الخميس، 05 نوفمبر 2026

07:54 م

رقية الأشرم تكتب: الانتخابات الأمريكية 2026.. زلزال ديمقراطي يعيد رسم موازين الاقتصاد العالمي

الخميس، 05 نوفمبر 2026 06:57 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

من وول ستريت إلى مضيق هرمز، ومن صراع واشنطن وطهران إلى صعود التمثيل العربي والإسلامي داخل الكونجرس.. هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ السياسي والاقتصادي؟.


لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد استحقاق انتخابي تقليدي، بل جاءت بمثابة اختبار حقيقي لشعبية الرئيس دونالد ترامب، ولقدرة الحزب الجمهوري على الاستمرار في تمرير مشروعه السياسي والاقتصادي، في ظل تصاعد الضغوط المعيشية، وارتفاع تكلفة الصراعات الخارجية، وتزايد القلق من القرارات التجارية والمالية للإدارة الأمريكية.


وجاءت النتيجة بما يشبه الزلزال السياسي؛ إذ نجح الحزب الديمقراطي في انتزاع الأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ، في تحول يعيد تشكيل المشهد التشريعي الأمريكي خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب. ولم يكن هذا التحول مجرد انتصار انتخابي للديمقراطيين، بل رسالة من قطاعات واسعة من الناخبين بشأن تكلفة المعيشة، والحرب مع إيران، وأداء الإدارة الأمريكية.

وول ستريت تقرأ الرسالة.. السياسة تتحول إلى أرقام
 

تتعامل أسواق المال مع الانتخابات الأمريكية باعتبارها مؤشراً على مستقبل السياسات النقدية والمالية والتجارية، وليس مجرد تنافس حزبي، فالأسواق لا تبحث بالضرورة عن الحزب الذي يحقق أكبر عدد من المقاعد، وإنما تبحث عن القدرة على التنبؤ بالقرارات، واستقرار التشريعات، ووضوح قواعد الاستثمار.


ومن هنا يمكن فهم رد فعل الأسواق عقب الفوز الديمقراطي؛ فقد ارتفع مؤشر S&P 500 بنحو 1.6%، وصعد مؤشر داو جونز بنحو 3% في جلسة الأربعاء، بينما تراجعت أسعار النفط بصورة حادة، وانخفضت عوائد السندات الأمريكية، مع تراجع الدولار وارتفاع الذهب.

وبالتالي قد نشهد مرحلة من الاشتباك المؤسسي بين البيت الأبيض والكونجرس، بما ينعكس على قرارات الضرائب والإنفاق العام والطاقة والاستثمار والتجارة الدولية.


وهنا تظهر معادلة مهمة: كلما تراجعت القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية، ارتفعت علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون.
 

 قرارات ترامب والاقتصاد الأمريكي.. من الحماية التجارية إلى تكلفة عدم اليقين


اعتمد ترامب في مشروعه الاقتصادي على إعادة ترتيب العلاقات التجارية، واستخدام الرسوم الجمركية والضغط التجاري لتحقيق مكاسب تفاوضية، إلى جانب دعم قطاعات صناعية بعينها وتوسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي.


لكن هذه السياسة تحمل وجهين اقتصاديين" الوجه الأول يتمثل في حماية بعض الصناعات الأمريكية وتعزيز قدرتها التنافسية، أما الوجه الآخر فيتمثل في احتمال ارتفاع تكلفة الواردات، وزيادة الضغوط التضخمية، وتعقيد حسابات الشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد دولية، والاستثمار بطبيعته لا يحب المفاجآت المتكررة.

وعندما تتحول هذه القواعد إلى أدوات تفاوض تتغير باستمرار، فإن المستثمر قد يؤجل قراره أو ينقل جزءاً من استثماراته إلى أسواق أكثر استقراراً.


ومن هنا فإن خسارة الجمهوريين للأغلبية لا تعني تلقائياً إلغاء سياسات ترامب، لكنها تفتح الباب أمام مراجعتها، وتعطيل بعضها، وفرض رقابة أكبر على تكلفتها الاقتصادية.


 إيران.. هل تتحول نتيجة الانتخابات إلى بوابة لوقف الحرب؟


ربما يكون الملف الإيراني هو الأكثر حساسية في قراءة نتائج هذه الانتخابات، ليس فقط بسبب انعكاساته العسكرية والسياسية، ولكن بسبب ارتباطه المباشر بأسعار الطاقة والتجارة العالمية.


فالحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أصبحت أحد العوامل المؤثرة في أسواق النفط، وحركة الملاحة، وتكاليف التأمين والشحن، فضلاً عن تأثيرها على توقعات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا.


وقد أشارت وكالة رويترز إلى أن نتيجة الانتخابات عززت رهانات بعض المستثمرين على تراجع احتمالات التصعيد الأمريكي، وأن أسعار النفط هبطت بقوة مع توقعات بإمكانية الوصول إلى تسوية أو إنهاء الحرب، لكن يجب التمييز بين رغبة الأسواق في التهدئة وبين تحقق التسوية السياسية.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن أي تراجع في احتمالات المواجهة يفتح المجال أمام استقرار أكبر في أسواق الطاقة والاستثمار، ويمنح اقتصادات المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن استمرار التوتر أو تعثر التفاوض قد يعيد المخاطر إلى أسواق النفط والشحن والتأمين.


الشرق الأوسط بين حسابات واشنطن ومصالح المنطقة العربية
 

لا يمكن قراءة نتائج الانتخابات الأمريكية بمعزل عن الشرق الأوسط، فالمنطقة ليست مجرد ساحة صراع سياسي، وإنما مركز رئيسي للطاقة والتجارة والممرات البحرية والاستثمارات الدولية، وأي تغير في توجهات واشنطن تجاه إيران وإسرائيل ودول الخليج ينعكس على حسابات المستثمرين الدوليين.
بالنسبة للسعودية ودول الخليج، فإن الأولوية الاقتصادية تتمثل في استقرار البيئة الإقليمية، وحماية الاستثمارات الكبرى، وضمان استمرار مشروعات التنويع الاقتصادي.

وبالنسبة لمصر، فإن المسألة تتجاوز أسعار النفط؛ إذ ترتبط بأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة عبر قناة السويس، وتكاليف الطاقة، والاستثمارات الأجنبية، واستقرار المنطقة المحيطة بها.

لذلك فإن أي تحول في السياسة الأمريكية تجاه إيران لن يكون شأناً أمريكياً داخلياً فقط، بل سيكون له أثر مباشر على حسابات الاقتصاد العربي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تتجه واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط، أم أن الخلاف بين البيت الأبيض والكونجرس سيضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد؟.

الصعود العربي والإسلامي داخل الكونجرس.. تحول انتخابي أم رسالة سياسية؟


من أبرز المفاجآت التي حملتها الانتخابات وصول عدد قياسي من المسلمين إلى الكونجرس الأمريكي، فوفقاً لما نشرته Religion News Service في الرابع من نوفمبر، فاز سبعة مسلمين بمقاعد في الكونجرس، ستة في مجلس النواب وواحد في مجلس الشيوخ، وكان من أبرزهم عبدول السيد، المنحدر من أسرة مصرية مهاجرة، والذي أصبح أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، وفق التقرير. 
هذه النتيجة تحمل دلالات تتجاوز عدد المقاعد.
فهي تعكس اتساع المشاركة السياسية للمجتمعات المسلمة والعربية داخل الولايات المتحدة، وقدرة هذه المجتمعات على الانتقال من مرحلة الحضور الاجتماعي والاقتصادي إلى التأثير في المؤسسات التشريعية.

والقراءة الأكثر دقة هي أن صعود هذه الشخصيات يمثل تطوراً في التمثيل السياسي والتعددية داخل المجتمع الأمريكي، وقد يفتح مجالاً أوسع للنقاش حول القضية الفلسطينية والعلاقات الأمريكية بالشرق الأوسط، لكن حجم تأثيره الحقيقي سيتحدد من خلال مواقفهم وتصويتهم التشريعي، لا من خلال أسمائهم أو خلفياتهم وحدها.


 أوروبا والصين والأسواق الناشئة.. من المستفيد من التغير الأمريكي؟


لا تتوقف انعكاسات الانتخابات عند الحدود الأمريكية، فأوروبا تراقب أي تحول في السياسة التجارية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالرسوم الجمركية والطاقة والتعاون الصناعي.


أما الصين، فتتابع بدقة مستقبل المواجهة التجارية والتكنولوجية مع واشنطن، ومدى قدرة الكونجرس الجديد على التأثير في قرارات الإدارة الأمريكية.


وبالنسبة للأسواق الناشئة، فإن تراجع الدولار وأسعار الطاقة قد يمنح بعض الاقتصادات فرصة لتقليل تكلفة الواردات والتمويل، لكن ذلك لا يمثل ضمانة دائمة؛ لأن أسعار الفائدة الأمريكية، والدين العام، وحركة رؤوس الأموال تظل عوامل أساسية في تحديد اتجاهات الاستثمار.

وهذا يوضح أن المستثمرين لا يتعاملون مع نتيجة الانتخابات باعتبارها خبراً سياسياً فقط، بل يعيدون تقييم مستقبل قطاعات كاملة وفقاً للسياسات المحتملة.


الخلاصة: أمريكا أمام اختبار جديد.. والاقتصاد هو الحكم النهائي، فإن ما حدث في انتخابات نوفمبر 2026 لا يمثل مجرد انتقال للأغلبية داخل الكونجرس من حزب إلى آخر، بل يكشف عن اتساع الفجوة بين أولويات الإدارة الأمريكية وتوقعات قطاعات من الناخبين.


لقد أعاد الناخب الأمريكي طرح أسئلة تتعلق بتكلفة المعيشة، وحدود التدخل العسكري، واستقرار السياسات الاقتصادية، وطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات التشريعية.


أما ترامب، فهو لا يزال يمتلك أدوات الرئاسة، لكنه بات أمام كونجرس يستطيع تعطيل جانب مهم من برنامجه، وفتح ملفات الرقابة والتحقيق، وفرض حسابات جديدة على قراراته.


وفي الشرق الأوسط، تظل إيران وإسرائيل وأمن الخليج والممرات البحرية عناصر أساسية في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، أما الوجود العربي والإسلامي المتزايد داخل الكونجرس، فهو تطور يستحق المتابعة، ليس باعتباره دليلاً على ترتيبات خفية، وإنما باعتباره تحولاً في الخريطة السياسية الأمريكية قد تكون له انعكاسات على النقاشات المتعلقة بالشرق الأوسط.

Short Url

search