الأربعاء، 29 يوليو 2026

01:36 م

الدكتور علي الدكروري يكتب: من الحقل إلى العالم.. الصناعات الغذائية قاطرة جديدة للصادرات المصرية

الأربعاء، 29 يوليو 2026 11:01 ص

الدكتور علي الدكروري

الدكتور علي الدكروري

الدكتور علي الدكروري

في الاقتصاد الحديث، لا تُقاس قوة الدولة فقط بما تنتجه من موارد، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى منتجات تحمل قيمة مضافة، وتصل إلى أسواق العالم، وتوفر فرص العمل، وتدعم موارد البلاد من النقد الأجنبي.

ومن هذا المنطلق، تحمل النتائج الأخيرة لصادرات الصناعات الغذائية المصرية رسالة تتجاوز مجرد تسجيل أرقام قياسية؛ فقد بلغت قيمة صادرات القطاع خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 3.771 مليار دولار، محققة نموًا بنسبة 10.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ومسجلة أعلى قيمة نصف سنوية في تاريخ القطاع.

هذا الأداء يؤكد أن الصناعات الغذائية لم تعد قطاعًا تقليديًا يعتمد فقط على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل أصبحت واحدة من أهم الصناعات القادرة على دعم الصادرات المصرية وتعزيز حضور المنتج الوطني في الأسواق العالمية.

خلال عام 2025، تجاوزت صادرات الصناعات الغذائية المصرية 6.8 مليار دولار، ومثلت نحو 14% من إجمالي الصادرات غير البترولية، لتحتل المرتبة الثالثة بين القطاعات التصديرية الرئيسية في مصر.

لكن أهمية هذه النتائج لا تكمن فقط في حجم الصادرات، وإنما في طبيعة الصناعة نفسها؛ فهي تربط بين الزراعة والتصنيع والنقل والتخزين والتعبئة والتغليف والتسويق والخدمات اللوجستية. ولذلك، فإن كل زيادة في صادرات هذا القطاع تتحول إلى حركة اقتصادية تمتد من المزارع إلى المصنع، ومن المصنع إلى الميناء، وتفتح فرصًا أمام آلاف الشركات والموردين والعمال.

كما تكشف الأرقام عن تنوع جغرافي مهم؛ إذ سجلت واردات 108 دول من المنتجات الغذائية المصرية نموًا خلال النصف الأول من العام. وظلت الدول العربية الوجهة الأولى للصادرات بقيمة تقارب 1.74 مليار دولار، بينما جاءت دول الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية بقيمة 852 مليون دولار، وبمعدل نمو بلغ 15.4%.

وهذا التنوع يمنح الصادرات المصرية قدرًا أكبر من الاستقرار، ويقلل من مخاطر الاعتماد على سوق واحدة، كما يؤكد أن المنتج الغذائي المصري أصبح قادرًا على المنافسة داخل أسواق تختلف في أذواق المستهلكين واشتراطات الجودة والمواصفات.

ومن اللافت كذلك أن قائمة المنتجات المصدرة لا تقتصر على السلع الزراعية الخام، بل تضم منتجات مصنعة ذات قيمة أعلى، مثل الفراولة المجمدة، ومركزات المشروبات، والزيوت الصالحة للأكل، ومنتجات الحبوب والمخبوزات، والشوكولاتة، والخضراوات المجمدة، والصلصات، ومنتجات الألبان وغيرها. وقد تصدرت الفراولة المجمدة صادرات القطاع في النصف الأول من 2026 بقيمة بلغت نحو 489 مليون دولار.

وهنا تظهر أهمية الانتقال من مفهوم تصدير المحصول إلى مفهوم تصدير المنتج، فالدولة التي تصدر المحصول الخام تحصل على جزء محدود من قيمته، بينما تحصل الدولة التي تقوم بالتصنيع والتجميد والتعبئة وإدارة العلامة التجارية والتوزيع على النسبة الأكبر من القيمة الاقتصادية.

لذلك، فإن مستقبل الصادرات الغذائية المصرية يجب أن يقوم على تعميق التصنيع المحلي، وتوسيع حلقات القيمة المضافة، وتشجيع الشركات على تطوير منتجات نهائية تحمل علامات تجارية مصرية قادرة على المنافسة والاستمرار داخل الأسواق الخارجية.

أدت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة دورًا هامًا في تطوير البنية الأساسية، وشبكات الطرق والموانئ، والمناطق اللوجستية، ومشروعات الاستصلاح الزراعي، إلى جانب العمل على تحسين منظومة سلامة الغذاء وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

كما تمتلك مصر عددًا من المزايا التي تؤهلها للتوسع في هذا القطاع، من بينها الموقع الجغرافي القريب من الأسواق العربية والأوروبية والأفريقية، وتنوع الإنتاج الزراعي، وتوافر قاعدة صناعية وعمالة مدربة، إلى جانب شبكة من الاتفاقيات التجارية التي تسهل وصول المنتجات المصرية إلى أسواق واسعة. ويشير مجلس تصدير الصناعات الغذائية إلى وصول المنتجات المصرية إلى أكثر من 179 سوقًا عالميًا.

لكن الحفاظ على هذا النجاح يحتاج إلى رؤية أكثر طموحًا، فالمنافسة العالمية في قطاع الغذاء لا تقوم على السعر وحده، بل على الجودة والاستمرارية والقدرة على الالتزام بمواعيد التسليم، ووضوح بيانات المنتج، والتعبئة الجيدة، وسلامة سلاسل التوريد، والقدرة على فهم احتياجات كل سوق.

كما ينبغي زيادة الاستثمار في سلاسل التبريد ومراكز التعبئة والتخزين بالقرب من مناطق الإنتاج، وربط صغار المزارعين بالمصانع والمصدرين، وتوفير الدعم الفني الذي يساعدهم على الالتزام بالمواصفات المطلوبة في الأسواق الدولية.

وتحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الصناعات الغذائية إلى مساندة أكبر؛ لأنها تمتلك القدرة على الابتكار وتقديم منتجات متخصصة، لكنها تواجه أحيانًا تحديات في التمويل والتسويق الخارجي والحصول على الشهادات الدولية والمشاركة في المعارض.

ومن هنا، يمكن إنشاء برامج تصديرية متكاملة تساعد هذه الشركات على دراسة الأسواق، وتطوير العبوات، والالتزام بالمواصفات، والوصول إلى المستوردين وشبكات التجزئة العالمية.

كما يجب ألا تكتفي مصر بتصدير المنتجات إلى الأسواق التقليدية، بل ينبغي توسيع الحضور داخل القارة الأفريقية، التي تمثل واحدة من أكبر فرص النمو أمام الصناعات الغذائية المصرية.

فالكثير من الأسواق الأفريقية تشهد نموًا سكانيًا متسارعًا وارتفاعًا في الطلب على الأغذية المصنعة، وهو ما يمنح الشركات المصرية فرصة لتأسيس مراكز توزيع ومخازن ومصانع مشتركة داخل القارة، وليس فقط تصدير المنتجات إليها من بعيد.

إن النتائج الحالية تجعل الوصول بصادرات الصناعات الغذائية المصرية إلى مستويات تتجاوز 10 مليارات دولار سنويًا هدفًا ممكنًا خلال السنوات المقبلة، بشرط استمرار النمو، وزيادة الاستثمارات الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز القيمة المضافة، وتحويل التصدير إلى سياسة مؤسسية مستدامة، وليس مجرد استجابة مؤقتة لفرص السوق.

فمصر تمتلك الأرض والخبرة والموقع والقاعدة الصناعية، وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو المزيد من التكامل بين المزارع والمصنع والمصدر، وبين الدولة والقطاع الخاص، حتى يتحول النجاح الحالي إلى صناعة تصديرية كبرى.

الرقم القياسي الذي حققته صادرات الصناعات الغذائية المصرية ليس مجرد خبر اقتصادي إيجابي، بل دليل على قدرة مصر على تحويل مواردها الزراعية إلى صناعة تنتج وتصدر وتخلق فرص العمل.

والفرصة الحقيقية لا تكمن في زيادة الكميات فقط، بل في زيادة القيمة التي يحملها كل منتج مصري يصل إلى الخارج، من خلال التصنيع والجودة والتعبئة والعلامة التجارية، فالمستقبل ليس للدول التي تصدر ما تزرعه فقط، بل للدول التي تصنعه، وتطوره، وتضع عليه اسمها، ثم تنقله من الحقل إلى أسواق العالم.

Short Url

search