الجمعة، 06 نوفمبر 2026

02:29 م

د. نجلاء صقر تكتب: الهندسة الوراثية للتراث.. درع أمان لحماية الأوطان من التغيرات المناخية

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 12:59 م

الدكتورة نجلاء صقر

الدكتورة نجلاء صقر

تُمثل الهندسة الوراثية للمحاصيل حجر الزاوية في عمق الأمن القومي الحديث، لضمان سيادة الدول واستقلال قرارها السياسي، ففي ظل التغيرات المناخية الحادة، وتوظيف بعض القوى للهندسة الوراثية كأداة ضغط في الحروب الحديثة، ظهرت مدى أهمية تكنولوجيا الجينات، لتحتل مكانة خط دفاع استراتيجي يحمي الشعوب من التبعية ويصوغ لها مستقبلا آمنا.

أولا: السيادة البيئية.. الأمن الحيوي في ظل تحديات الساعة

تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن تحصين الأمن القومي الغذائي وتعزيز الاكتفاء الذاتي هما العمق الحقيقي لاستقرار الدول، وهنا تتجلى أهمية السيادة البيئية في قدرة المجتمعات على تأمين احتياجاتها الأساسية؛ عبر استدامة الإمدادات بإنتاج سلالات بذور مقاومة للجفاف والملوحة، ورفع الإنتاجية لحماية الأسواق من صدمات الأسعار العالمية.

وعلى الصعيد ذاته، أبرزت الصدمات الجيوسياسية الأخيرة في العالم، كالأزمة الروسية الأوكرانية، أهمية تعزيز الحصانة الذاتية في مواجهة تقلبات سلاسل الإمداد الخارجية؛ حيث تشير الأطروحات العلمية للمفكرة البيئية "فاندانا شيفا" إلى أن الحفاظ على الأصول الوراثية وبنوك الجينات الوطنية هو الركيزة الأساسية للحفاظ على الامن الحيوي للدول، ومن هنا، يبرز دور البحث العلمي والهندسة الوراثية الوطنية كأداة استراتيجية لتطوير وتأمين السلالات المحلية.

ثانيا: الوعي الوطني والتكنولوجيا.. حراسة البصمة الجينية

ان النهج الوطني الواعي يتجاوز مجرد الاعتماد على السلالات المستحدثة، ليتجه ببراعة نحو إحداث "دمج عبقري" بين أصالة التراث وثورة العلم الحديث عبر تقنيات التحرير الجيني المتقدمة لتحسين إنتاجيتها ومقاومتها للأمراض والجفاف.

ومن منطلق خطورة التحدي الأكبر المتمثل في احتكار الشركات الكبرى لشرائح وبراءات اختراع البذور المعدلة وراثياً، حيث تسيطر كيانات عالمية معدودة على السوق لفرض ضغوط اقتصادية على الدول النامية؛ يبرز الدور المحوري للوعي الوطني في دفع الحكومات نحو بناء مراكز بحثية وطنية مستقلة لامتلاك هذه التكنولوجيا وتوطينها سياديا.

ثالثا: مصر والسيادة الحيوية.. نماذج الصمود في وجه التبعية البيولوجية

تتعدد التجارب الدولية والوطنية بنماذج واقعية تثبت فاعلية هذا النهج الاستراتيجي القائم على الابتكار والتحصين، وفي مقدمتها النموذج المصري الذي يرسخ دعائم السيادة الحيويةتُقدم الدولة المصرية نموذجاً إقليمياً رائداً في حماية الأصول الوراثية وتوطين التكنولوجيا الحيوية؛ من خلال إنشاء بنوك الجينات الوطنية المتطورة، وإطلاق المشروعات القومية الكبرى لاستنباط سلالات مصرية خالصة من المحاصيل الاستراتيجية (كالقمح وقدرتها الاستثنائية على تحمل الإجهاد المائي والملوحة)، فضلاً عن التوسع في مراكز البحوث الزراعية التي تدمج العلم الحديث بالتراث الزراعي المحلي، ويدعم خطط الاستدامة بكفاءة عالية.

النماذج العربية الشقيقة

تتجلى جهود التعاون الإقليمي مع الأشقاء كما في المملكة العربية السعودية في توطين أبحاث الحفاظ على نخيل التمر والأصناف النباتية المقاومة للملوحة الشديدة، إلى جانب الشراكة الفاعلة مع المؤسسات العربية والدولية (مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية "إيكاردا") لحماية الأصول الوراثية للمحاصيل الحقلية.

بيرو (نموذج النجاح التراثي العالمي)

تُعد بيرو نموذجاً دولياً يُحتذى به في حظر بذور الشركات العابرة للقارات، وتوجيه أبحاثها الوطنية لحفظ آلاف الأصناف من المحاصيل التراثية الأصلية وذلك لحمايتها من الاحتكار الخارجي.

الاستباق الوطني وحماية المسار الحيوي للأصول الوراثية

تؤكد قراءة هذه النماذج أن النهج الاستباقي الواعي الذي تبنته الدولة المصرية بوعي مبكر قد تجاوز مسبقاً أي تحديات مرتبطة بالاعتماد على الخارج؛ إذ إن الاستثمار المؤسسي في توطين التكنولوجيا وبنوك الجينات الوطنية يشكل درعاً منيعاً يحصن المنظومة الزراعية ضد أي صدمات بيئية مفاجئة.

رابعا: البصمة الوراثية وحماية التراث

واستكمالاً لهذه المسيرة الوطنية الرائدة، تتكامل منظومة البحث العلمي الزراعي في مصر مع أفق استراتيجي أوسع يدمج قواعد بيانات البصمة الوراثية للنباتات بالتحول الرقمي المتكامل؛ حيث تحولت حماية التراث الجيني إلى "أمن معلوماتي حيوي" تحرسه مراكز وطنية متخصصة تضمن امتلاك شفرات الحياة النباتية وتأمينها سيبرانياً وبحثياً.

إن التعامل مع الهندسة الوراثية لا يجب أن يُرى كرفاهية اقتصادية أو استيراد عابر، بل كـ "عقيدة أمنية حيوية" لحفظ بقاء الدول، فحماية الوجود الجيني للدولة وحفظ بصمتها الوراثية في أراضيها هو الامتداد الحقيقي لعهد الأجداد في حماية السيادة؛ لتظل هذه العقيدة درعاً منيعاً يحفظ للأوطان استقرارها ومستقبلها الآمن.

Short Url

search