الجمعة، 18 سبتمبر 2026

10:36 م

«صدمة الـ5 تريليونات دولار».. الصين تقلب الطاولة على رسوم ترامب وتوجه الدفة لمصر

الجمعة، 18 سبتمبر 2026 09:43 م

بدء تأسيس مصنع صيني في مصر - صورة ارشيفية

بدء تأسيس مصنع صيني في مصر - صورة ارشيفية

قدمت أحدث بيانات التجارة الصينية، رداً قوياً يدحض فكرة أن الرسوم الجمركية وحدها قادرة على كبح جماح أكبر قوة تصنيعية في العالم، إذ بلغ حجم تجارة السلع الصينية 34.78 تريليون يوان (ما يعادل نحو 5.13 تريليون دولار) خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مسجلاً زيادة سنوية بنسبة 17.6%، إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 14.6% لتصل إلى 20.17 تريليون يوان، في حين قفزت الواردات بنسبة 22% لتصل إلى 14.61 تريليون يوان. وفي شهر أغسطس وحده، بلغ إجمالي حجم التجارة 4.65 تريليون يوان، بزيادة قدرها 19.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتُظهر هذه الأرقام أن الآلة التجارية الصينية واصلت توسعها رغم تصاعد القيود والحواجز الجمركية، غير أن هذه الأرقام الإجمالية تتطلب وضعها في سياقها الصحيح، فالقوة العامة للتجارة لا تعني أن الرسوم الجمركية لم يكن لها أي تأثير، كما أنها لا تعني بالضرورة أن صادرات الصين قد زادت إلى جميع الأسواق.

التنين يجد مسارات جديدة لتجاوز الجدران

واتسم رد الصين على الضغوط التجارية بالاعتماد المتزايد على استراتيجية التنويع، فبدلاً من الاعتماد حصرياً على الأسواق الأمريكية والأوروبية، وسّع المصنعون الصينيون نطاق حضورهم ليشمل جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وغيرها من الأسواق الناشئة.

وتتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في قطاعي السيارات الكهربائية والبطاريات، إذ تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين استحوذت على ما يقرب من 75% من الإنتاج العالمي للسيارات الكهربائية في عام 2025، بينما استأثرت الشركات الصينية بأكثر من 80% من الإنتاج العالمي لخلايا البطاريات.

كما أنتجت الصين نحو 85% من المواد النشطة للكاثود (المهبط) وأكثر من 90% من المواد النشطة للأنود (المصعد) المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية.

ويفرض هذا التركيز الصناعي تحدياً أمام الدول التي تسعى لبناء سلاسل توريد بديلة بسرعة؛ إذ لا يمكن ببساطة إعادة إنشاء المصانع والموردين والتكنولوجيا والعمالة الماهرة بين عشية وضحاها.

ساحة معركة السيارات الكهربائية

وأصبحت صناعة السيارات، واحدة من أبرز ساحات المواجهة التجارية الجديدة. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية (IEA)، بلغ حجم إنتاج الصين من السيارات الكهربائية نحو 16 مليون مركبة في عام 2025، في حين تضاعفت صادراتها من هذه السيارات لتتجاوز 2.5 مليون مركبة؛ وبذلك ظلت الصين المركز العالمي الأكبر لتصنيع السيارات الكهربائية وتجارتها.

ولا تقتصر الأهمية على المركبات الجاهزة فحسب، بل تمتد لتشمل البطاريات ومواد الكاثود والأنود وغيرها من المكونات التي تشكل منظومة صناعية متكاملة، إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، إلى أن الشركات الصينية استحوذت على ما يقرب من 75% من السوق العالمية لبطاريات السيارات الكهربائية في عام 2025.

وهذا يعني أن الحواجز التجارية التي تستهدف المنتجات الصينية الجاهزة قد تصطدم بواقع أكثر تعقيداً، ألا وهو استمرار ارتباط العديد من الشركات المصنعة العالمية بسلاسل التوريد الصينية.

وادي السيليكون يواجه المعضلة ذاتها المتعلقة بسلاسل التوريد

ولا تقتصر المواجهة على قطاع السيارات، بل تمتد لتشمل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، وهي مجالات فرضت فيها واشنطن قيوداً تقنية، في حين لا تزال الشركات الأمريكية مهتمة بالسوق الصينية.

وقد أكد جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، مراراً على أهمية الحفاظ على الوصول إلى السوق الصينية، في حين واجهت محاولات الشركة استئناف مبيعات بعض الرقائق المتقدمة للعملاء الصينيين مراجعات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي. 

وذكرت صحيفة فاينانشال تايمز، أن القيود وحالة عدم اليقين بشأن التراخيص قد عرقلت جهود «إنفيديا» لاستئناف مبيعات رقائق H200 إلى الصين.

وتتلخص المعضلة في أمر واضح: إن تقييد الوصول إلى التكنولوجيا قد يحمي المصالح الاستراتيجية، لكنه قد يدفع الشركات الصينية أيضاً إلى تسريع وتيرة تطوير بدائل محلية، مما قد يؤدي بدوره إلى خفض الطلب المستقبلي على التكنولوجيا الأمريكية.

إنفيديا

مصر وخريطة التصنيع الجديدة

مع تنوع سلاسل التوريد العالمية، يمكن للدول الواقعة بين الأسواق الكبرى أن تتحول إلى مراكز للتصنيع والخدمات اللوجستية، وتجعل مقومات مصر - المتمثلة في موقعها الاستراتيجي، وقناة السويس، وسهولة الوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية - منها طرفاً فاعلاً في المنافسة الأوسع نطاقاً لجذب الاستثمارات الصناعية.

وأسست الشركات الصينية، بالفعل، حضوراً صناعياً بارزاً في مصر، لاسيما في محيط المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ويعكس هذا التوجه الأوسع تحولاً عالمياً يتجاوز مجرد تصدير المنتجات النهائية، ليتجه نحو توطين المصانع وخطوط التجميع وعمليات سلاسل التوريد بالقرب من الأسواق المستهدفة.

وبالنسبة للصين، يمكن أن يفتح هذا المسار طرقاً إضافية للوصول إلى الأسواق الدولية، أما بالنسبة للدول المضيفة، فيمكن أن يجلب ذلك استثمارات وفرص عمل ونقلاً للتكنولوجيا وقدرات تصديرية، ولكنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول نسبة المكون المحلي والاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية.

الرسوم الجمركية مقابل الحجم الصناعي

فلم تعد المعركة الجوهرية مقتصرة على الرسوم الجمركية فحسب، بل باتت تتمحور حول الجهة التي تسيطر على المصانع والتكنولوجيا والمكونات والخدمات اللوجستية والقدرات الإنتاجية.

وتظهر أرقام التجارة الصينية لعام 2026، استمرار التوسع الخارجي، لكنها لا تثبت بمفردها فشل سياسة الرسوم الجمركية الأمريكية؛ فهي تبرهن على أن منظومة التصنيع والتجارة في بكين لا تزال تتمتع بمرونة عالية وتنوع متزايد.

 وفي الوقت نفسه، تؤكد بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، حجم ومكانة الصين في قطاعي السيارات الكهربائية والبطاريات.

ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة من المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين لن تدور رحاها في الموانئ ونقاط التفتيش الجمركية فحسب، بل ستمتد لتشمل المصانع ومنشآت تصنيع البطاريات ومرافق أشباه الموصلات والأسواق الناشئة في جميع أنحاء العالم.

اقرأ أيضا:

صناعة خفية وراء بيئات أكثر نقاءً وأماناً.. إليك القصة

Short Url

search