-
سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم الاثنين (آخر تحديث)
-
5 بنوك كبرى تقود تمويل المصانع في مصر.. برامج تصل لـ10 سنوات ومليار جنيه لإعادة الهيكلة
-
«إيجيبت تراست» تكشف لـ"إيجي إن" أسباب تباطؤ دمج التوقيع الإلكتروني في الخدمات الرقمية
-
من المنزل.. تطبيق خصم تلقائي 30% على فواتير الكهرباء لـ7.5 مليون عداد "كودي"
الدكتور محمد عسكر يكتب: اختراق شاشة محور26 يوليو.. جرس إنذار حول السيادة الرقمية
الإثنين، 02 نوفمبر 2026 07:03 م
الدكتور محمد عسكر استشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
الدكتور محمد عسكر استشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
قد يحتاج اختراق نظام إلكتروني إلى ثوانٍ معدودة، بينما يستغرق استعادة الثقة في منظومة تعرضت للاختراق وقتًا أطول بكثير، هذه الحقيقة تختصر جانبًا مهمًا من الواقعة التي شهدها محور 26 يوليو بمحافظة الجيزة، حين ظهرت مشاهد غير لائقة على إحدى شاشات الإعلانات الرقمية، في حادث لم تتوقف أصداؤه عند حدود المكان، بعدما أشارت المعلومات الرسمية إلى ظهور محتوى مماثل على شاشات في دول أخرى بالتوقيت نفسه، نتيجة اختراق طال الموقع الإلكتروني لشركة دولية متخصصة في بث الإعلانات الإلكترونية، وبينما انشغل كثيرون بطبيعة المشاهد التي ظهرت على الشاشة، كانت هناك قضية أكثر عمقًا تستحق أن تحظى باهتمام واسع، وهي مدى قدرتنا على حماية الفضاء العام من المخاطر التي تنتقل إلينا عبر الشبكات والمنصات الرقمية.
إن ما حدث يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الواقعة ذاتها: من يملك السيطرة الحقيقية على الشاشات التي نراها في شوارعنا؟ قد تبدو الإجابة بسيطة، فالشاشة موجودة على أرض مصر، وتخضع في ظاهرها لإدارة جهة تعمل داخل السوق المحلية، لكن الحقيقة التقنية أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن أن تكون إدارة المحتوى مرتبطة بمنصة إلكترونية موجودة خارج البلاد، وتدار من خلال خوادم سحابية، وتتصل بها أجهزة موزعة في مواقع جغرافية مختلفة.
وهنا تظهر إحدى القضايا المهمة في عصر الاقتصاد الرقمي، وهي العلاقة بين الاعتماد على الخدمات التكنولوجية الدولية وبين ضرورة الاحتفاظ بالقدرة على الرقابة والتدخل والتحكم في الأنظمة التي تؤثر بصورة مباشرة في المجتمع المحلي.
وتكمن خطورة هذه الواقعة في أنها كشفت عن طبيعة جديدة للمخاطر الأمنية، والمخترق لم يكن بحاجة بالضرورة إلى التواجد بالقرب من الشاشة، أو الوصول إلى موقعها الجغرافي، أو التعامل المباشر مع أجهزتها، وإنما قد يكون استطاع التأثير في المحتوى من خلال نقطة تحكم إلكترونية بعيدة، وهذا هو جوهر التحدي الذي تفرضه أنظمة العرض الرقمي الحديثة، فهي تعتمد على شبكة مترابطة من الأجهزة والخوادم والتطبيقات وحسابات المستخدمين، وأي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة قد ينعكس على بقية مكوناتها، وإذا كانت هذه المنظومة قادرة على توزيع إعلان واحد على عشرات أو مئات الشاشات في وقت قصير، فإنها قد تصبح أيضًا وسيلة لنشر محتوى غير مصرح به إذا تمكن طرف غير مخول من الوصول إلى نظام التحكم.
ومن الضروري أن نقرأ هذه الواقعة في إطار مفهوم السيادة الرقمية، الذي أصبح من الموضوعات الرئيسية في النقاشات الدولية المتعلقة بالأمن القومي والتكنولوجيا، والسيادة الرقمية لا تعني الانغلاق على العالم أو الاستغناء عن الشركات والمنصات الأجنبية، ولا تعني رفض الاستفادة من الخبرات والتقنيات الدولية، وإنما تعني امتلاك الدولة والمؤسسات الوطنية القدرة على حماية بياناتها وأنظمتها وخدماتها، ومعرفة أماكن استضافة المعلومات، وتحديد المسؤوليات القانونية والتقنية لمقدمي الخدمات، وضمان عدم تحول الاعتماد التكنولوجي إلى نقطة ضعف يمكن استغلالها، والتكنولوجيا العابرة للحدود تحتاج إلى قواعد واضحة تضمن أن تظل المصالح الوطنية محمية، وأن تكون هناك قدرة حقيقية على التدخل عند وقوع أي حادث أمني.
وهنا تبرز مسؤولية الشركات العاملة في مجال الإعلانات الرقمية، سواء كانت محلية أو دولية، والشركة التي تتولى إدارة شاشة في شارع عام لا تقدم خدمة تجارية بمعزل عن المجتمع، بل تتحمل مسؤولية تتعلق بطبيعة المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وبمدى تأمين الأنظمة التي تستخدمها، وبسرعة استجابتها عند حدوث أي اختراق، ومن ثم يجب ألا يقتصر تقييم أداء هذه الشركات على جودة الإعلانات أو حجم الانتشار أو العائد الاقتصادي، وإنما ينبغي أن يشمل مستوى الحماية السيبرانية، ومدى التزامها بالمعايير الأمنية، ووجود خطط واضحة للتعامل مع الطوارئ الرقمية، كما يجب أن تتضمن العقود المبرمة معها التزامات محددة بشأن الإبلاغ عن الاختراقات، وحفظ السجلات الإلكترونية، وإتاحة المعلومات اللازمة للجهات المختصة، وتحمل المسؤولية عن أوجه التقصير التي يثبت وجودها.
ومن ناحية أخرى، فإن اختراق نظام الإعلانات لا ينبغي أن يُختزل في احتمال العبث بمحتوى شاشة أو نشر مادة مخالفة للآداب العامة، والمشكلة الأكبر تكمن في صلاحيات التحكم التي قد يحصل عليها المهاجم، وإذا كانت المنظومة تسمح بإدارة المحتوى عن بُعد، فهل توجد قيود تمنع استخدام هذه الصلاحيات في غير أغراضها؟ وهل يمكن للمسؤولين إيقاف شاشة معينة أو مجموعة شاشات بصورة فورية؟ وهل تخضع الملفات التي يتم رفعها إلى النظام لفحص أمني قبل بثها؟ وهل توجد آليات للتأكد من أن المحتوى الذي يصل إلى الشاشة هو بالفعل المحتوى الذي اعتمدته الجهة المسؤولة؟ هذه الأسئلة تمثل جوهر الحماية التقنية، لأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بمجرد الثقة في المنصة التي تقدم الخدمة، وإنما من خلال التحقق المستمر من سلامة كل عملية داخلها.
وتتطلب المواجهة أيضًا مراجعة شاملة لأساليب إدارة أنظمة العرض الرقمي، وفي مقدمتها تطبيق المصادقة متعددة العوامل لحماية الحسابات الإدارية، وتحديد صلاحيات العاملين وفقًا لطبيعة وظائفهم، وتشفير الاتصالات بين الخوادم وأجهزة العرض، واستخدام التوقيعات الرقمية للتأكد من سلامة الملفات قبل تشغيلها، فضلًا عن إجراء اختبارات اختراق دورية بواسطة جهات متخصصة ومستقلة، كما ينبغي إنشاء أنظمة مراقبة قادرة على اكتشاف الأنشطة غير المعتادة، مثل رفع ملفات خارج أوقات العمل، أو تغيير جداول العرض بصورة مفاجئة، أو تسجيل الدخول من مواقع وأجهزة غير مألوفة، وتزداد أهمية وجود آلية طوارئ تسمح بوقف البث فور اكتشاف أي نشاط مشبوه، مع الاحتفاظ بنسخة آمنة من المحتوى المعتمد يمكن العودة إليها عند الحاجة.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع حماية نفسها، فالعنصر البشري يظل أحد أهم عناصر القوة أو الضعف داخل أي منظومة إلكترونية، وقد تبدأ بعض الاختراقات برسالة تصيد إلكتروني تصل إلى موظف، أو كلمة مرور ضعيفة، أو إهمال في تحديث برنامج، أو منح صلاحيات واسعة دون مبرر، ولذلك فإن الاستثمار في تدريب العاملين ورفع وعيهم بمخاطر الأمن السيبراني يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من خطط المؤسسات، لا مجرد نشاط موسمي أو محاضرة شكلية، كما أن وجود فريق متخصص للاستجابة للحوادث، يمتلك صلاحيات واضحة وإجراءات محددة، يمثل ضرورة لا غنى عنها لأي شركة تدير بنية رقمية متصلة بالإنترنت.
وتقع على عاتق الجهات التنظيمية مسؤولية وضع إطار رقابي يواكب التطور المتسارع في مجال الإعلانات الرقمية، من خلال تحديد الحد الأدنى من اشتراطات الأمن السيبراني للشركات العاملة في هذا المجال، والتأكد من التزامها بإجراء مراجعات أمنية دورية، ووضع قواعد واضحة للإبلاغ عن الحوادث، مع تصنيف الشاشات بحسب مواقعها وطبيعة الجمهور الذي تتوجه إليه، والشاشات الموجودة في الميادين والطرق الرئيسية والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة تحتاج إلى مستويات من الرقابة والاستجابة تتناسب مع حجم انتشارها وتأثيرها، ومن المهم كذلك تعزيز التعاون بين الجهات المختصة بالأمن السيبراني والجهات المسؤولة عن تنظيم الإعلانات والاتصالات والأنشطة التجارية، لأن التحديات الرقمية لا يمكن التعامل معها من خلال جهة واحدة تعمل بمعزل عن بقية المؤسسات.
ولا يقل البعد المجتمعي أهمية عن البعدين التقني والتنظيمي، والمواطن الذي يشاهد محتوى غير لائق على شاشة عامة قد يشعر بالاستياء، وهذا رد فعل مفهوم، لكن التعامل مع الواقعة يجب أن يتجاوز الغضب اللحظي إلى إدراك طبيعة الخطر وضرورة مواجهته بوعي، كما ينبغي عدم إعادة تداول المقاطع المسيئة أو المساهمة في انتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لأن ذلك قد يحقق للمهاجمين انتشارًا أوسع من الذي تمكنوا من الوصول إليه من خلال الشاشة نفسها، ومن المهم أيضًا ألا تتحول الواقعة إلى مساحة للشائعات أو الاتهامات غير المستندة إلى أدلة، فالمسؤولية الوطنية تقتضي انتظار نتائج التحقيقات الفنية والقانونية، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والتفسيرات والاحتمالات.
وتحمل هذه الواقعة فرصة مهمة لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع التحول الرقمي، ونجاح الدولة في تطوير البنية التكنولوجية لا يقاس بعدد الخدمات الإلكترونية أو الشاشات الذكية أو التطبيقات الحديثة، وإنما بمدى قدرتها على ضمان استمرارية هذه الخدمات وحمايتها من التلاعب والاختراق، ومن هنا تأتي أهمية دعم الكفاءات الوطنية المتخصصة في الأمن السيبراني، وتطوير برامج التعليم والتدريب في هذا المجال، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز قدرات التحقيق الجنائي الرقمي، إلى جانب بناء شراكات دولية تقوم على تبادل الخبرات والمعرفة، دون التفريط في متطلبات الأمن الوطني وحماية المصالح المحلية.
إن شاشة محور 26 يوليو كانت نافذة صغيرة أطل منها المجتمع على قضية كبيرة تتعلق بأمن عالم أصبح جزء متزايد من تفاصيل حياتنا اليومية يدار عبر شبكات لا نراها، وما ينبغي أن نتعلمه من هذه الواقعة هو أن حماية الفضاء العام لم تعد مسؤولية من يراقبون الشوارع وحدهم، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمن يؤمنون الخوادم، ويحكمون صلاحيات الدخول، ويراقبون تدفق البيانات، ويتأكدون من سلامة المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، والمعركة الحقيقية ليست ضد التكنولوجيا، وإنما ضد سوء استخدامها وغياب الضوابط التي تحكمها، وإذا كنا نطمح إلى بناء مجتمع رقمي متقدم، فعلينا أن ندرك أن الثقة لا تُمنح للأنظمة الإلكترونية لمجرد أنها حديثة، بل تُكتسب من خلال قدرتها على الصمود أمام الاختراقات، وسرعة التعامل مع الأزمات، ووضوح المسؤولية والمحاسبة، عندها فقط تصبح التكنولوجيا أداة للتقدم والاستقرار، لا نافذة مفتوحة أمام مخاطر لا نعرف متى تأتي أو إلى أي مدى يمكن أن تصل.
اقرأ أيضًا:
الدكتور محمد عسكر يكتب: التجسس على الهواتف بين الحقيقة والتهويل
Short Url
القمة الروسية- الإفريقية والرهان الاقتصادي.. إفريقيا بين طموحات موسكو وواقع الأرقام
02 نوفمبر 2026 07:06 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: إدارة المخاطر جزء رئيسي من الإدارة الحديثة
02 نوفمبر 2026 06:53 م
رفع الفائدة 1% يعيد رسم خريطة الأسواق المصرية
01 نوفمبر 2026 07:51 م
أكثر الكلمات انتشاراً