صندوق النقد يراهن على مصر، ارتفاع توقعات النمو يعكس تحسناً في الاقتصاد والبيئة الاستثمارية
الأحد، 01 فبراير 2026 06:34 م
صندوق النقدي والاقتصاد المصري
في توقيت تتقاطع فيه المؤشرات الاقتصادية العالمية بين التحديات والفرص، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي يناير 2026 إلى 5.4% خلال العام المالي 2027/2026، في واحدة من أكبر المراجعات الإيجابية للاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا التحديث أكثر من مجرد رقم، فهو مؤشر على تحسن الاقتصاد الكلي، وتقدم نسبي في مسار الإصلاحات، وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بالمراحل السابقة.
فوفق تحديث آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في يناير 2026، رفع الصندوق توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر إلى 5.4% خلال العام المالي 2027/2026، في واحدة من أكبر المراجعات الإيجابية التي تشهدها تقديرات الصندوق للاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.
كما أن تخفيف بعض الضغوط السابقة على الاقتصاد المصري مثل أزمة النقد الأجنبي وارتفاع التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد ساهم في منح مساحة أكبر للنمو المتوازن.

دلالات رفع التوقعات
رفع توقعات النمو لمصر لم يأتي دفعة واحدة، بل جاء تدريجياً، فالصندوق رفع توقعاته لنمو الاقتصاد خلال العام المالي 2026/2025 إلى 4.7%، بزيادة 0.2 نقطة مئوية عن تقديراته السابقة، ثم أتبع ذلك بقفزة أكبر للعام التالي.
هذا التدرج يعكس رؤية الصندوق بأن التحسن ليس مؤقتاً، بل يمتد على المدى المتوسط، مدفوعاً بمزيج من الاستقرار النسبي في الاقتصاد الكلي، وتحسن مناخ الاستثمار، وعودة بعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية إلى مستويات أقرب لقدراتها الطبيعية.
كما أن التوقعات الإيجابية ترتبط جزئياً بانحسار بعض الضغوط التي هيمنت على الاقتصاد المصري خلال الأعوام الماضية، وعلى رأسها أزمة النقد الأجنبي، وارتفاع معدلات التضخم، واضطرابات سلاسل الإمداد، ومع أن هذه التحديات لم تختفي بالكامل، فإن حدتها باتت أقل مقارنة بذروة الأزمة، ما يفتح المجال أمام نمو أكثر توازناً.
مصر في سياق إقليمي متحسن
إقليمياً، يأتي تحسن التوقعات لمصر في إطار نظرة أكثر تفاؤلاً لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حيث يتوقع صندوق النقد تسارع النمو من 3.7% في 2025 إلى 3.9% في 2026 و4% في 2027.
ويعزو الصندوق هذا الأداء إلى ارتفاع إنتاج النفط، واستمرار الطلب المحلي في عدد من الدول، إضافة إلى التقدم في برامج الإصلاح الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تبرز مصر كحالة خاصة نسبياً، فهي ليست دولة نفطية تعتمد على طفرة أسعار الخام، بل اقتصاد متنوع يعتمد على مزيج من القطاعات الخدمية والصناعية والزراعية، إضافة إلى قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج.
وبالتالي، فإن تحسن توقعات النمو يعكس إلى حد كبير قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الزخم الإقليمي دون الاعتماد المباشر على النفط.

رياح متعارضة في الاقتصاد العالمي
على المستوى العالمي، لا يأتي التفاؤل بشأن مصر بمعزل عن صورة عالمية أكثر تعقيداً، فالصندوق يتوقع أن يحافظ الاقتصاد العالمي على وتيرة نمو مستقرة نسبياً عند 3.3% في 2026 و3.2% في 2027، مدعوماً باستثمارات ضخمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا سيما في أمريكا الشمالية وآسيا.
غير أن هذا النمو العالمي يخفي تباينات كبيرة بين الاقتصادات، ففي حين تستفيد الولايات المتحدة من حوافز مالية واستثمارات تكنولوجية، ويشهد الاقتصاد الصيني دفعة مؤقتة بفعل التحفيز والتفاهمات التجارية، تعاني مناطق أخرى مثل أوروبا من نمو ضعيف بسبب تحديات هيكلية مزمنة.
هذه البيئة العالمية المتباينة تعني أن الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، مطالبة بالتحرك بحذر لاقتناص الفرص دون الانكشاف المفرط على المخاطر.
الاستثمار الأجنبي نقطة قوة وسط تراجع إفريقي
في هذا الإطار، تكتسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بشأن الاستثمار الأجنبي المباشر أهمية خاصة، فعلى الرغم من تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى إفريقيا بنحو الثلث خلال 2025، حافظت مصر على موقعها كأكبر دولة مضيفة للاستثمار الأجنبي في القارة، بتدفقات بلغت نحو 11 مليار دولار.
هذا الأداء يعكس مرونة نسبية للاقتصاد المصري مقارنة بدول إفريقية أخرى، ويشير إلى أن مصر ما زالت تنظر إليها كمركز جذب استثماري، خاصة في القطاعات الاستراتيجية.
كما أن ارتفاع عدد مشروعات الاستثمار الجديدة (Greenfield) في مصر، ضمن ارتفاع إجمالي عدد المشروعات في القارة، يعكس ثقة نسبية في السوق المصرية على المدى المتوسط.
تحولات نوعية في خريطة الاستثمار
لكن الأهم من حجم الاستثمار هو طبيعته، فالبيانات تشير إلى تحول عالمي نحو قطاعات كثيفة التكنولوجيا، مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، التي استحوذت وحدها على خمس قيمة المشروعات الجديدة عالمياً.
ورغم أن النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات يذهب إلى الدول المتقدمة، فإن دولاً مثل مصر بدأت تدخل على هذا الخط، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وحجم سوقها، وتطور بنيتها التحتية الرقمية نسبياً.
في المقابل، يواجه الاستثمار في البنية التحتية والطاقة المتجددة تراجعاً ملحوظاً على المستوى العالمي، ما قد يشكل تحدياً إضافياً لدول نامية تعتمد على هذه القطاعات لدفع النمو وتوفير فرص العمل.
وهنا تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر ابتكاراً لجذب التمويل، سواء عبر الشراكات مع القطاع الخاص أو أدوات تمويل غير تقليدية.

المخاطر والتحديات الهيكلية
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يغفل صندوق النقد عن المخاطر، فالتوقعات العالمية لا تزال مائلة إلى الجانب السلبي، مع احتمالات تصاعد التوترات التجارية، أو حدوث تصحيح حاد في الأسواق المالية إذا ما خابت الآمال بشأن مكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي، كما أن الاقتصادات الناشئة تبقى أكثر عرضة لتقلبات رؤوس الأموال وتشديد الأوضاع المالية العالمية.
بالنسبة لمصر، تظل التحديات الهيكلية قائمة، وعلى رأسها مستويات الدين، والحاجة إلى تعزيز دور القطاع الخاص، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتحقيق نمو أكثر شمولاً، فالنمو المرتفع في حد ذاته لا يكفي ما لم يترجم إلى فرص عمل حقيقية وتحسن ملموس في مستويات المعيشة.
خلاصة المشهد
في المجمل، يعكس رفع صندوق النقد لتوقعات نمو الاقتصاد المصري قراءة أكثر تفاؤلاً لمسار الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، لكنه تفاؤل مشروط باستمرار الإصلاحات، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، والقدرة على التكيف مع عالم سريع التغير.
أما صمود مصر كمقصد رئيسي للاستثمار الأجنبي في أفريقيا، رغم التراجع القاري، فيمثل نقطة قوة يمكن البناء عليها، شريطة تعظيم الاستفادة من الاستثمارات النوعية، لا سيما في القطاعات التكنولوجية والإنتاجية.
بعبارة أخرى، الأرقام الإيجابية تمثل فرصة أكثر منها ضمانة، والرهان الحقيقي يبقى على كيفية تحويل هذا الزخم المتوقع إلى نمو مستدام وشامل، قادر على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وتلبية تطلعات الداخل في آن واحد.
اقرأ أيضًا:
«تسونامي» يجتاح سوق العمل العالمي، تحذير خطير من مديرة صندوق النقد بسبب الذكاء الاصطناعي
الصناعة والسياحة يدعمان توقعات نمو اقتصاد مصر خلال 2026-2027
Short Url
83 مليار دولار وسوق يتغير، تحولات رقمية تعيد رسم تمويل التجارة حتى 2031
01 فبراير 2026 09:44 ص
من التحديث العسكري إلى الابتكار الدفاعي.. مستقبل أنظمة الحماية النشطة في المملكة
29 يناير 2026 02:00 م
بعد عشر سنوات من اتفاقية باريس.. التقدم أبطأ من الوصول إلى مسار 1.5 درجة مئوية
29 يناير 2026 12:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً