الأحد، 07 يونيو 2026

05:04 م

د. علي الدكروري يكتب: الأخلاق التي لا تتغير

الأحد، 07 يونيو 2026 03:18 م

الدكتور على الدكروري

الدكتور على الدكروري

في حياتنا اليومية نقابل الكثير من الأشخاص، ونكوّن صداقات وعلاقات وشراكات مهنية واجتماعية متنوعة. وخلال هذه الرحلة قد نختلف مع بعضهم في الرأي أو المصالح أو طريقة التفكير، وهو أمر طبيعي يحدث بين البشر جميعًا.

لكن ما تعلمته عبر سنوات طويلة من العمل والحياة والتعامل مع مختلف الثقافات والجنسيات والبيئات، أن الإنسان لا يُعرف حقًا في أوقات الاتفاق، بل يُعرف في أوقات الاختلاف.

فليس من الصعب أن يكون الإنسان لطيفًا عندما تسير الأمور كما يريد، أو عندما تكون المصالح مشتركة، أو عندما يكون الجميع متفقين معه. فهذه الظروف تجعل التعامل الإيجابي أمرًا سهلًا ومتوقعًا.

أما الاختبار الحقيقي للأخلاق فيبدأ عندما تختلف الآراء، أو تتعارض المصالح، أو تنتهي المنفعة المتبادلة.

هنا فقط يظهر المعدن الحقيقي للإنسان.

هناك أشخاص قد يختلفون معك بشدة، لكنهم يحافظون على احترامهم، ويتعاملون بأدب، ويعبرون عن آرائهم دون إساءة أو تجريح. هؤلاء يمتلكون أخلاقًا ثابتة لا تتغير بتغير الظروف.

وفي المقابل، هناك من تتغير لغتهم وسلوكياتهم ومواقفهم بمجرد أن تتغير الظروف أو تنتهي المصلحة، وكأن الاحترام كان مرتبطًا بالمنفعة لا بالقيم.

ولعل من أهم الصفات التي يحتاجها مجتمعنا اليوم هي القدرة على الاختلاف باحترام.

فالاختلاف ليس مشكلة في حد ذاته، بل هو ظاهرة صحية تدل على تنوع الأفكار والخبرات والرؤى. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة، وتتحول الخصومة إلى إساءة، وتتحول الإساءة إلى هدم للعلاقات والقيم.

لقد رأينا عبر التاريخ، وفي عالم الأعمال والسياسة والمجتمع، نماذج كثيرة لأشخاص اختلفوا في المواقف والاتجاهات، لكنهم احتفظوا باحترامهم المتبادل، فبقيت لهم مكانتهم، وبقيت علاقاتهم الإنسانية أقوى من أي خلاف مؤقت.

فالإنسان الراقي لا يحتاج إلى صداقة كي يكون محترمًا، ولا إلى مصلحة كي يكون مهذبًا، ولا إلى اتفاق كي يحافظ على أخلاقه.

لأن الأخلاق الحقيقية ليست سلوكًا مؤقتًا، بل هي مبدأ ثابت يرافق الإنسان في جميع الظروف.

وأعتقد أن أحد أهم معايير الحكم على الناس ليس كيف يتعاملون مع من يحبونهم أو يحتاجون إليهم، بل كيف يتعاملون مع من يختلفون معهم.

ففي لحظات الغضب تظهر الحكمة، وفي لحظات الخلاف تظهر الأخلاق، وفي لحظات التحدي يظهر المعدن الحقيقي.

ولهذا أقول دائمًا إن الاحترام الحقيقي لا يظهر وقت الاتفاق، بل يظهر وقت الخلاف.

ومن استطاع أن يحافظ على أخلاقه في أصعب المواقف، فقد امتلك قيمة لا تقدر بثمن، لأن القيم الحقيقية لا تتغير بتغير الأشخاص أو الظروف.

ويبقى الإنسان في النهاية بما تركه من أثر طيب، وما قدمه من احترام للآخرين، وما حافظ عليه من مبادئ عندما كانت الظروف تدعوه للتخلي عنها.

فالأخلاق التي لا تتغير هي أعظم استثمار يمكن أن يملكه الإنسان في حياته.

Short Url

search