الجمعة، 27 فبراير 2026

06:23 م

اقتصاد الحروب، صناعة السلاح تسجل أعلى مستوى في تاريخها بـ 679 مليار دولار

الجمعة، 27 فبراير 2026 03:04 م

سباق التسلح العالمي

سباق التسلح العالمي

يشير التقرير الجديد الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن صناعة السلاح العالمية دخلت مرحلة توسع غير مسبوقة، بعدما ارتفعت إيرادات أكبر 100 شركة منتجة للأسلحة والخدمات العسكرية بنسبة 5.9% في عام 2024 لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 679 مليار دولار. 

هذه القفزة لا تعكس مجرد نمو دوري في قطاع دفاعي تقليدي، بل تكشف عن تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي تقوده الجغرافيا السياسية، وتسارع سباق التسلح، وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي في ظل بيئة دولية مضطربة.

اقتصاد الحروب يدفع النمو

الزيادة القياسية في الإيرادات جاءت مدفوعة بطلب مكثف على الأسلحة نتيجة الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، وتصاعد التوترات الإقليمية في آسيا والشرق الأوسط، وللمرة الأولى منذ عام 2018، سجلت الشركات الخمس الكبرى عالمياً نمواً متزامناً في إيراداتها العسكرية، ما يشير إلى موجة طلب واسعة النطاق وليست محصورة في قطاع أو منطقة بعينها.

هذا النمو جاء بالتوازي مع توسعات إنتاجية واضحة، رفعت شركات طاقتها التشغيلية، وأقامت مصانع جديدة، واستحوذت على كيانات أصغر، في مؤشر على أن الطفرة ليست مؤقتة، بل تعكس توقعات باستمرار الطلب المرتفع لسنوات مقبلة.

الولايات المتحدة.. نمو قوي لكن التحديات مستمرة

حافظت الشركات الأمريكية على الصدارة، إذ بلغت إيراداتها العسكرية المجمعة 334 مليار دولار بزيادة 3.8%، ومن بين 39 شركة أمريكية مدرجة في التصنيف، سجلت 30 شركة نمواً في إيراداتها، من بينها عمالقة مثل Lockheed Martin وNorthrop Grumman وGeneral Dynamics.

غير أن الصورة ليست وردية بالكامل، فبرامج كبرى مثل المقاتلة “F-35”، وغواصات “كولومبيا”، وصاروخ “سينتينل” العابر للقارات، لا تزال تواجه تأخيرات وتجاوزات في التكاليف، ولا تؤثر هذه المشكلات فقط على جداول التسليم، بل تضغط أيضاً على الموازنة الأمريكية، وقد تعيد فتح النقاش حول كفاءة الإنفاق العسكري في واشنطن.

اقتصادياً، يعني ذلك أن قطاع الدفاع الأمريكي، رغم متانته، يواجه معضلة مزدوجة، طلب مرتفع من جهة، وضغوط تكاليف وسلاسل توريد من جهة أخرى، ما قد يقلص الهوامش الربحية أو يؤخر العوائد المستقبلية.

أوروبا.. إعادة تسلح واسعة ومخاطر في سلاسل الإمداد

شهدت أوروبا (باستثناء روسيا) نمواً لافتاً في إيرادات شركاتها الدفاعية، إذ ارتفعت بنسبة 13% لتصل إلى 151 مليار دولار، ومن بين 26 شركة أوروبية في القائمة، سجلت 23 شركة نموًا مدفوعًا بشكل أساسي بالطلب المرتبط بالحرب في أوكرانيا والشعور المتزايد بالتهديد الروسي.

اللافت أن شركة Czechoslovak Group التشيكية سجلت أكبر نسبة نمو في القائمة بزيادة بلغت 193%، مستفيدة من مبادرات حكومية لتوريد الذخائر لأوكرانيا، كما رفعت أوكرانيا نفسها إنتاجها الدفاعي عبر شركة الصناعات الدفاعية الأوكرانية.

لكن هذا التوسع يواجه تحدياً استراتيجياً يتمثل في الاعتماد على المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد العالمية، فشركات مثل Airbus وSafran كانت تعتمد جزئياً على واردات التيتانيوم من روسيا قبل 2022، ما اضطرها لإعادة هيكلة مصادر التوريد. 

كما حذرت شركات مثل Thales وRheinmetall من ارتفاع تكاليف إعادة بناء سلاسل التوريد في ظل قيود صينية على تصدير بعض المعادن، وبمعنى آخر، إعادة التسلح الأوروبية تجري بسرعة، لكن على أرضية إمدادات هشة قد ترفع التكاليف وتبطئ التنفيذ.

روسيا صامدة رغم العقوبات

رغم العقوبات الغربية وارتفاع تكلفة المكونات، ارتفعت إيرادات شركتي السلاح الروسيتين المدرجتين في القائمة بنسبة 23% لتصل إلى 31.2 مليار دولار، وعوض الطلب المحلي المرتفع تراجع الصادرات، وهذا ما يعكس قدرة الصناعة الدفاعية الروسية على التكيف في ظروف ضاغطة.

لكن التحدي الأكبر أمام موسكو قد لا يكون العقوبات، بل نقص العمالة الماهرة، وهو عامل قد يحد من الابتكار والإنتاج على المدى المتوسط.

آسيا وأوقيانوسيا.. تباين واضح

كانت آسيا وأوقيانوسيا المنطقة الوحيدة التي سجلت تراجعاً إجمالياً بنسبة 1.2% لتصل الإيرادات إلى 130 مليار دولار، نتيجة انخفاض إيرادات الشركات الصينية بنسبة 10%، ويعزى ذلك إلى قضايا فساد وتأجيل عقود تسليح أثرت في شركات كبرى مثل NORINCO.

في المقابل، حققت اليابان وكوريا الجنوبية نمواً قوياً، فالشركات اليابانية الخمس زادت إيراداتها بنسبة 40%، بينما ارتفعت إيرادات الشركات الكورية الجنوبية بنسبة 31%، مدفوعة بطلب أوروبي ومحلي قوي، ويعكس هذا التحول صعود شرق آسيا كمصدر متزايد للسلاح، خاصة في ظل رغبة الدول الأوروبية في تنويع مورديها.

الشرق الأوسط وحضور قياسي

للمرة الأولى، ضم التصنيف تسع شركات من الشرق الأوسط بإيرادات مجمعة بلغت 31 مليار دولار، بزيادة 14%، الشركات التابعة للاحتلال الثلاث المدرجة رفعت إيراداتها بنسبة 16%، رغم الانتقادات الدولية المرتبطة بالحرب في غزة، ما يشير إلى استمرار الطلب على التكنولوجيا العسكرية.

كما شهدت تركيا توسعاً ملحوظاً، مع دخول شركة MKE إلى القائمة وارتفاع إيرادات الشركات التركية الخمس إلى 10.1 مليار دولار، أما مجموعة EDGE الإماراتية فسجلت 4.7 مليار دولار، ما يعكس صعوداً تدريجياً للصناعات الدفاعية الخليجية.

دلالات اقتصادية أوسع

الأرقام القياسية لعام 2024 تعكس تحول قطاع الدفاع إلى أحد المحركات الأساسية للنمو الصناعي في عدد من الاقتصادات الكبرى، فمع ارتفاع الإنفاق العسكري عالمياً، تتجه الحكومات إلى توقيع عقود طويلة الأجل، ما يمنح الشركات رؤية مالية مستقرة نسبياً.

لكن في المقابل، يثير هذا النمو تساؤلات حول استدامته، فاقتصاد يعتمد على سباق التسلح يبقى رهينة التوترات الجيوسياسية، كما أن تصاعد التكاليف، والاعتماد على مواد خام حرجة، والضغوط السياسية الداخلية للحد من الإنفاق العسكري، قد تشكّل عوامل كبح مستقبلية.

في المحصلة، يكشف تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن صناعة السلاح لم تعد مجرد قطاع متخصص، بل أصبحت مرآة دقيقة لحالة النظام الدولي، وكلما ازدادت الاضطرابات، ارتفعت الإيرادات، وهكذا، يسجل عام 2024 رقماً قياسياً جديداً، لكنه في الوقت ذاته يعكس عالماً أكثر تسلحاً وأقل استقراراً.

 

اقرأ أيضًا:

من التحديث العسكري إلى الابتكار الدفاعي.. مستقبل أنظمة الحماية النشطة في المملكة

Short Url

search