الجمعة، 16 يناير 2026

01:50 م

بين التحول الرقمي وريادة الأعمال، كيف دعمت الدولة النمو الاقتصادي المستدام؟

الجمعة، 16 يناير 2026 10:39 ص

التحول الرقمي وريادة الأعمال

التحول الرقمي وريادة الأعمال

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في موقعها الاقتصادي، حيث برزت كواحدة من أبرز الأسواق الناشئة الجاذبة لريادة الأعمال والشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويأتي ذلك في ظل الانتشار المتزايد لثقافة العمل الحر، واتجاه أعداد كبيرة من الشباب نحو تأسيس مشروعاتهم الخاصة، مدفوعين برغبتهم في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والمشاركة الفاعلة في عملية التنمية. 

وقد فرض هذا التحول ضرورة تبني الدولة لخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل تهدف إلى دعم منظومة ريادة الأعمال، وتعزيز مرونة سوق العمل، وتمكين الشباب من اكتساب المهارات اللازمة للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة.

الجهود المتواصلة التي تبذلها الدولة تعزز مسار التحول الرقمي

تعد الجهود المتواصلة التي تبذلها الدولة تعزز مسار التحول الرقمي باعتباره أحد المحاور الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وقد أبرزت هذه الجهود ما تحقق على صعيد تطوير البنية التحتية التكنولوجية، وميكنة الخدمات الحكومية، وتحديث منظومة العمل الإداري، بما انعكس بشكل مباشر على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز مبادئ الشفافية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، إلى جانب دعم تنافسية الاقتصاد الوطني.

تحسن ترتيب مصر في المؤشرات الدولية المرتبطة بالتحول الرقمي، حيث تقدمت الدولة 6 مراكز في مؤشر جاهزية الشبكات لتحتل المركز 85 عالميًا عام 2024، مقارنة بالمركز 91 عام 2014، كما حققت قفزة كبيرة في مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي، متقدمة 46 مركزًا لتصل إلى المرتبة 65 عام 2024، بعد أن كانت في المركز 111 عام 2019، وهو ما يعكس التطور المتسارع في تبني التقنيات الذكية داخل مؤسسات الدولة.

وفيما يتعلق بالأمن السيبراني، حققت مصر إنجازًا غير مسبوق بحصولها على العلامة الكاملة 100 نقطة في مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024، لتصبح ضمن أفضل 12 دولة أداءً على مستوى العالم، إلى جانب تصدرها المركز الأول إفريقيًا في سرعة الإنترنت الثابت، واحتلالها المركز السادس عالميًا في سرعة تحميل الإنترنت عبر الهاتف المحمول خلال شهر أبريل 2025.

الأداء الاقتصادي لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

على صعيد الأداء الاقتصادي لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أوضحت البيانات ارتفاع معدل نمو القطاع إلى 14.4% خلال العام المالي 2023/2024، مقارنة بـ 8.4% في عام 2013/2014، كما شهدت الاستثمارات العامة في القطاع طفرة كبيرة، حيث ارتفعت بنحو 45 ضعفًا لتصل إلى 32.2 مليار جنيه عام 2023/2024، مقابل 0.7 مليار جنيه فقط عام 2013/2014.

وارتفعت مساهمة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وتصنيع الإلكترونيات في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.8% خلال عام 2023/2024، مقارنة بـ 3% في عام 2013/2014، إلى جانب نمو الصادرات الرقمية بنحو أربعة أضعاف، لتسجل 6.9 مليارات دولار عام 2024، مقابل 1.5 مليار دولار عام 2014، بما يعكس تعاظم دور الاقتصاد الرقمي في دعم النمو الاقتصادي.

وأظهرت المؤشرات أيضًا تطورًا ملحوظًا في خدمات الاتصالات، حيث زادت سرعة الإنترنت الأرضي بنحو ثلاثة أضعاف لتصل إلى 77.9 ميجابت/ثانية عام 2024، مقارنة بـ 20 ميجابت/ثانية عام 2014. 

كما ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنحو أربعة أضعاف ليصل إلى 88.8 مليون مستخدم عام 2024، مقابل 18 مليون مستخدم عام 2014، فضلًا عن زيادة عدد مشتركي الإنترنت فائق السرعة بأكثر من ثلاثة أضعاف ليبلغ 11.7 مليون مشترك عام 2024، مقارنة بـ 2.7 مليون مشترك عام 2014.

رقمنة الخدمات الحكومية

وفي إطار التوسع في رقمنة الخدمات الحكومية، برز دور منصة "مصر الرقمية" التي تقدم نحو 200 خدمة حكومية لما يقرب من 9 ملايين مستخدم، حيث تم تنفيذ حوالي 11 مليون معاملة واستعلام إلكتروني خلال عام 2024، كما تم ميكنة 754 مكتب توثيق يقدمون نحو 59 ألف معاملة يوميًا، إلى جانب ميكنة 4059 مكتب بريد من إجمالي 4714 مكتبًا على مستوى الجمهورية.

وامتد التحول الرقمي ليشمل منظومة العدالة والصحة، حيث تم إطلاق نظام التقاضي الإلكتروني في 62 محكمة، وتفعيل المنظومة الإلكترونية للتأمين الصحي الشامل في 367 منشأة طبية موزعة على 6 محافظات، كما تم إطلاق 14 تطبيقًا إلكترونيًا لتعزيز تقديم الخدمات العامة، من أبرزها تطبيقات "توكيلاتي" و"تأميناتي" و"مركباتي".

أصبح الدور المتنامي للمنصات الذكية في دعم التحول الرقمي مزدهر، وعلى رأس القائمة مشروع الهوية الوطنية العقارية، وهو نظام رقمي متكامل لتسجيل العقارات يشمل التراخيص والضرائب والمرافق، بالإضافة إلى منظومة كارت "الفلاح الذكي"، التي تضم 6 ملايين حيازة زراعية معتمدة، وجرى تفعيل وتوزيع 4.5 ملايين كارت حتى الآن.

وأشارت البيانات إلى أن إجمالي قيمة معاملات خدمات الدفع والتحصيل الإلكتروني الحكومي بلغ 12.1 تريليون جنيه حتى مارس 2025، إلى جانب رفع نحو 1.5 مليار وثيقة على منظومة الفاتورة الإلكترونية، بما يعكس التوسع الكبير في استخدام النظم الرقمية في إدارة الموارد المالية للدولة.

تطوير البنية التحتية للاتصالات

وفيما يتعلق بتطوير البنية التحتية للاتصالات، تم منح تراخيص الجيل الخامس لشركات الاتصالات تمهيدًا لإطلاق الخدمة خلال النصف الأول من العام الجاري، مع إطلاق تقنية الشريحة الإلكترونية eSIM. 

كما جرى تعزيز شبكات المحمول بإضافة 3102 برج جديد خلال عام 2024، وافتتاح أول منطقة سحابية عامة لشركة هواوي في مصر وشمال إفريقيا، بما يدعم استضافة البيانات محليًا ويعزز السيادة الرقمية.

وعلى صعيد التحول الرقمي في العاصمة الإدارية الجديدة، تم تنفيذ مشروع ربط جميع المباني الحكومية على مستوى الجمهورية بشبكة الألياف الضوئية بتكلفة بلغت نحو 8 مليارات جنيه. 

ووصلت تكلفة إنشاء "مدينة المعرفة" الهادفة إلى بناء مجتمع معلوماتي متكامل إلى 20 مليار جنيه، فيما بلغت استثمارات جامعة مصر المعلوماتية، وهي أول جامعة متخصصة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إفريقيا، نحو 15 مليار جنيه.

ازدهار قطاع ريادة الأعمال في مصر

يعد ازدهار قطاع ريادة الأعمال في مصر مؤشرًا واضحًا على التحول التدريجي نحو اقتصاد قائم على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة، حيث أصبح الاعتماد على الحلول الرقمية والتقنيات المستدامة عنصرًا أساسيًا في دفع عجلة النمو الاقتصادي. 

وتمثل الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص أحد المحركات الرئيسية لهذا النمو، لما لها من دور محوري في توفير التمويل، ونقل المعرفة، وبناء القدرات، وتهيئة بيئة أعمال داعمة للمشروعات الناشئة.

وفي هذا السياق، يفرض الاقتصاد الرقمي واقعًا جديدًا يتطلب مجموعة مختلفة من المهارات، ونموذجًا حديثًا لسياسات الحماية الاجتماعية، إلى جانب إعادة صياغة العلاقة بين العمل والحياة الاجتماعية، فقد أحدثت الثورة الرقمية تغييرًا جذريًا في أنماط الإنتاج والتشغيل، لا سيما مع بروز تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة، والتعلم الآلي. 

وقد تعزز هذا التحول بشكل أكبر في أعقاب جائحة كورونا، حيث أصبح الاقتصاد الرقمي أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي عالميًا، ووسيلة فعالة لدعم الصناعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا.

ويمثل هذا التحول فرصة استراتيجية للاقتصاد المصري، خاصة في ظل التركيبة السكانية التي يغلب عليها الشباب، وصعود جيل جديد من المبتكرين ورواد الأعمال، لا سيما في قطاع التكنولوجيا المالية. 

كما تعكس المشروعات القومية الكبرى، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، توجه الدولة نحو بناء مدن ذكية تعتمد على بنية تحتية رقمية متطورة، ونظم أمان رقمية، وحلول ذكية لترشيد استهلاك الموارد، مع التركيز على استخدام الطاقة المتجددة المدعومة بتقنيات إنترنت الأشياء.

المواطن في قلب عملية التحول الرقمي

تضع الدولة المصرية المواطن في قلب عملية التحول الرقمي، حيث لا يقتصر هذا التحول على إدخال التكنولوجيا فقط، بل يشمل بناء منظومات متكاملة لريادة الأعمال قادرة على خلق فرص عمل مستدامة. 

وتظهر المؤشرات أن مصر تستحوذ حاليًا على النصيب الأكبر من صفقات الشركات الناشئة في المنطقة، بإجمالي تمويل بلغ نحو 95 مليون دولار، ما يعكس ثقة المستثمرين في السوق المصري وقدرته على النمو.

وفي إطار دعم هذا التوجه، اتخذت الحكومة المصرية خطوات جوهرية على المستويين المحلي والدولي لتعزيز بيئة الابتكار، من خلال توسيع الشراكات مع شركاء التنمية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني. 

وتلعب وزارة التعاون الدولي دورًا محوريًا في تنسيق هذه الجهود، عبر ربط الأطراف المختلفة بالفرص الاستثمارية في مجالات الرقمنة وريادة الأعمال، والتخطيط لعالم العمل الجديد، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات التقنية للشباب.

وقد وضعت وزارة التعاون الدولي إطارًا استراتيجيًا متكاملًا لدعم الدمج التكنولوجي المرتبط بأهداف التنمية المستدامة، يقوم على تحويل الطموحات التنموية إلى حلول رقمية قابلة للتنفيذ، ويعتمد هذا الإطار على تحديد الأولويات التنموية، وخلق الأفكار من خلال الدعم الفني ونقل المعرفة، وتنفيذ المشروعات بكفاءة، ثم المتابعة والتقييم المستمر لضمان تحقيق الأثر التنموي المستهدف.

وتضم محفظة التعاون الإنمائي الحالية 36 مشروعًا في مجالات الابتكار والتحول الرقمي وريادة الأعمال، بإجمالي تمويل تنموي يبلغ نحو مليار دولار، ما يمثل قرابة 4% من إجمالي محفظة التمويل الإنمائي في مصر، وتسهم هذه المشروعات في تحقيق 11 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يعكس الترابط الوثيق بين التحول الرقمي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إطلاق المرحلة الثانية من برنامج التحول الرقمي

في عام 2023 تم إطلاق المرحلة الثانية من برنامج التحول الرقمي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالشراكة مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بهدف تبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع تقديم الخدمات للمستثمرين، وتطوير بيئة أعمال تنافسية ومستدامة، ويأتي ذلك استكمالًا للنجاحات التي حققتها المرحلة الأولى في تحسين كفاءة الخدمات وتعزيز القدرة التنافسية للمنطقة كمحور تنموي عالمي.

وفي إطار سد فجوات التمويل والمهارات، تم إطلاق المنصة الإلكترونية لعقود الهندسة والمشتريات والبناء (EPC)، والتي تستهدف تعزيز الشفافية، وجذب الاستثمارات في مشروعات البنية التحتية، وبناء قدرات الكوادر البشرية، بما يدعم التنمية المستدامة والتكامل بين القطاعين العام والخاص.

وعلى صعيد التحول الأخضر، برزت المسابقة الدولية ClimaTech Run كنموذج فعال لدعم الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا المناخ، حيث شهدت مشاركة واسعة من عشرات الدول، وأسهمت في دعم حلول مبتكرة ساعدت على خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 400 ألف طن، وقد انعكست نتائج المسابقة في تحقيق توسعات فعلية للشركات الفائزة، وعقد شراكات دولية، والحصول على جوائز وتصنيفات عالمية.

وتواصل الدولة تعزيز هذا المسار من خلال النسخة الثانية من المسابقة، إلى جانب إطلاق مبادرات أممية مشتركة في مجالات التكنولوجيا والابتكار، تستهدف تطوير حلول رقمية في قطاعات المياه والغذاء والطاقة والنقل المستدام، بما يدعم رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.

وفي صعيد مصر، يمثل برنامج “أورنج كورنرز” أحد النماذج الناجحة لدعم ريادة الأعمال، حيث أسهم في تخريج عشرات الشركات الناشئة، مع تمكين المرأة بشكل ملحوظ، ودعم مشروعات في مجالات الزراعة، والصناعات الإبداعية، والاقتصاد الدائري، والتعليم والصحة الرقمية.

تؤكد تجربة مصر في التحول الرقمي وريادة الأعمال أن الاستثمار في الابتكار، وبناء الشراكات الدولية، وتمكين الشباب، يمثل مسارًا استراتيجيًا لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل، يعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات العالمية، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية في المستقبل.

اقرأ أيضًا:

الابتكار المعماري.. لماذا تخسر البنوك التقليدية سباق التحول الرقمي؟

مصر تراهن على الصناعة الذكية باستثمارات 15 مليار جنيه لتطوير المناطق الصناعية

Short Url

search