الجمعة، 18 سبتمبر 2026

02:58 م

د. علي الدكروري يكتب: نجاح البرنامج الاقتصادي الجديد يقاس بقدرته على تحويل الاستقرار إلى إنتاج واستثمار

الجمعة، 18 سبتمبر 2026 01:37 م

د. علي الدكروري

د. علي الدكروري

أرى أن إعداد برنامج اقتصادي وطني للمرحلة التالية لانتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد يمثل خطوة مهمة، لأن الاقتصاد المصري وصل إلى مرحلة تحتاج إلى البناء على ما تحقق من استقرار، والانتقال بصورة أكبر نحو اقتصاد يقوده الإنتاج والاستثمار والتصدير والقطاع الخاص. ومن المهم أن الحكومة أكدت أن البرنامج الجديد سيكون برنامجًا وطنيًا، وأنه سيُطرح للحوار مع الخبراء والمتخصصين قبل إعلانه النهائي، مع وضع أهداف قابلة للقياس والمتابعة. وهذا في رأيي اتجاه إيجابي، لأن نجاح أي برنامج اقتصادي يرتبط بوضوح أهدافه وقدرة المواطن والمستثمر على متابعة نتائجه.

وفي تقديري، يجب أن يكون الإنتاج في قلب البرنامج الاقتصادي الجديد، لأن الصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير هي التي تصنع نموًا مستدامًا، وتوفر فرص العمل، وتزيد موارد الدولة من النقد الأجنبي. ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على إنشاء مصانع جديدة فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى بناء سلاسل إنتاج متكاملة، بحيث يرتبط المصنع الكبير بعشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تصنع مكوناته واحتياجاته داخل مصر. وكلما ارتفعت نسبة ما يتم تصنيعه محليًا، انخفضت فاتورة الاستيراد، وازدادت قدرة المنتج المصري على المنافسة والتصدير.

وفي الوقت نفسه، فإن المستثمر يحتاج إلى الوقت بقدر حاجته إلى الحافز. فمن واقع الاستثمار وإدارة الأعمال، لا يقارن المستثمر بين الدول على أساس الضرائب وسعر الأرض فقط، وإنما يسأل أيضًا: كم يستغرق الوقت من اتخاذ قرار الاستثمار إلى بدء التشغيل؟ ولذلك يجب أن يستمر العمل على تبسيط التراخيص، وتوحيد الإجراءات، وربط الجهات إلكترونيًا، وتسريع تخصيص الأراضي وتوصيل المرافق والإفراج الجمركي. فكل يوم يتم اختصاره قبل بدء الإنتاج يمثل حافزًا استثماريًا حقيقيًا، حتى إذا لم يظهر في صورة إعفاء ضريبي.

كما أن الاستثمار المحلي يجب أن يحظى بأولوية واضحة بالتوازي مع جذب الاستثمار الأجنبي. فجذب الاستثمار الأجنبي مهم جدًا، لكن المستثمر الدولي يراقب أولًا ثقة المستثمر المحلي في اقتصاده. ولذلك يجب أن يحصل رجل الأعمال المصري على البيئة نفسها التي نريد تقديمها للمستثمر القادم من الخارج، من حيث وضوح القواعد وسرعة الإجراءات وإمكانية الحصول على التمويل والتوسع. فالقطاع الخاص المحلي القوي هو أفضل شريك لرأس المال الأجنبي، وأفضل إعلان عملي عن جاذبية بيئة الاستثمار المصرية.

ومن الملفات المهمة في المرحلة المقبلة أيضًا إدارة الدين العام بما يخدم النمو، من خلال الاستمرار في تحسين إدارة الدين وخفض تكلفة خدمته تدريجيًا، مع إطالة آجال الاستحقاق وتنويع مصادر التمويل. لكن الأهم في رأيي هو أن ننظر إلى التمويل من زاوية العائد الذي يخلقه؛ فالدين الذي يمول أصلًا إنتاجيًا أو بنية أساسية تساعد على زيادة الصناعة والصادرات يختلف اقتصاديًا عن الإنفاق الذي لا يخلق تدفقات مستقبلية. ولهذا يجب أن يظل الهدف هو توفير مساحة أكبر في الموازنة للتعليم والصحة والاستثمار والتنمية، مع الحفاظ على الانضباط المالي.

ولا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد جديد دون أن يكون الإنسان والمهارات جزءًا أساسيًا من البرنامج. فالمستثمر يستطيع استيراد آلة خلال أسابيع، لكنه يحتاج سنوات لبناء الفني والمهندس والمدير القادر على تشغيلها وتطويرها. ولذلك فإن ربط التعليم الفني والجامعات والتدريب باحتياجات الصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يجب أن يكون جزءًا مباشرًا من السياسة الاقتصادية، وليس ملفًا منفصلًا عنها.

وفي المقابل، تظل الحماية الاجتماعية ضرورة موازية للإصلاح الاقتصادي، لأن الإصلاح يحقق أفضل نتائجه عندما يشعر المواطن بثماره. ولهذا من المهم أن يسير رفع كفاءة الاقتصاد وزيادة الإنتاج والاستثمار بالتوازي مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا وتحسين الخدمات الأساسية. وقد أكدت الحكومة بالفعل استمرار التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية في المرحلة الحالية.

وفي تقديري، فإن المعيار الحقيقي لنجاح البرنامج الوطني الجديد يجب ألا يكون فقط تحسن المؤشرات المالية والنقدية، وإنما أن نرى مصانع أكثر، وصادرات أكبر، وشركات مصرية تتوسع، وفرص عمل أفضل، ودخلًا حقيقيًا يتحسن للمواطن.

فالمرحلة السابقة كانت ضرورية لتحقيق الاستقرار، أما المرحلة المقبلة فيجب أن يكون عنوانها:

تحويل الاستقرار إلى نمو، والنمو إلى إنتاج، والإنتاج إلى تحسن حقيقي ومستدام في حياة المواطن.

Short Url

search