%10 فقط في مصر، لماذا تستورد الدول العربية غذاءها مُصنّعا رغم وفرة الإنتاج الزراعي؟
الأحد، 11 يناير 2026 02:15 م
التصنيع الزراعي
في ظل تباطؤ اقتصادي عالمي وإقليمي وتآكل فعالية النماذج التنموية التقليدية في تحقيق العدالة والاستقرار، يبرز التصنيع الزراعي كأحد المفاتيح المفقودة في معادلة التنمية العربية، فالعالم العربي الذي يشهد معدلات بطالة مرتفعة، وتباينات متسعة بين الريف والحضر، لا يمكنه الاستمرار في نموذج زراعي يعتمد على التصدير الخام والاستيراد المعالج، بل يحتاج إلى إعادة هندسة العلاقة بين الزراعة والصناعة والاقتصاد الوطني.
_1763_011015.jpg)
التصنيع الزراعي في مصر والدول المتقدمة
تمثل نسبة التصنيع الزراعي في مصر نحو 10% فقط من إجمالي الإنتاج الزراعي، مقارنة ببعض الدول مثل الهند والصين والبرازيل التي تصل فيها النسبة إلى 25%، بينما تبلغ في فرنسا والدول المتقدمة نحو 70%.
ويعود هذا التفاوت إلى عدد من المشكلات التي تواجه التصنيع الزراعي في السوق المصري، وعلى رأسها عدم ملاءمة بعض المحاصيل المزروعة لعمليات التصنيع، مثل محصول الطماطم.
فعلى الرغم من احتلال مصر المرتبة الخامسة عالميًا في إنتاج الطماطم، فإن نسبة ما يصنع منها لا تتجاوز 10%، نتيجة لزراعة سلالات غير صالحة للتصنيع.
لذلك، يعد تشجيع الزراعة التعاقدية حلًا مناسبًا، وهو ما تطبقه بالفعل بعض الشركات من خلال التعاقد مع المزارعين على زراعة أصناف محددة ملائمة للتصنيع، بهدف التصدير إلى الخارج وتلبية احتياجات السوق المحلي.
يحظى ملف الصادرات بدعم مستمر، في إطار السعي لتحقيق الحلم الرئاسي بالوصول إلى 100 مليار دولار صادرات مصرية من مختلف القطاعات بحلول عام 2030، ويأتي القطاع الزراعي في مقدمة هذه القطاعات باعتباره أحد الركائز الأساسية للدخل القومي المصري.
تصدرت الموالح قائمة الصادرات الزراعية المصرية، محتلة المركز الأول بإجمالي صادرات تجاوزت مليوني طن، تلتها البطاطس في المركز الثاني بكمية تخطت 930 ألف طن.
وجاء البصل في المركز الثالث بصادرات بلغت نحو 131 ألف طن، ثم الفاصوليا الخضراء والجافة في المركز الرابع بكمية قاربت 84 ألف طن، بينما حل العنب في المركز الخامس بنحو 72 ألف طن.
واحتلت البطاطا المركز السادس بصادرات بلغت حوالي 64 ألف طن، في حين جاءت الطماطم، والفراولة الطازجة، والثوم، والجوافة، والرمان في المراكز من السابع إلى الحادي عشر، بكميات بلغت على التوالي 37 و21 و16 و10 و9 آلاف طن.
التصنيع الزراعي وتحسين الإنتاجية وزيادة الغلة
في جوهره، ينظر إلى التصنيع الزراعي ليس كمجرد تحسين للإنتاج أو زيادة في الغلة، بل كأداة لإعادة توزيع الموارد، وتوليد القيمة المضافة محليًا، وربط الاقتصاد بالواقع الاجتماعي للمجتمعات الريفية.
هذا التحول من الزراعة التقليدية إلى سلاسل قيمة متكاملة يمكن أن يعيد إدماج الريف في العملية الإنتاجية الوطنية ويقلص الفجوة المتنامية بين الأطراف المهمشة والمراكز الحضرية.
التجارب الدولية في آسيا وأمريكا اللاتينية أظهرت أن الاستثمار في التصنيع الزراعي وسلاسل القيمة لا يعود بعوائد اقتصادية فحسب، بل يعزز القدرة التنافسية ويخفف من الاعتماد على الأسواق الخارجية.
إلا أن الواقع العربي لا يزال يعاني تبعية واضحة في هذا المجال، حيث تستمر الدول في تصدير الموارد الزراعية كسلع خام ثم إعادة استيرادها بعد معالجتها بقيمة مضافة لصالح اقتصادات أخرى.
على المستوى الاقتصادي، تظهر الأرقام ضعفًا واضحًا في أداء القطاع الزراعي والتجاري المرتبط به، ففي عام 2025، يستمر العديد من البلدان العربية في مواجهة عجز في ميزانها التجاري الزراعي والغذائي، بينما يشهد النمو في القيمة المضافة الزراعية معدلات أقل بكثير من المتوسط العالمي، ما يعكس هشاشة في المنظومة الإنتاجية وفشلًا في توظيف التصنيع الزراعي كرافد اقتصادي فاعل.

التصنيع الزراعي يفتح الطرق أمام خلق فرص عمل
ولا يقتصر الرهان على البعد الاقتصادي فقط، بل يتعامل التصنيع الزراعي مع الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية، فتحويل الموارد الزراعية محليًا يعني خلق فرص عمل دائمة في المناطق الريفية، ويضع المزارع والمصنع المحلي في موقع قوة داخل الاقتصاد الوطني.
كما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، وبالتالي فإن إنشاء مصانع للمعالجة في مناطق مهمشة ليس مجرد نشاط صناعي، بل فعل يعيد هندسة التوازن الوطني.
من المهم أن يكون هذا النموذج لا مركزيًا، يوزع فرص الإنتاج والتراكم على مختلف الجغرافيات بدلًا من تركيز الثروة في المدن أو المناطق الصناعية الكبرى فقط.
يتطلب ذلك تكثيف الاستثمار في البنية التحتية (كالطاقة والنقل والاتصالات)، وتوطين التكنولوجيا في القرى والحواضر الصغيرة، ورفض منطق الاعتماد على سلاسل إنتاج خارجية تفتقد القيمة المضافة المحلية.
لكن الانتقال من الإمكان إلى الفعل يحتاج إلى اشتراطات سياسية واقتصادية واضحة:
- أولاً، إرادة سياسية حقيقية تعترف بالتصنيع الزراعي مشروعًا سياديًا وليس مجرد نشاط اقتصادي ثانوي.
- ثانيًا، منظومة تشريعية وتنظيمية تشجع التوطن الصناعي في الريف وتعيد توجيه التمويل العام نحو القطاعات المنتجة وليس الاستهلاكية.
- ثالثًا، سياسة معرفية جديدة تربط بين مراكز البحث الزراعي والاحتياجات العملية للمزارعين والمصنعين، مع فتح قنوات للتعاون بين الأكاديميات والقطاع الخاص.
في الوقت نفسه، التعليم والتكوين المهني يجب أن يتواءم مع متطلبات الاقتصاد الزراعي الحديث، مما يضمن توفر كوادر فنية وإدارية قادرة على تشغيل وتطوير منظومات التصنيع الزراعي، ولا يمكن بناء قطاع تنافسي في المناطق الريفية دون ضمان توزيع عادل للبنية التحتية الأساسية وحوافز للاندماج الكامل في الاقتصاد الوطني.
التصنيع الزراعي ليس بديلًا عن الزراعة التقليدية، ولا يختزل في إضافة تقنية لها، بل هو مدخل لإعادة ترتيب أولويات التنمية في المنطقة، إنه مشروع ينبثق من القاعدة المجتمعية، ويعيد رسم صورة الريف كمساحة لإنتاج القيمة والابتكار، ويعزز المشاركة الاقتصادية والمواطنة الفاعلة.
وفي ظل التحديات المناخية، وضغوط الأسواق العالمية، وضعف الفوائض الريعية التقليدية، لم يعد التصنيع الزراعي خيارًا قطاعيًا يناقش على الهامش، بل ركيزة استراتيجية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية في القرن الحادي والعشرين.
والرهان الحقيقي لم يعد في إثبات جدوى هذا التحول، بل في امتلاك الرؤية المؤسسية والإرادة السياسية لتحويله إلى واقع ملموس، يعيد تعريف علاقات الإنتاج ويعالج أوجه الإخفاق في السياسات السابقة.

خمسة أسباب رئيسية وراء تعثر المشاريع الزراعية
تعد المشاريع الزراعية أحد الأعمدة الأساسية للاقتصادات الوطنية، لا سيما في الدول النامية، حيث تمثل مصدر دخل رئيسيًا للمزارعين، وتوفر فرص عمل واسعة، وتسهم في دعم التنمية الريفية وتحقيق الأمن الغذائي.
ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية، إلا أن نسبة غير قليلة من المشاريع الزراعية تواجه التعثر أو الفشل، نتيجة مجموعة من التحديات الهيكلية والإدارية والبيئية.
ويجمع خبراء الاقتصاد الزراعي على أن أسباب فشل المشاريع الزراعية يمكن حصرها في خمس مشكلات رئيسية، تتداخل فيما بينها وتؤثر بشكل مباشر على استدامة هذه المشاريع وربحيتها.
1. نقص المعدات الزراعية واضطراب سلاسل التوريد
يشكل النقص في المعدات الزراعية الحديثة أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، في ظل اضطرابات سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار المواد الخام، وقد أدى نقص الجرارات والحصادات وأنظمة الري إلى تأخير مواعيد الزراعة والحصاد، ما انعكس سلبًا على الإنتاجية.
كما أسهمت جائحة كوفيد-19 في تعميق هذه الأزمة، نتيجة تعطل الموانئ وتأخر عمليات الصيانة والتوريد، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار المعدات، الأمر الذي زاد من الأعباء المالية على المزارعين وقلص قدرتهم على الاستثمار والتوسع.
2. ضعف البنية التحتية وأنظمة الدعم
تعاني العديد من المناطق الزراعية من قصور واضح في البنية التحتية، سواء في أنظمة الري أو مرافق التخزين أو شبكات النقل، ويؤدي هذا الضعف إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة إيصال المنتجات إلى الأسواق في الوقت المناسب، ما يقلل من تنافسية المنتج الزراعي.
كما أن تردي البنية التحتية قد يجبر المزارعين على تعويض هذا النقص بزيادة الاعتماد على العمالة أو المدخلات الأخرى، وهو ما يرفع التكاليف التشغيلية ويؤثر على هامش الربح.
3. سوء تقدير المخاطر البيئية والتغير المناخي
أصبح التغير المناخي أحد أخطر التحديات التي تواجه الزراعة الحديثة، حيث تؤثر التقلبات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار بشكل مباشر على غلات المحاصيل وجودتها.
وتؤدي موجات الجفاف والفيضانات والظواهر الجوية المتطرفة إلى تقليص المواسم الزراعية وخفض الإنتاجية، في وقت لا تزال فيه العديد من المشاريع الزراعية تفتقر إلى خطط واضحة لإدارة المخاطر البيئية والتكيف مع المتغيرات المناخية.
4. نقص الكفاءات المتخصصة في إدارة المشاريع الزراعية
لا يزال مفهوم إدارة المشاريع الزراعية يعاني من محدودية التطبيق المهني، في ظل نقص الكوادر المؤهلة القادرة على الجمع بين المعرفة الزراعية والخبرة الإدارية، وغالبًا ما يؤدي غياب التخطيط الاحترافي وإدارة الموارد بكفاءة إلى إهدار الوقت والمال، وتعثر تنفيذ المشاريع.
كما أن الاعتماد على خبرات إدارية غير متخصصة بالقطاع الزراعي قد يخلق فجوة في فهم طبيعة المخاطر والتحديات الميدانية، ما ينعكس سلبًا على الأداء العام للمشروع.
5. صعوبة تقدير التكاليف والعائد على الاستثمار
تواجه المشاريع الزراعية تحديًا كبيرًا في تقدير التكاليف المستقبلية والعائد المتوقع، بسبب تقلب أسعار المدخلات الزراعية وتغير أسعار المحاصيل في الأسواق المحلية والعالمية.
وتزداد هذه الصعوبة مع طول دورة رأس المال في الزراعة، حيث قد تستغرق المشاريع سنوات قبل تحقيق العائد، مما يجعلها أكثر عرضة للخسائر في حال حدوث أزمات مناخية أو اقتصادية غير متوقعة.

أفضل الممارسات لتعزيز نجاح المشاريع الزراعية
يشدد المختصون على أهمية تبني منهجية واضحة لإدارة المشاريع الزراعية، تبدأ بتحديد أهداف دقيقة وخطط عمل شاملة تتضمن جداول زمنية وميزانيات واقعية، كما يعد التواصل الفعال بين جميع أصحاب المصلحة، وتحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، من العوامل الحاسمة لضمان التنفيذ السليم.
إضافة إلى ذلك، فإن دمج إدارة المخاطر البيئية، والاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الكفاءات الإدارية، يمثل خطوات أساسية لتعزيز استدامة المشاريع الزراعية ورفع قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
تواجه المشاريع الزراعية تحديات متزايدة في بيئة اقتصادية ومناخية متقلبة، إلا أن تجاوز هذه العقبات يظل ممكنًا من خلال التخطيط السليم، والإدارة الاحترافية، والاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية، فنجاح الزراعة اليوم لم يعد يعتمد فقط على الأرض والمياه، بل على الرؤية الاقتصادية والإدارة الذكية للمخاطر.
اقرأ أيضًا:
التصنيع الزراعي في الوطن العربي، فرصة تنموية بـ132.5 مليار دولار
التصنيع الزراعي والحيواني في مصر، استثمارات مضمونة وعوائد عالية
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تيليجرام) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هُــــــــنا.
إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.
Short Url
2026 عام المستشفيات الافتراضية، مستقبل خفض التكاليف في الرعاية الصحية
11 يناير 2026 04:00 م
150 مليون زائر سنوياً، صناعة السياحة في السعودية، نمو هائل وتحول جذري ضمن رؤية 2030
11 يناير 2026 12:00 م
ميزانية السعودية 2026 بالأرقام، عجز أقل ورهان على الاقتصاد غير النفطي
11 يناير 2026 10:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً