصفقات بشكل مكثف حتى عام 1994، وزودت هذه الشبكة إيران بالتصاميم الهندسية والمكونات الأساسية لأجهزة الطرد المركزي الباكستانية من طراز P-1، ولاحقا الطراز الأكثر تطورا P-2، والتي سمتها إيران لاحقا IR-1، وIR-2، كما تسلمت إيران وثائق فنية ومخططات سرية تشرح كيفية صب وتشكيل معدن اليورانيوم لتصنيع «نصفي الكرة» Hemispheres، المكونة من اليورانيوم عالي التخصيب، والتي تشكل «قلب» القنبلة النووية، وهي خطوة تكنولوجية مخصصة حصريا لإنتاج الرؤوس الحربية النووية. 

هذا التعاون كان له قيمة استراتيجية لإيران «لا تقدر بمال»، فقد اشترت إيران بهذه المغامرة «الزمن والمعرفة الفنية الجاهزة» (Know-How)، واختصرت الشراكة على إيران ما لا يقل عن 15 إلى 20 عاما من الأبحاث والتجارب الذاتية الفاشلة، لقد منحتها الشبكة مفتاح الدخول إلى تكنولوجيا التخصيب بأجهزة الطرد المركزي، التي بنتها بالكامل في منشأة "نطنز".

رأيي الشخصي: رأيي هذا أقوله تحت شرطين «أن جميع الدول النووية بدأت برنامجها النووي العسكري في العلن (لكن المعروف أن جميع الدول النووية بدأت برامجها النووي العسكري وطورته تحت غطاء سري صارم)، ثانيا، أن جميع الدول النووية تطبق القانون الدولي بحذافيره سواء علي نفسها أو علي الدول الأخرى". 

وتحت هذين الشرطين أقول، لم تكن المغامرة التي تمت بين إيران وشبكة عبد القدير خان اتفاقية «معاهدة بين دولتين»، بل كانت صفقة تجارية غير قانونية بين دولة (إيران) وشبكة تهريب دولية تعمل في السوق السوداء. كانت المغامرة عالية القيمة ومثمرة جداً من الناحية التكنولوجية والعسكرية لإيران - حيث نقلت إليها تصاميم أجهزة الطرد المركزي من طرازيP-1 وP-2، لتبدأ منها ثورتها في التخصيب - لكنها كانت ساقطة تماما من الناحية القانونية والشرعية الدولية.

إن اشتمال الصفقة على وثائق سرية حاسمة (وثيقة الـ15 صفحة)، تتعلق بكيفية صب وتشكيل اليورانيوم المعدني على شكل «نصف كرات» لتركيبها كـرؤوس حربية صلبة، نسف أي ادعاء إيراني بـ«الشرعية السلمية» للبرنامج، وبهذا التفصيل، تحول الملف من تعاون تكنولوجي إلى ملف تهديد للأمن والسلم الدوليين، مما شرعن نقله إلى مجلس الأمن الدولي وتحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لاحقاً.

ووقعت إيران وصادقت على معاهدة عدم الانتشار (NPT) منذ عام 1970، كدولة غير نووية. وبموجب هذه المعاهدة واتفاق الضمانات الشاملة، يحظر عليها قانونا الحصول على أي تكنولوجيا أو معدات نووية سرا ودون إخطار مسبق وموثق للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). إن إخفاء هذه الأنشطة والصفقات المشبوهة لقرابة عقد ونصف (منذ اللقاء الأول في دبي عام 1987 وحتى انكشاف البرنامج علنا عام 2002)، جعل البرنامج بأكمله فاقدا للشرعية الدولية، وحوله في نظر القانون الدولي من حق علمي سيادي إلى خرق أمني معاقب عليه.

بينما وفرت شبكة العالم الباكستاني «عبد القدير خان»، التكنولوجيا السرية للتخصيب، استغلت الصين وروسيا الفراغ لتقديم الدعم «الرسمي والشرعي» في المنشآت الكبرى، محققتين مكاسب مالية وجيوسياسية هائلة.

في عام 1995، استغلت روسيا الصدمة الإيرانية ووقعت عقدا بمليار دولار لإكمال بناء مفاعل بوشهر لإنتاج الكهرباء. وعوضت روسيا إيران عن «تكنولوجيا تصنيع الوقود» الأرجنتينية، بأن أصبحت هي المورد الحصري لقضبان الوقود النووي لمفاعل بوشهر الروسي VVER-1000، مع شرط صارم وهو إعادة الوقود المستنفد إلى روسيا لمنع إيران من استخراج البلوتونيوم لصنع سلاح نووي. أما الصين فقد أكملت تحديدا ما عجزت الأرجنتين عن شحنه.

الصين ونووي إيران: نستطيع أن نقول، أن الصين كانت هي الشريك الأكثر جراءة في تقديم الدعم النووي التكنولوجي السري بعيدا عن أضواء الرقابة الدولية. وكانت الصين شريكا أساسيا ومباشرا في بناء البنية التحتية النووية الإيرانية، قبل فرض الرقابة الصارمة.

لم يكن الاتفاق الأساسي بين الصين وإيران سريا بالكامل في بدايته، بل بدأ كتعاون تجاري رسمي بين حكومات، لكنه تحول إلى السرية والتكتم الشديد في مراحل التسليم والتنفيذ لتفادي الضغوط الأمريكية والغربية.

وفي عام 1991، وقعت الصين وإيران اتفاقية لتوريد مفاعل أبحاث صغير جدا(قدرته الحرارية حوالي 30 كيلووات) يعمل بالماء الخفيف، ويستخدم لأغراض علمية بحتة مثل التحليل بالتنشيط النيوتروني، وتدريب طلاب الهندسة والفيزياء النووية. وتم بناء المفاعل وتشغيله في مركز التكنولوجيا النووية في أصفهان عام 1994.هذا المفاعل الصغير، كان بوابة التعاون العلنية والقانونية التي استخدمتها إيران والصين لتبرير وجود خبراء صينيين بكثافة في أصفهان خلال التسعينيات. وتحت غطاء هذا المفاعل السلمي والمعلن عنه، جرى في السر نقل كثير من التكنولوجيا النووية. 

كما وقعت إيران عقدا رسميا مع الصين في يناير 1991، لشراء منشأة تحويل يورانيوم صناعية متكاملة. هذه المنشأة تقوم بتحويل "الكعكة الصفراء" عبر عمليات كيميائية معقدة إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم (UF6). هذا الغاز هو الذي يتم ضخه في أجهزة الطرد المركزي لرفع نسب تخصيب اليورانيوم، في منشآت "نطنز وفوردو". بموجب هذا الاتفاق، بدأت الصين في تسليم وثائق التصميم الأولية، وتقارير اختبار المعدات، والخرائط الهندسية للمنشأة. 

ومطلع عام 1996، نجحت الضغوط الأمريكية المكثفة في إجبار الصين على الانسحاب رسميا من العقد. وقبل انسحاب الصين النهائي، قامت بتسليم الإيرانيين "كتيبات التصاميم التفصيلية والمخططات الزرقاء" (Blueprints) للمنشأة. بدأت إيران في بناء المنشأة عام 1999 في أصفهان، وبدأ تشغيل المنشأة في عام 2005. بدون هذا الأساس الصيني، لم تكن إيران لتمتلك دورة وقود نووي مستقلة، فهو العصب الحقيقي لبرنامج التخصيب الإيراني.

كما قامت شركات صينية في توريد الفولاذ الماريدجي (Maraging Steel) لإيران، وهو المادة المستخدمة في صناعة الدوارات (Rotors) والمنافيخ (Bellows)  داخل أجهزة الطرد المركزي القديمة من طراز IR-1 وIR-2m. وكذلك قامت شركات صينية في توريد ألياف الكربون عالي المتانة لإيران، وهو ضروري لتصنيع دوارات(Rotors)  أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، من طراز IR-4، إلي طراز IR-9. وكشفت تقارير استخباراتية أن الصين قدمت معدات وتكنولوجيا لفصل النظائر بالليزر سرا لإيران. 

وفي عام 1992، تم توقيع اتفاقية تعاون علنية وشاملة، قامت الصين بموجبها بتوريد مفاعلات نووية بحثية صغيرة إلى إيران، بخلاف المفاعل البحثي الصغير. منها مفاعل بحثي صفري القدرة (HWZPR)، وهو مفاعل أبحاث يعمل بالماء الثقيل، وقدرته حراريا تكاد تكون صفرا. ومفاعل الحزمة الحرجة للماء الخفيف (LWCR)، وهو عبارة عن مفاعل لاختبار الترتيب الهندسي لقضبان الوقود والتحقق من حسابات الحروجية النووية، باستخدام الماء الخفيف كمهدئ ومبرد. المفاعلات الثلاث أصبحت تشكل في أصفهان منشآت بحثية متكاملة، هذا الثلاثي البحثي الصيني مثل "المختبر القومي الشامل" الذي تدربت فيه أجيال علمية إيرانية كاملة، ومن خلاله امتلكت إيران أسرار فيزياء المفاعلات سواء للماء الخفيف أو للماء الثقيل.

رأيي الشخصي: الصين تتحرك في ملف الدعم النووي لإيران وفق حسابات دقيقة وتوازنات استراتيجية صارمة، محكومة بحدود قاسية تمنعها من تقديم "صك على بياض" لطهران. فرغم جرأتها التاريخية في تزويد إيران بالبنية التحتية الأساسية لتحويل وتخصيب اليورانيوم في العقود الماضية، إلا أن العقيدة الحالية لبكين تقوم على الحفاظ على أسواقها المفتوحة في أمريكا والاتحاد الأوروبي، وحماية مصارفها الكبرى من مقصلة العقوبات الغربية الثانوية.

وتنظر الصين إلى إيران كـ«أداة استنزاف جيوسياسي» لإشغال أمريكا بعيدا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فهي تريد إيران «قوية على العتبة النووية»، بما يكفي لردع الضغوط الأمريكية، ولكن ليس لدرجة امتلاك سلاح نووي كامل، يجعلها لاعبا مستقلا تماما، ويشعل سباق تسلح إقليمي يهدد استقرار الخليج العربي، وهو الشريان الحيوي لأمن الطاقة الصيني.

وعلاوة على ذلك، يسعى التنين الصيني لترسيخ هيبته كـ«قائد مسؤول لنظام متعدد الأقطاب ووسيط سلام موثوق»، كما تجسد في رعايتها للاتفاق السعودي الإيراني، وهو ما يتطلب التزاما علنيا صارما بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية  (NPT)، والابتعاد عن أي خطوة سرية قد تنسف هذه الصورة الدولية الناشئة.

كوريا الشمالية ونووي إيران: التعاون السري بين إيران وكوريا الشمالية، هو تعاون من نوع خاص، خاصة وأن الدولتين مغضوب عليهما من أمريكا، والدولتان واقعتان تحت مظلة "العقوبات الدولية الشاملة". التعاون بدأ بشكل فعلي عام 1998، وازداد عمقا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2003. وخلال هذه الفترة، جرت عمليات نقل برمجيات الحاسب الآلي والنماذج الرياضية الخاصة بمحاكاة موجات الصدمة الانفجارية.

ملحوظة: صناعة القنبلة النووية من نوع "الانضغاط الداخلي" (Implosion-type)، تتطلب دقة متناهية لا تحتمل الخطأ ولو بجزء من المليون من الثانية. لذلك يجب أن تنفجر "العدسات المتفجرة التقليدية" المحيطة بكرة اليورانيوم بتزامن مطلق ومثالي، لتوليد موجة صدمية متناظرة تماما، تضغط المادة الانشطارية حتى تصل إلى "الحروجية الفائقة". وقبل إجراء أي تجربة نووية، لابد من محاكاة تدفق هذه الموجات الصدمية(Hydrodynamic Simulations)، ويتم ذلك من برمجيات حاسوبية متطورة للغاية. 

وفي عام 2003 أعلنت إيران، تجميد "مشروع آماد" السري لبرنامجها النووي العسكري، وتحول التعاون إلى زيارات ميدانية سرية، منها حضور خبراء إيرانيين للتجارب النووية الحية التي أجرتها كوريا الشمالية تحت الأرض (بدءا من تجربتها الأولى عام 2006 والتجارب اللاحقة)، وذلك بغرض الحصول على البيانات الحسابية الرياضية الناتجة عن التفجيرات الحقيقية، ومقارنة تلك القراءات العملية بالحسابات الرياضية والنماذج النظرية التي كانت تجرى في مراكز الأبحاث في إيران، للتأكد من مطابقتها للواقع الفيزيائي. هذا الدعم البرمجي وفر على إيران سنوات من التجارب والخطأ، وقدم لها "معادلات جاهزة" لآلية انضغاط الكتلة الحرجة.

ملحوظة: كوريا الشمالية قامت بـ6 تجارب نووية حية، واكتسبت بيانات هندسية وفيزيائية عملية هائلة، قامت بتمرير الشفرات البرمجية والبيانات الرياضية المستخلصة من تجاربها وتحليلها إلى العلماء الإيرانيين. 

رأيي الشخصي: رغم وجود كوريا الشمالية وإيران في خندق واحد، وهو خندق العداء لأمريكا ومواجهة العقوبات، إلا أن هذا التحالف التاريخي يبقى محكوما بـ "براجماتية شديدة وعقلية التاجر الاستراتيجي" من جانب كوريا الشمالية، فهي لا تقدم لإيران "صكا على بياض" قد يرتد سلبا على أمنها أو يكسر احتكارها لأوراق الردع النووي التي تمثل شرعية النظام القصوى.

وتتحرك كوريا الشمالية في هذا الملف تحت "سقف فيتو قاسي" تفرضه الصين وروسيا، فكوريا الشمالية التي تعتمد على المظلة الاقتصادية والسياسية للصين وروسيا، تدرك جيدا أن الإقدام على نقل تكنولوجيا نووية كاملة وحساسة إلى عتبة الشرق الأوسط، سيفجر غضب حليفيها الكبيرين اللذين يرفضان عسكرة المنطقة الشاملة. بناء عليه، تلتزم المقايضة الكورية بمعادلة "التكنولوجيا المجزأة مقابل المال والوقود"، حيث تمرر لإيران حسابات برمجية أو قطعا صاروخية منفصلة تحقق لها عائدا ماليا، دون أن تمنحها المفتاح النهائي للسلاح، حفاظا على توازناتها المعقدة مع القوى العظمي.

روسيا ونووي إيران: ركزت روسيا على لعب دور "الشريك الرسمي الحذر"، لكن هذا لم يمنع وجود قنوات ومسارات سرية، لتلبية احتياجات إيران من الخبرات والتكنولوجيا النووية. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، فتحت إيران قنوات سرية لاستقطاب كفاءات نووية روسية رفيعة المستوى، استقرت في إيران للعمل بعقود مجزية، وهؤلاء هم من تولوا إعادة هندسة وبناء "محطة بوشهر" لإنتاج الكهرباء، وتعديل التصاميم الألمانية لتصبح روسية بالكامل، فضلا عن نقل خبرات معقدة في مجال التكنولوجيا النووية. تشير أحدث التقارير الاستخباراتية المتوفرة إلى أن العلماء الروس قدموا مؤخرا لإيران خلاصة تجاربهم في تطوير أنظمة التفجير الهيدروديناميكي عالية الدقة (صواعق الجسور المتفجرة) اللازمة لضغط كتلة يورانيوم قلب القنبلة النووية لإحداث الانفجار النووي. هذا الدعم الفني ساعد إيران على تجاوز معضلة هندسة التفجير المتزامن، وهي الخطوة الأخيرة التي تسبق تجميع الرأس النووي وصناعته.

كما تطورت المسارات السرية بشكل لافت، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وحاجة روسيا لمعدات عسكرية من إيران. ومن خلال التعاون في الأبحاث الأكاديمية، استطاع خبراء روس تزويد إيران بمعلومات حساسة في فيزياء الكم، والحسابات الرياضية للمفاعلات، والتي يمكن استخدامها في النووي السلمي والنووي العسكري.

ملحوظة: صواعق الجسور المتفجرة، هي نوع شديد الدقة من الصواعق الكهربائية، وتعد من المكونات التكنولوجية الأكثر حساسية وخطورة لربطها المباشر بآلية تفجير القنابل النووية. تعتمد على تمرير تيار كهربائي بجهد عالي جدا وسريع للغاية (في غضون ميكروثانية) عبر سلك رفيع جدا من الذهب أو البلاتين. السلك لا يذوب فقط، بل يتسامى (ينفجر) نتيجة شدة الطاقة، مولدا موجة صدمة ميكانيكية وحرارة هائلة تفجر المادة المتفجرة الرئيسية المحيطة به.

رأيي الشخصي: تتحرك روسيا في الملف النووي الإيراني تحت سقف جيوسياسي صارم، فباعتبارها دولة موقعة ومؤسسة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، تلتزم علناً بمنع ظهور قوى نووية جديدة، خاصة على حدودها الجنوبية والمجال الحيوي للقوقاز وآسيا الوسطى. وبناء على هذه العقيدة، صممت روسيا تعاونها في مفاعلات بوشهر ليكون نموذجا لـ "الاعتمادية المقيدة"، مشترطة توريد الوقود واستعادة "الوقود المستنفذ" لمنع طهران من استخلاص بلوتونيوم الدرجة العسكرية لصناعة قنابل نووية، وحارمة إياها من امتلاك تكنولوجيا عسكرية مستقلة.

ومع ذلك، فإن هذا الالتزام العلني لا يمنع روسيا من إدارة "مسارات خلفية رمادية" توظف فيها الملف النووي الإيراني كـ "كارت مساومة" دائم مع الغرب. وقد تعمق هذا البعد ليتحول إلى "مقايضة استراتيجية متبادلة" عقب حرب أوكرانيا، حيث استغلت طهران حاجة روسيا الماسة للمسيرات والصواريخ الباليستية لترفع ثمن دعمها، محولة المكافأة الروسية من مجرد غطاء دبلوماسي، إلى تدفق تكنولوجي ودفاعي (مثل، منظومات الدفاع الجوي والمقاتلات المتقدمة) يستهدف تحصين القدرات الرادعة والمنشآت الإيرانية ضد أي استهداف خارجي.

الختام: أود أن أوضح ، أنه يحق للدول الموقعة والمصدقة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية NPT، أن تمتلك منشآت لتخصيب اليورانيوم للاستخدامات السلمية، بموجب المادة الرابعة (البند 4) من الاتفاقية. لكن يجب أن تخضع هذه المنشآت لرقابة صارمة، من كاميرات مراقبة، وتفتيش مستمر من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية(IAEA) .

Short Url

search