الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

11:43 ص

30 مليار دولار على طاولة ترامب وشي بينج.. خريطة طريق جديدة لتشكيل الهدنة التجارية

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 10:06 ص

قمة ترامب وشي جين بينج

قمة ترامب وشي جين بينج

مي المرسي

تدخل الولايات المتحدة والصين جولة جديدة من المفاوضات التجارية قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في واشنطن، مع تحرك البلدين نحو ترتيب إطاري يستهدف خفض الرسوم الجمركية على سلع بقيمة نحو 30 مليار دولار في كل اتجاه، في محاولة لتثبيت الهدنة التجارية وتجنب العودة إلى موجة جديدة من التصعيد بين أكبر اقتصادين في العالم.

ولا تمثل التفاهمات المرتقبة اتفاقًا تجاريًا شاملًا، إذ تركز المباحثات الحالية على سلع غير حساسة استراتيجيًا، بينما تظل ملفات التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والمعادن الأرضية النادرة وسلاسل الإمداد محل خلاف بين واشنطن وبكين. ومن المقرر أن يلتقي ترامب وشي في واشنطن يوم 24 سبتمبر، فيما تسبق القمة مفاوضات يقودها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ.

30 مليار دولار لكل جانب.. ما حجم الصفقة فعليًا؟

يقوم الإطار المقترح على تخفيض الرسوم الجمركية المتبادلة على سلع تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار لكل جانب، أي أن إجمالي السلع التي قد تشملها الترتيبات في الاتجاهين يبلغ نحو 60 مليار دولار إذا نُفذت بالكامل.

وتأتي الخطوة ضمن آلية مجلس التجارة الأمريكي- الصيني الذي اتفق البلدان على إنشائه خلال القمة التي جمعت ترامب وشي في بكين في مايو الماضي، بهدف معالجة قضايا الوصول إلى الأسواق وتوسيع التجارة من خلال إطار متبادل لتخفيض الرسوم. وأكدت الصين في يوليو أنها تجمع آراء الشركات والجهات المحلية بشأن ترتيبات خفض الرسوم على تجارة تبلغ نحو 30 مليار دولار.

لكن حجم السلع المستهدف يحتاج إلى وضعه في سياق التجارة الفعلية بين البلدين. فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، بلغت صادرات السلع الأمريكية إلى الصين 105.98 مليار دولار في 2025، مقابل واردات أمريكية من الصين بلغت 308.65 مليار دولار، ليسجل العجز التجاري الأمريكي مع الصين نحو 202.67 مليار دولار.

وبحسب هذه الأرقام، فإن حزمة الـ30 مليار دولار تعادل نحو 28.3% من قيمة الصادرات الأمريكية إلى الصين في 2025، بينما تمثل نحو 9.7% من قيمة الواردات الأمريكية من الصين. أما إذا جرى النظر إلى قيمة التجارة الثنائية من الجانب الأمريكي، والبالغة نحو 414.6 مليار دولار في 2025، فإن 30 مليار دولار تعادل قرابة 7.2% من إجمالي التجارة السلعية بين البلدين.

أمريكا والصين

الصين تصدر أكثر من 300 مليار دولار إلى أمريكا

تكشف أرقام التجارة عن الفارق الكبير بين اتجاهي العلاقة التجارية. ففي 2025 استوردت الولايات المتحدة سلعًا صينية بقيمة تتجاوز 308 مليارات دولار، بينما لم تتجاوز صادراتها إلى الصين 106 مليارات دولار، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من تركيز الإدارة الأمريكية على تقليص العجز التجاري.

وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي استمرار الفجوة؛ إذ بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين نحو 65.17 مليار دولار، مقابل واردات بقيمة 156.39 مليار دولار، ليصل العجز خلال الفترة إلى نحو 91.22 مليار دولار.

وفي المقابل، أظهرت بيانات الجمارك الصينية أن الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة بلغ 29.18 مليار دولار في أغسطس 2026، بعدما قفزت الصادرات الصينية إلى السوق الأمريكية بنسبة 34.4% على أساس سنوي، مقابل زيادة الواردات من الولايات المتحدة بنسبة 17.8%، وتوضح هذه الأرقام أن الخلاف حول التجارة لا يزال أوسع بكثير من حزمة الرسوم المقترحة.

الزراعة الأمريكية في قلب المفاوضات

تمثل المنتجات الزراعية أحد أبرز الملفات التي تسعى واشنطن إلى دفعها خلال المفاوضات، خاصة أن الصادرات الزراعية الأمريكية إلى الصين تعرضت لضربة قوية خلال جولات التصعيد السابقة.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية التي نقلتها رويترز، تراجعت صادرات المنتجات الزراعية الأمريكية إلى الصين بنسبة 65.7% خلال 2025 إلى نحو 8.4 مليار دولار، بعدما أثرت الرسوم المتبادلة في حركة التجارة الزراعية. كما تراجعت حصة الولايات المتحدة من واردات الصين من فول الصويا من نحو 41% في 2016 إلى قرابة 20% في 2024.

وفي مايو 2026، أعلنت واشنطن أن الصين تعهدت بشراء ما لا يقل عن 17 مليار دولار سنويًا من المنتجات الزراعية الأمريكية خلال 2026 و2027 و2028، بخلاف تعهدات شراء فول الصويا التي تم الاتفاق عليها في وقت سابق. ويعطي هذا الملف الزراعة الأمريكية وزنًا أكبر في أي صفقة تجارية جديدة، خصوصًا مع رغبة واشنطن في تحويل خفض الرسوم إلى زيادة ملموسة في المشتريات الصينية.

الغاز الطبيعي المسال يعود إلى طاولة ترامب وشي

يمثل الغاز الطبيعي المسال الأمريكي ملفًا آخر مرشحًا لتحقيق تقدم، بعدما تضررت تجارة الغاز بين البلدين بشدة بسبب الرسوم، وتناقش واشنطن وبكين إمكانية خفض أو إلغاء التعريفة الصينية البالغة 15% على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، وهي رسوم فُرضت في فبراير 2025 وردًا على الرسوم الأمريكية على السلع الصينية، وأسهمت عمليًا في وقف تدفقات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى الصين لفترة طويلة.

وتزداد أهمية الملف مع توسع صناعة الغاز الأمريكية؛ إذ من المتوقع أن ترتفع طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية بنحو 10 مليارات قدم مكعبة يوميًا حتى 2027، بينما تبلغ الطاقة غير المتعاقد عليها بعقود طويلة الأجل نحو 24.5 مليون طن سنويًا من إجمالي الطاقة قيد الإنشاء، وفق بيانات وتحليلات نقلتها رويترز.

كما ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية في النصف الأول من 2026 بنسبة 23% على أساس سنوي، إلى متوسط بلغ 17.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ولذلك فإن عودة الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى شراء الغاز الأمريكي تمثل فرصة للمصدرين الأمريكيين بالتزامن مع توسع طاقة التصدير.

قمة ترامب وشي فى بكين

200 طائرة بوينج.. ورقة أخرى على طاولة القمة

لا تقتصر التفاهمات على الرسوم الجمركية، إذ تمثل المشتريات الصينية من الشركات الأمريكية أحد الملفات الاقتصادية الرئيسية في القمة.

أعلنت الصين في مايو التزامًا بشراء 200 طائرة من بوينج، في صفقة تمثل أول طلب صيني كبير من الشركة الأمريكية منذ قرابة عشر سنوات. وبحلول 21 سبتمبر، قال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير إن نحو 140 طائرة من الطلبات أصبحت في وضع جيد، فيما يجري توثيق طلبات إضافية لنحو 10 طائرات.

الصين تدخل القمة بفائض تجاري يتجاوز تريليون دولار

تأتي المفاوضات في وقت يتمتع فيه القطاع الخارجي الصيني بزخم قوي نسبيًا، رغم ضعف الطلب المحلي وتراجع سوق العقارات.

ففي أغسطس 2026، قفزت صادرات الصين بنسبة 25% على أساس سنوي، بينما ارتفعت الواردات بنسبة 28.2%. وسجل الفائض التجاري الصيني خلال الشهر نحو 119.09 مليار دولار، بينما بلغ الفائض خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نحو 805.51 مليار دولار، ما يضع الصين على مسار لتجاوز تريليون دولار من الفائض التجاري خلال العام الثاني على التوالي.

وفي قطاع التكنولوجيا، ارتفعت صادرات المنتجات عالية التقنية الصينية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 بنسبة 42.9% بالقيمة الدولارية، بينما زادت قيمة صادرات أشباه الموصلات بأكثر من الضعف، في مؤشر على أن الطلب العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي أصبح أحد محركات الصادرات الصينية.

التكنولوجيا وأشباه الموصلات.. الخلاف الأكبر خارج صفقة الـ30 مليار دولار

رغم التركيز على التجارة والرسوم، فإن الملفات الأكثر حساسية اقتصاديًا تقع خارج نطاق حزمة الـ30 مليار دولار، وتظل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة من أبرز نقاط الخلاف بين البلدين، إلى جانب المعادن الأرضية النادرة وسلاسل الإمداد. وتعمل واشنطن على تقييد وصول الصين إلى بعض التقنيات المتقدمة، بينما تمتلك بكين نفوذًا واسعًا في سلاسل توريد المعادن والمدخلات الصناعية الحيوية.

ولهذا تركز المفاوضات الحالية بصورة أكبر على السلع غير الحساسة استراتيجيًا، مع الإبقاء على القيود المرتبطة بالأمن القومي والتكنولوجيا المتقدمة. وكانت رويترز قد أشارت في مايو إلى أن التحول الأساسي في المفاوضات يتمثل في التركيز على أهداف تجارية رقمية في القطاعات غير الاستراتيجية، بدلًا من محاولة إعادة تشكيل النموذج الاقتصادي الصيني بالكامل.

من حرب الرسوم إلى هدنة مؤقتة

لم تصل العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين إلى مرحلة التهدئة الحالية بسهولة. فقد بدأت جولة التصعيد الجديدة في فبراير 2025 بفرض الولايات المتحدة رسومًا بنسبة 10% على السلع الصينية، قبل أن ترتفع الرسوم المرتبطة بملفات أخرى إلى مستويات أعلى، وردت الصين بإجراءات مماثلة وقيود على بعض صادرات المعادن.

وفي أبريل 2025 وصلت الرسوم المتبادلة إلى مستويات بلغت 125% في ذروة التصعيد، قبل أن تقود مفاوضات جنيف في مايو إلى خفض الرسوم الأمريكية على السلع الصينية من 145% إلى 30%، وخفض الرسوم الصينية على السلع الأمريكية من 125% إلى 10% ضمن هدنة مؤقتة جرى تمديدها لاحقًا.

ثم توصل ترامب وشي إلى هدنة جديدة في أكتوبر 2025، تضمنت خفضًا إضافيًا لبعض الرسوم مقابل إجراءات صينية تتعلق بمشتريات المنتجات الزراعية والمواد الأولية المرتبطة بالفنتانيل، وتعليق بعض القيود الصينية على صادرات المعادن الأرضية النادرة. ومن المقرر أن تنتهي الهدنة الحالية في 10 نوفمبر 2026، ما يضع قمة واشنطن في توقيت حساس للغاية بالنسبة لمستقبل التجارة بين البلدين.

30 مليار دولار.. خطوة لتهدئة التجارة لا لإنهاء الحرب الاقتصادية

تكشف الأرقام أن حزمة الـ30 مليار دولار مهمة من الناحية التجارية، لكنها لا تمثل إعادة صياغة كاملة للعلاقة الاقتصادية بين واشنطن وبكين. فحتى إذا نُفذت الترتيبات بالكامل، فإن قيمة السلع المشمولة في كل اتجاه تعادل نحو 7.2% من إجمالي التجارة السلعية الأمريكية-الصينية وفق بيانات الجانب الأمريكي لعام 2025، بينما تبقى ملفات العجز التجاري والتكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن الأرضية النادرة وسلاسل الإمداد خارج نطاق التسوية الشاملة.

كما أن أهمية الاتفاق لا تقاس بقيمة السلع وحدها، وإنما بقدرته على منع عودة الرسوم إلى مستويات التصعيد التي شهدها 2025. وفي هذا السياق، تشير المعطيات الحالية إلى أن هدف القمة الأقرب هو تثبيت الهدنة وإدارة الخلافات، وليس إنهاء المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية بين أكبر اقتصادين في العالم.

ومع اقتراب قمة ترامب وشي في واشنطن، تتحول الـ30 مليار دولار من مجرد رقم في المفاوضات إلى اختبار لقدرة البلدين على بناء آلية تجارية أكثر استقرارًا؛ آلية تسمح بزيادة تدفقات الزراعة والطاقة والسلع الاستهلاكية، من دون أن تمتد بالضرورة إلى الملفات الأكثر حساسية في التكنولوجيا والأمن القومي.

اقرأ أيضًا:

أسهم التكنولوجيا تقود مكاسب آسيا.. والدولار يقترب من أعلى مستوى في 7 أسابيع

إنفيديا: مصر تملك مقومات التحول إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي

صندوق النقد: احتياطيات مصر عند مستويات قوية مع عودة المستثمرين وانخفاض مخاطر الديون

الدولار يقترب من 160 ينًا وسط ترقب قرارات بنك اليابان والفيدرالي

النفط يرتفع قبيل محادثات محتملة بين أمريكا وإيران

Short Url

search