الأربعاء، 09 سبتمبر 2026

11:46 ص

معركة الرسوم الجمركية بين أمريكا وكندا تشعل حربًا تجارية.. ماذا يحدث لاقتصاد الجارين؟

الأربعاء، 09 سبتمبر 2026 11:33 ص

أمريكا وكندا على حافة حرب تجارية

أمريكا وكندا على حافة حرب تجارية

مي المرسي

دخلت الحرب التجارية بين أمريكا وكندا مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما انتقلت المواجهة من فرض الرسوم الجمركية المتبادلة إلى التهديد بحظر بعض المنتجات وفرض قيود على الشركات، في واحدة من أكثر الأزمات التجارية حدة بين أكبر شريكين اقتصاديين في أمريكا الشمالية.

وتصاعدت الأزمة بعدما بدأت كندا، في 8 سبتمبر 2026، تطبيق رسوم انتقامية على واردات أمريكية تصل قيمتها إلى 27.6 مليار دولار كندي، بنسب تتراوح بين 15% و25% و50%، ردًا على رسوم أمريكية مماثلة استهدفت منتجات كندية. وتشمل الإجراءات الكندية قطاعات مثل الصلب ومنتجات الألبان والأجهزة والمعدات الزراعية والورق والإلكترونيات. 

ولم تتأخر واشنطن في الرد، فوقق" رويترز" أعلنت الولايات المتحدة حظر استيراد منتجات ألبان كندية ودراجات نارية ومعظم المشروبات الكحولية اعتباراً من 29 سبتمبر 2026، إلى جانب رسوم جديدة على مجموعة من السلع الكندية، في تصعيد يتجاوز الأدوات التقليدية للحرب التجارية. 

لماذا اندلعت الحرب التجارية بين أمريكا وكندا؟

الخلاف الحالي لا يرتبط بسلعة واحدة أو قرار منفرد، وإنما يعكس صراعاً أوسع حول قواعد التجارة في أمريكا الشمالية، ودعم الصناعات المحلية، وسلاسل إمداد السيارات والطاقة، فضلاً عن مستقبل اتفاقية USMCA التي تنظم التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وتستخدم واشنطن الرسوم والقيود التجارية للضغط على أوتاوا بشأن ما تعتبره ممارسات تمييزية ضد المنتجات والشركات الأمريكية، بينما ترى الحكومة الكندية أن الإجراءات الأمريكية تهدد مصالح الصناعات والعمال الكنديين، وتدافع عن حقها في اتخاذ إجراءات انتقامية.

وتشير أحدث الإجراءات الأمريكية إلى استخدام المادة 338 من قانون التعريفة الجمركية الأمريكي لعام 1930 كأحد الأسس القانونية لفرض القيود على بعض المنتجات الكندية. 

27.6 مليار دولار كندي في مرمى الرسوم

أعلنت الحكومة الكندية أن رسومها المضادة تستهدف واردات أمريكية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، مع مواءمة معدلات الرسوم الكندية مع الرسوم الأمريكية المفروضة على المنتجات المقابلة.

وتتركز الإجراءات في قطاعات اختارتها أوتاوا بعناية، من بينها الصلب والألومنيوم ومنتجات الألبان والأجهزة والمعدات الزراعية واللب والورق والإلكترونيات، بما يزيد الضغط على الشركات الأمريكية التي تعتمد على السوق الكندية. 

وتشير البيانات الأحدث إلى أن التجارة بين البلدين لا تزال شديدة التشابك؛ ففي يوليو 2026 كانت الولايات المتحدة تستحوذ على نحو 66.35% من صادرات كندا، رغم تراجع حصة السوق الأمريكية من صادرات كندا خلال العام حتى الآن إلى نحو 68% مقابل 73% في الفترة المقابلة، مع ارتفاع صادرات كندا إلى الأسواق غير الأمريكية بنسبة 7.4%. 

وهذا الاعتماد يفسر لماذا أصبحت تنويع الصادرات والأسواق جزءاً أساسياً من استراتيجية الحكومة الكندية في مواجهة الضغوط الأمريكية.

السيارات.. القطاع الأكثر حساسية

يُعد قطاع السيارات أحد أبرز ساحات الصراع بين واشنطن وأوتاوا، ليس فقط بسبب قيمة التجارة، وإنما بسبب طبيعة سلاسل الإنتاج في أمريكا الشمالية.

فالسيارة الواحدة قد تعتمد على مكونات وقطع غيار تعبر الحدود الأمريكية والكندية أكثر من مرة قبل اكتمال عملية التصنيع، ما يعني أن فرض رسوم متكررة على المكونات يمكن أن يرفع تكلفة الإنتاج في كل مرحلة، ولهذا فإن تأثير الرسوم لا يتوقف بالضرورة عند الشركة المستوردة، وإنما يمكن أن ينتقل إلى أسعار السيارات النهائية والمستهلكين، فضلاً عن الضغط على هوامش أرباح الشركات وإعادة ترتيب خطوط الإنتاج.

وتزداد المخاطر مع استمرار التهديدات الأمريكية بفرض رسوم أعلى على السيارات الكندية، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومتان حماية الصناعات المحلية والحفاظ على القدرة التنافسية لسلاسل الإمداد الإقليمية.

الصلب والألومنيوم والأخشاب.. الرسوم تصل إلى تكلفة البناء

لا تقتصر تداعيات الحرب التجارية على السيارات، فالصلب والألومنيوم والأخشاب الكندية تدخل في عدد واسع من الصناعات الأمريكية، وعلى رأسها البناء والتصنيع، وبالتالي، فإن ارتفاع تكلفة استيراد هذه المواد يمكن أن ينعكس على تكلفة المشروعات والإنشاءات، خاصة في ظل اعتماد قطاعات أمريكية على المواد الخام القادمة من كندا.

وفي المقابل، فإن المنتجين الكنديين يواجهون خطر فقدان جزء من أكبر سوق تصدير لهم، وهو ما يدفع الحكومة والشركات إلى البحث عن أسواق بديلة وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

أزمة الدولار الكندي تكشف حجم المخاطر

بدأت الأسواق بالفعل في عكس حالة عدم اليقين الناتجة عن النزاع التجاري. وأظهرت بيانات يوليو أن فائض تجارة كندا انخفض إلى 769 مليون دولار كندي مقابل 4.2 مليار دولار في يونيو، مع تراجع الصادرات 2.3% وارتفاع الواردات 2.2%.

كما انخفضت صادرات كندا إلى الولايات المتحدة بنسبة 6.6% في يوليو، في حين ارتفعت الواردات منها 1.8%، ما أدى إلى تقلص الفائض التجاري الكندي مع الولايات المتحدة بأكثر من 40%. 

وتكشف هذه الأرقام أن الخلاف التجاري بدأ يظهر بالفعل في حركة التجارة، حتى قبل احتساب التأثير الكامل لموجة الرسوم والإجراءات الجديدة.

ضريبة الخدمات الرقمية والسيارات الكهربائية والمعادن الحيوية

وراء التصعيد الحالي ملفات أوسع من الرسوم الجمركية نفسها، من بينها الخلافات المتعلقة بالسياسات الرقمية والصناعات المستقبلية.

وتضغط واشنطن ضد بعض السياسات الكندية التي تعتبرها تمييزية تجاه الشركات الأمريكية، بينما تمثل السيارات الكهربائية والبطاريات والمعادن الحيوية ساحة أخرى للصراع، مع احتدام المنافسة على الاستثمارات وسلاسل توريد المواد اللازمة للتحول إلى الطاقة النظيفة.

وتنظر الولايات المتحدة إلى بعض الحوافز والدعم الكندي للصناعات الخضراء والتعدين باعتبارها قد تمنح الشركات الكندية أفضلية غير عادلة، في حين تعتبرها أوتاوا أدوات ضرورية لجذب الاستثمارات وحماية قدرتها الصناعية.

USMCA.. الاتفاقية التي أصبحت في قلب المعركة

ربما يكون أخطر ما في الأزمة الحالية أنها تأتي بالتزامن مع مراجعة اتفاقية USMCA، ما يجعل الرسوم الجمركية أداة ضغط في مفاوضات أكبر حول مستقبل التجارة في أمريكا الشمالية.

وكان من المفترض أن تكون مراجعة الاتفاقية عملية لتقييم تنفيذها وأدائها، لكن خبراء يرون أن غموض نطاق المراجعة يفتح الباب أمام تحولها إلى مفاوضات أوسع حول قواعد المحتوى المحلي وسلاسل الإمداد وغيرها من البنود الأساسية. 

كما أن تعثر المفاوضات بين واشنطن وأوتاوا زاد من احتمالات استمرار الإجراءات العقابية، خصوصاً مع إصرار كندا على الحصول على ضمانات بشأن مستويات الرسوم وعدم تغييرها بصورة أحادية الجانب. 

من الرسوم إلى الحظر.. مرحلة جديدة في الحرب التجارية

اللافت في التصعيد الأخير أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بالرسوم، وإنما انتقلت إلى حظر بعض الواردات الكندية، كما وجهت الحكومة الأمريكية وكالات اتحادية إلى استبعاد بعض المنتجات الكندية من العقود الحكومية، بالتزامن مع ضغوط على شركة Bombardier الكندية. 

ويمثل هذا التحول نقطة مهمة في مسار النزاع؛ فالحظر التجاري يختلف عن الرسوم من حيث قدرته على إيقاف تدفق سلعة أو منتج بالكامل بدلاً من زيادة تكلفة دخوله إلى السوق، وفي المقابل، بدأت كندا في تسريع جهودها لتنويع أسواق التصدير وتقليل اعتماد اقتصادها على الولايات المتحدة، مع توجه أكبر نحو شركاء تجاريين آخرين.

دونالد ترامب ورئيس وزراء كندا

هل يدفع المستهلك ثمن الحرب التجارية؟

رغم أن الحكومات تقدم الرسوم باعتبارها وسيلة لحماية الصناعات المحلية، فإن التكلفة الاقتصادية لا تتحملها الشركات والحكومات وحدها، فعندما ترتفع تكلفة المواد الخام أو المكونات المستوردة، يمكن أن تنتقل الزيادة إلى الشركات ثم إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى للسيارات والسلع ومواد البناء وغيرها.

وهنا تكمن المفارقة، الحرب التجارية التي بدأت كأداة لحماية المنتج المحلي قد تتحول إلى عامل يرفع تكلفة الإنتاج والاستهلاك في البلدين، خصوصاً مع تشابك سلاسل الإمداد الأمريكية والكندية على مدار عقود.

إلى أين تتجه أزمة أمريكا وكندا؟

لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف تجاري قصير الأجل، بل اختباراً للعلاقة الاقتصادية التي قامت على تكامل عميق بين البلدين، وتشير الإجراءات الأخيرة إلى أن واشنطن وأوتاوا تتحركان بمنطق الضغط المتبادل: الولايات المتحدة تستخدم حجم سوقها وقوتها الاقتصادية، بينما تحاول كندا الرد برسوم انتقامية وتنويع أسواقها وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الأمريكي.

ومع اقتراب ملفات USMCA والسيارات والطاقة والصلب والألومنيوم من طاولة التفاوض، فإن استمرار التصعيد قد يرفع تكلفة التجارة عبر أمريكا الشمالية ويعيد تشكيل سلاسل الإمداد التي ظلت لعقود تعتمد على الحدود المفتوحة بين البلدين.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط من سيفوز في الحرب التجارية بين أمريكا وكندا؟، بل أصبح كم ستكلف هذه الحرب الشركات والمستهلكين وسلاسل الإنتاج في البلدين قبل أن تعود واشنطن وأوتاوا إلى طاولة التفاوض؟

اقرا أيضًا:

أمريكا تحظر سلع كندية جديدة.. وتصعيد الحرب التجارية يهدد الشركات والأسواق
 

Short Url

search