الأحد، 11 يناير 2026

06:56 م

صناعة الدواء العالمية في 2026، نمو الطلب ثابت وهوامش الأرباح تحت الاختبار

الأحد، 11 يناير 2026 12:14 ص

صناعة الدواء العالمية

صناعة الدواء العالمية

يدخل قطاع الصناعات الدوائية العالمي عام 2026 وهو في وضع يبدو للوهلة الأولى مطمئنًا: طلب قوي نسبيًا، ونمو متواصل في الإنفاق على الأدوية، ومحركات ابتكار لا تزال قادرة على تعويض تآكل المنتجات القديمة، غير أن الصورة الأعمق تكشف عن عام مفصلي ستختبر فيه هوامش الأرباح، وسط بيئة سياسية وتنظيمية أكثر تعقيدًا، وضغوط هيكلية تتزايد على نماذج الأعمال التقليدية.

المؤشرات الائتمانية لشركات الأدوية العالمية

تظهر بيانات المؤشرات الائتمانية المتوسطة لشركات الأدوية العالمية مسارًا يتسم بالمرونة الحذِرة أكثر منه بالنمو القوي، فعلى مستوى الإيرادات، نلاحظ تسارعًا واضحًا بين 2023 و2024 من 4.6% إلى 6.1%، مدفوعًا بزخم إطلاق الأدوية الجديدة وتعافي الطلب بعد فترة من التقلبات. 

إلا أن هذا الزخم يبدأ في التباطؤ التدريجي اعتبارًا من 2025، حيث ينخفض نمو الإيرادات المتوقع إلى 5.3% ثم إلى نحو 3.2 و3.3% في 2026 و2027، ما يعكس نضج دورات المنتجات، واشتداد المنافسة، وتأثير جرف البراءات وتوسع البدائل الحيوية. 

هذا التباطؤ يشير إلى انتقال القطاع من مرحلة نمو مدفوعة بالتوسع إلى مرحلة نمو أكثر اعتمادًا على الابتكار الانتقائي وإدارة المحافظ العلاجية.

أما من حيث الربحية والهيكل المالي، فتظهر البيانات قدرة القطاع على الحفاظ على هوامش تشغيلية قوية رغم الضغوط، فرغم تراجع هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء (EBITDA) في 2025 إلى 28.8%، فإنه يعود للارتفاع تدريجيًا ليصل إلى 30% بحلول 2027، ما يدل على نجاح الشركات في تعويض ضغوط التسعير عبر الكفاءة التشغيلية وتحسين مزيج المنتجات. 

في الوقت نفسه، يعكس تحسن هامش التدفق النقدي الحر من 5.9% في 2023 إلى أكثر من 8% في 2027 قدرة الشركات على توليد سيولة قوية حتى مع ارتفاع الإنفاق الرأس مالي، ويظل مستوى الرافعة المالية مستقرًا نسبيًا حول 3.3 – 3.6 مرات EBITDA، وهو ما يشير إلى انضباط مالي واستقرار ائتماني، مع قدرة واضحة على موازنة الاستثمار في النمو والحفاظ على جودة الميزانيات العمومية.

تقدير فيتش.. نمو في الإنفاق العالمي على الأدوية

بحسب تقديرات فيتش، من المتوقع أن يسجل الإنفاق العالمي على الأدوية نموًا بمعدلات متوسطة أحادية الرقم في 2026، وهو مستوى يعكس مرونة الطلب على الرعاية الصحية حتى في ظل تباطؤ اقتصادي عالمي محتمل. 

ويعود هذا النمو بالأساس إلى الابتكار الدوائي، لا سيما في مجالات علاج الأورام، والمناعة، والأمراض النادرة، واللقاحات، والعلاجات الأيضية وإدارة الوزن، وهذه الفئات لم تعد مجرد قطاعات متخصصة، بل أصبحت محركات رئيسية للنمو الهيكلي طويل الأجل في الصناعة.

يشير هذا الاتجاه إلى تحول واضح في مركز الثقل داخل الصناعة. فالشركات التي تمتلك محافظ علاجية عميقة ومركزة، وقادرة على إدارة دورة حياة منتجاتها بكفاءة، باتت أكثر قدرة على التفوق على متوسط السوق.

في المقابل، تواجه الشركات التي تعتمد بشكل أكبر على أدوية تقليدية أو منتجات قاربت نهاية براءات اختراعها ضغوطًا متزايدة على الإيرادات.

تحذير من البيئة التشغيلية

ورغم هذا النمو في الطلب، تحذر فيتش من أن البيئة التشغيلية في 2026 لن تكون خالية من التحديات، خصوصًا على صعيد التسعير. فالسياسات الحكومية، وعلى رأسها سياسات تسعير الأدوية، تظل عامل عدم يقين رئيسيًا، لا سيما في السوق الأمريكية التي تمثل المصدر الأكبر للأرباح في القطاع. 

مبادرات مثل نموذج “الدولة الأكثر تفضيلًا” في التسعير، واحتمالات فرض رسوم جمركية على الواردات، والتغيرات في دور مديري مزايا الصيدلة، من شأنها أن تزيد من تشتت الأسعار وتقلب التكاليف.

هذا الواقع يضع الشركات أمام معادلة دقيقة: فبينما يدعم الابتكار ونمو حجم المبيعات الإيرادات، قد تتعرض الهوامش لضغوط نتيجة صعوبة تمرير التكاليف أو الحفاظ على مستويات التسعير السابقة. 

ومن هنا تصف فيتش عام 2026 بأنه “عام اختبار للهوامش”، حيث سيكون التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الربحية وليس فقط تحقيق النمو.

الصورة أكثر توازنًا

على مستوى التدفقات النقدية، لا تزال الصورة أكثر توازنًا، فمن المتوقع أن تبقى هوامش التدفقات النقدية التشغيلية قوية نسبيًا، مدعومة بنضوج منتجات أطلقت حديثًا وتحسن الكفاءة في قطاع الأدوية الجنيسة. 

غير أن هذا الاستقرار النسبي قد يتعرض للاختبار بسبب ارتفاع الإنفاق الرأسمالي المرتبط بإعادة توطين سلاسل التوريد، واستثمارات الامتثال التنظيمي، والتحديات اللوجستية في بعض الأسواق خارج الولايات المتحدة.

وتبرز هنا مسألة إعادة هيكلة سلاسل التوريد كعامل اقتصادي محوري. فالتحول نحو التصنيع المحلي أو الإقليمي، وإن كان يقلل من المخاطر الجيوسياسية، فإنه يرفع التكاليف الرأسمالية على المدى القصير، وبالتالي، تجد الشركات نفسها مضطرة للموازنة بين مرونة الإمداد وحماية الهوامش.

من زاوية الجدارة الائتمانية، ترى فيتش أن القطاع لا يزال يتمتع بجودة مالية كافية لامتصاص الصدمات المحتملة، فالشركات ذات المحافظ المتنوعة، وخيارات التصنيع المحلية، والمرونة في إدارة المخزون، مرشحة للحفاظ على تصنيفاتها الائتمانية رغم تقلبات السياسات، كما أن السيولة لدى معظم الشركات المصنفة استثماريًا لا تزال قوية، مدعومة بأرصدة نقدية كبيرة وإمكانية وصول واسعة إلى أسواق التمويل.

غير أن المخاطر لم تختفي تمامًا، ففي سيناريو ضاغط، قد تؤدي صدمات سياسية مفاجئة أو تصعيد تجاري إلى تراجع وضوح الرؤية بشأن الأرباح، ما ينعكس على ثقة الأسواق. ومع ذلك، تشير فيتش إلى أن الشركات الكبرى لا تزال تمتلك أدوات تمويل متعددة، بما في ذلك السندات الهجينة والشراكات الاستراتيجية، ما يمنحها هامش مناورة إضافيًا.

الصناعة تعيد رسم الأولويات

وفي ما يتعلق بتخصيص رأس المال، تشهد الصناعة مرحلة إعادة رسم للأولويات، فمن المتوقع أن يظل نشاط الاندماج والاستحواذ قويًا في 2026، استمرارًا لتعافي صفقات التكنولوجيا الحيوية في 2025. 

هذا النشاط يعكس سعي الشركات لتعويض “جرف البراءات” المتوقع بين 2025 و2030، والذي قد يؤدي إلى تآكل إيرادات تصل إلى مئات المليارات من الدولارات مع دخول البدائل الحيوية إلى السوق.

في الوقت نفسه، يتزايد الإنفاق على التقنيات الدوائية المتقدمة، مثل العلاجات الخلوية والجينية والبيولوجيات المعقدة، إضافة إلى الاكتشاف المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهذه الاستثمارات، وإن كانت عالية المخاطر، تمثل رهان الصناعة الأساسي للحفاظ على النمو طويل الأجل.

يكشف تحليل فيتش أن قطاع الأدوية العالمي يدخل 2026 وهو أكثر مرونة من كثير من القطاعات الأخرى، لكنه ليس بمنأى عن الضغوط، فالنمو مدفوع بالابتكار، لكن الربحية ستعتمد على القدرة على إدارة المخاطر التنظيمية، وضبط التكاليف، واتخاذ قرارات رأسمالية منضبطة. 

وبين التفاؤل الحذر والاختبارات الصعبة، يبدو عام 2026 عامًا فاصلاً في تحديد من يمتلك نموذج الأعمال الأكثر صلابة في صناعة الدواء العالمية.

اقرأ أيضًا:

الصناعات الدوائية الفيتنامية ترتفع لـ312 مليون دولار

لاكتشاف الأدوية، الصين في صدارة مشروع «أينشتاين الرقمي» للذكاء الاصطناعي

تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تليجرام) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هُــــــــنا.

إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.

Short Url

search