الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

06:05 م

روسيا تدق طبول الحرب الكبرى.. وبولندا مصدر الشرارة الأولى دائمًا

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 04:06 م

محمد أحمد طنطاوي

محمد أحمد طنطاوي

بقلم محمد أحمد طنطاوي

"هدفنا ليس الوصول إلى خط ما، بل تدمير العدو وإبادته، وقد أعطيت أمراً وسأرد بالرصاص لتدمير العنصر البولندي وتخريبه"، أدولف هتلر (20 أبريل 1889 – 30 أبريل 1945)، زعيم ألمانيا النازية الشهير، وقد تفوه بهذه العبارة في خطاب لقادته العسكريين قبل أيام من الحرب العالمية الثانية، وبدء عملية احتلال واسعة لشمال وغرب بولندا.
المفارقة أن شهر سبتمبر دائمًا يحمل المفاجآت، فقد كان شاهدًا على بداية الحرب العالمية الثانية وكذلك نهايتها، وقبل الأول من أيلول عام 1939، نفذت ألمانيا عملية مخابراتية شهيرة عرفها التاريخ بعملية "المعلبات"، حيث تم احتلال راديو "جلايفيتز"، على الحدود الألمانية البولندية من خلال جنود ألمان -  قوات الأمن الخاصة النازية (SS) - ، يرتدون ملابس الجيش البولندي، وبعد احتلال الإذاعة من جانبهم، سيطروا على الميكروفون وأذاعوا بياناً قصيراً باللغة البولندية يعلنون فيه احتلال المحطة من قبل القوات البولندية، داعين إلى الثورة ضد الألمان، ليعلن هتلر في صباح 1 سبتمبر 1939، عملية عسكرية كبرى لغزو بولندا، وتشتعل معها الحرب العالمية الثانية. 

ومن محطة إذاعية صغيرة في أقصى الحدود الشرقية لألمانيا، بدأ هتلر اجتياح كامل للأراضي البولندية بـ 1.5 مليون جندي، وخلال أسبوع واحد فقط وصلت الحشود إلى مشارف العاصمة وارسو، لتبدأ واحدة من أضخم الحروب التي شهدها الكوكب حتى الآن، راح ضحيتها على مدار 6 سنوات ما يقرب من 60 مليون نسمة ما بين مدنيين وعسكريين. 
ما أشبه اليوم بالبارحة، خريف سبتمبر جديد، وبولندا تتصدر المشهد مرة أخرى بعد 87 عامًا، بتصريحات عدائية ضد روسيا، تدعى القدرة على تحطيم موسكو وتدمير أراضيها، على طريقة "أفلام الأكشن"، وهو ما يشي أنه بين عشية وضحاها قد تنطلق شرارة الحرب العالمية الثالثة، التي وعد سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسية، بأنها ستكون قصيرة وسريعة، ربما لا تتجاوز 3 أيام، إذا ما تم استخدام الرؤوس النووية، ذات القوة التدميرية الهائلة، والصواريخ الاستراتيجية، التي تستطيع الدوران حول الكرة الأرضية، دون أن تحيد عن أهدافها، أو تفقد مسارات توجيهها، والأمثلة كثيرة مثل "سارمات" و " توبول إم " و " يارس" وغيرها، مخبوءة داخل الصوامع الروسية المحصنة، وقد تكون جاهزة للانطلاق في أي وقت، ردًا على أي هجوم أوروبي مشترك. 

الضربات التي توجهها أوكرانيا داخل العمق الروسي، وصلت إلى العاصمة موسكو، ودمرت مصفاة رئيسية للنفط، ومنشآت سكنية مدنية، بعد هجمات نوعية لنحو 1600 مسيرة في توقيت واحد، بالأمس القريب، من أجل إفقاد الدب الروسي قدرته على الصد والقتال، وإنهاك ما لديه من مخزون استراتيجي لصواريخ ومعدات الدفاع الجوي، لكن أوكرانيا لم تضبط حسابتها بصورة دقيقة، بعدما فقدت أهم عنصر خلال المواجهات على مدار سنوات من الحرب مع الروس، يتمثل في عدم قصف "الأهداف المدنية"، أو الاقتراب من المنشآت الحيوية، التي كانت تحرص موسكو على تفادي ضربها داخل العاصمة كييف، لكن فصلًا جديدًا من الحرب قد يبدأ خلال الأيام، ربما الساعات المقبلة، بضربات عنيفة، لتدمر مدن ومناطق بمساحات واسعة داخل العاصمة كييف، وقد تمتد لكامل الأراضي الأوكرانية، وجارتها من الحدود الغربية "بولندا"، إذا تطور المشهد وفقدت موسكو أعصابها. 

الأمر ليس مجرد أن تدخل روسيا بقوة على خط الحرب، لكنه أزمة في إمدادات عشرات ومئات السلع الاستراتيجية حول العالم، بداية من مصادر الطاقة مثل البترول والغاز والفحم والأسمدة، ثم المعادن والحبوب والمواد الغذائية، في الوقت الذي يعيش فيه الشرق الأوسط أزماته المتتالية مع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي أربكت حسابات العالم، ورفعت أسعار الطاقة إلى أعلى مستوى خلال 10 سنوات، ما يجعل القضية أكثر تعقيدًا بين آسيا وأوروبا، في مسرح عمليات هو الأكبر في العالم. 

التبعات الاقتصادية للحرب المحتملة بين روسيا وأوكرانيا من جانب، والسيناريو الأسوأ حال تدخل أوروبا أو أمريكا وحلف الناتو من جانب آخر، سيجعل التضخم الذي لم تخمد ناره على مدار سنوات، يتجدد في الاشتعال مرة أخرى بقوة أكبر، وأداء أفدح، خاصة على الاقتصادات الناشئة، والدول التي تعتمد في جزء كبير من وارداتها على روسيا وأوروبا مثل مصر، الأمر الذي يتطلب سيناريوهات أكثر حكمة للتعامل مع الأزمة، بالإضافة إلى إطلاع الرأي العام على المستجدات أولًا بأول، والاستعداد للسيناريوهات والبدائل التي تحد من الخسائر المحتملة.

يجب أن تكون تقديرات الموقف المصري للأزمة الروسية الأوكرانية حاضرة ودقيقة، إلى جانب الحلول والأولويات والأفكار غير التقليدية، التي لا يجب أن تبدأ بموجات من ارتفاعات للأسعار، أو حالة من الاستغلال والاحتكار، أو ذريعة لتنفيذ سياسات من شأنها الضغط على المواطنين، لاسيما أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن في الوقت الراهن لا تحتمل إجراءات استثنائية أو تقشف وشد الحزام، بل حلول غير تقليدية، تدفع نحو الخروج من الأزمة المتوقعة بأقل خسائر ممكنة، وأظن أن الحفاظ على مستويات مقبولة من سعر صرف العملة الوطنية بات قضية أمن قومي لحماية الطبقات الاجتماعية الكبرى من الانهيار والفقر والتآكل، ويكفيهم ما حدث خلال السنوات الخمس الماضية.

اقرأ أيضًا:

القطاع العقاري في مصر.. حلول ممكنة وإنعاش عاجل قبل فوات الأوان

محمد طنطاوي: سقوط الذهب من عرش "الملاذات الآمنة"

Short Url

search