-
3.2 مليار دولار استثمارات صينية تكنولوجية في مصر خلال 2026.. الهواتف ومراكز البيانات تتصدر
-
بمدة تصل إلى 21 عامًا.. كل ما تريد معرفته عن نظام الإيجار المنتهي بالتملك للأراضي الصناعية
-
123 يوم على انتهاء تيسيرات التصرف في الأراضي الصناعية.. والحكومة: بادر بالاستفادة
-
الشهادة الذهبية الجديدة من البنك الأهلي بعائد ثابت.. خطوات وشروط الشراء
الدكتور محمد عسكر يكتب: مصر بين الكبار في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي
الأحد، 30 أغسطس 2026 07:18 م
دكتور /محمد عسكر إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
دكتور /محمد عسكر استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني
لم يعد الصراع بين القوى الكبرى في عالم التكنولوجيا، يدور فقط حول من يصنع الهاتف الأسرع، أو الحاسوب الأكثر تطورًا، وإنما انتقل إلى مستوى أكثر عمقًا وتأثيرًا، فمن يملك القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي نفسه؟ ومن يمتلك الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والبيانات والشبكات التي تجعل هذه التكنولوجيا قادرة على العمل والتوسع؟
وتكتسب المنافسة في هذا السياق المتصاعدة حول إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر، دلالة تتجاوز حدود الاستثمار والتكنولوجيا، لتصبح جزءًا من مشهد دولي جديد، تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين على النفوذ في واحدة من أهم صناعات المستقبل.
وتكشف التطورات الأخيرة عن طبيعة هذا الصراع بوضوح، وتقدمت شركة هواوي الصينية، بعرض لإنشاء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في مصر، يتضمن، وفق تقارير صحفية، أكثر من ألفي شريحة من عائلة Ascend، بينها 1,408 شرائح مخصصة لتدريب النماذج وشرائح أخرى لتشغيلها بعد التدريب.
وتحركت واشنطن باتجاه بناء عرض أمريكي منافس بمشاركة محتملة لشركات مثل NVIDIA وAMD ومايكروسوفت، ومن ثم فإن القاهرة لم تعد تنظر إليها الشركات باعتبارها سوقًا جديدة فحسب، وإنما باعتبارها نقطة استراتيجية، يمكن أن يكون لها تأثير في مستقبل الحوسبة بالشرق الأوسط وإفريقيا.
ولم يعد مركز البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي في الحقيقة، مجرد مبنًى يحتوي على مجموعة من الخوادم، بل بنية تحتية استراتيجية تشبه، في أهميتها المستقبلية، الموانئ وشبكات الكهرباء وممرات التجارة.
وتتم داخل هذه المراكز، عمليات تدريب النماذج الذكية، ومعالجة البيانات، وتشغيل التطبيقات التي يمكن أن تدخل في الصناعة والطب والتعليم والدفاع والخدمات الحكومية والاقتصاد، وكلما ازدادت قدرة الدولة على توفير الحوسبة المتقدمة، زادت قدرتها على امتلاك أدوات جديدة للإنتاج والمعرفة وصناعة القرار.
وأصبحت الرقائق الإلكترونية لهذا تحديدًا، واحدة من أهم ساحات التنافس بين واشنطن وبكين، فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على تفوق شركاتها في تصميم الشرائح ومنظومات الذكاء الاصطناعي.
وتسعى الصين إلى تطوير بدائل محلية قادرة على تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية، وقد أدى هذا التنافس إلى اتجاهٍ متزايد نحو منظومتين تكنولوجيتين متنافستين، لكل منهما شرائحها وبرمجياتها وسلاسل توريدها، وهو ما يجعل اختيار التكنولوجيا في بعض الدول مسألة ذات أبعاد سياسية واستراتيجية، تتجاوز الحسابات التجارية التقليدية.
وتقف مصر في هذا المشهد بموقع بالغ الحساسية، حيث موقعها بين إفريقيا وأسيا وأوروبا، ومرور مسارات رئيسية للاتصالات الدولية عبر أراضيها ومياهها، إلى جانب حجم سوقها وقاعدتها البشرية.
ويمنحها ذلك مقومات تؤهلها لتصبح مركزًا إقليميًا للحوسبة والبيانات، وتدرك الشركات العالمية هذه الميزة، كما ظهر في النشاط المتزايد حول البنية التحتية لمراكز البيانات في مصر وشمال إفريقيا.
وعقدت الشركة الصينية هواوي بالفعل في القاهرة خلال أبريل الماضي، قمة متخصصة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وأطلقت خلالها تصميمًا مرجعيًا لمراكز البيانات الذكية في شمال إفريقيا.
ولا تكمن الفرصة المصرية في استضافة مركز بيانات كبير وحسب، بل القيمة الحقيقية تكمن في ما يمكن أن ينشأ حول هذا المركز من اقتصاد جديد، فإذا أحسنت مصر إدارة المرحلة، فإن مركز البيانات يمكن أن يكون نواة لجذب شركات البرمجيات، ومطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، والشركات الناشئة، ومراكز البحث والتطوير، ومقدمي الخدمات السحابية.
ويمكن أن تتحول مصر تدريجيًا، إلى مركزٍ إقليمي تشتري منه الشركات والدول الإفريقية والعربية، قدرات الحوسبة بدلًا من أن تضطر كل دولة إلى بناء بنيتها الخاصة بتكلفة هائلة.
ويجب هنا تحديدًا أن ننتقل من السؤال البسيط، وهو من سيفوز بالمشروع؟ إلى سؤال أكثر أهمية، وهو ما الذي ستفوز به مصر؟، فليس المهم أن تحصل القاهرة على آلاف الشرائح أو أحدث الخوادم، إذا انتهى الأمر إلى مجرد تشغيل معدات أجنبية على أرض مصرية.
وتبدأ القيمة الاستراتيجية الحقيقية، عندما يتحول الاستثمار الأجنبي إلى معرفة محلية، وعندما يصبح المركز بيئة لتدريب المهندسين والباحثين، وعندما تستفيد منه الجامعات والشركات الناشئة، وعندما تنتقل الخبرة من الشركة الأجنبية إلى الكوادر المصرية.
وتعد هذه هي إحدى أهم الفرص التي ينبغي ألا تضيع وسط المنافسة الأمريكية الصينية، فكل طرف يريد أن يثبت أن منظومته هي الأفضل والأكثر قدرة على خدمة مستقبل الذكاء الاصطناعي.
وتستطيع مصر أن تستفيد من هذا التنافس بأن تضع شروطًا واضحة للحصول على أكبر قدرٍ ممكنٍ من نقل المعرفة والتدريب والاستثمار في البحث والتطوير، بمعنى آخرَ، لا ينبغي أن تكون المنافسة بين الكبار سببًا لاختيار أحدهم فقط، بل يمكن أن تكون فرصة للحصول على أفضل ما لدى الجميع.
تأتي الفرص الكبيرة دائمًا مصحوبة بتحديات كبيرة، وفي مقدمة هذه التحديات مسألة الاعتماد التكنولوجي، فإذا بنت مصر منظومة كاملة حول مورد واحد للشرائح أو الخوادم أو الشبكات أو البرمجيات، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام مشكلة استراتيجية إذا تغيرت العلاقات السياسية أو ظهرت عقوبات أو قيود تصدير أو تعذر الحصول على قطع الغيار والتحديثات، والتكنولوجيا بطبيعتها سريعة التغير، وما يبدو اليوم استثمارًا متقدمًا، قد يصبح بعد سنوات قليلة بحاجة إلى إعادة بناء.
ويجب أن يكون التنوع التكنولوجي جزءًا من الاستراتيجية المصرية، وليس المقصود أن تجمع مصر كل التكنولوجيا الموجودة في العالم، فهذا غير واقعي، وإنما أن تتجنب بناء منظومة مغلقة يصعب تغيير أي جزء منها.
ويجب أن تكون هناك قدرة على التعامل مع أكثر من مورد، وأن تستخدم البرمجيات والمعايير المفتوحة قدر الإمكان، وأن تظل البنية قابلة للتوسع والتحديث دون الارتهان إلى شركة واحدة.
ثم تأتي قضية الطاقة، وهي من أكثر القضايا التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي، فمراكز البيانات الحديثة، وخاصة تلك المخصصة لتدريب النماذج الضخمة، تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، وتحتاج إلى أنظمة تبريد متقدمة واستقرار مستمر في الإمداد.
وقد أصبحت الطاقة بالفعل، أحد القيود الأساسية أمام التوسع العالمي في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فيما تتزايد النقاشات حول استهلاك المياه والتأثير البيئي لهذه المنشآت، ومن هنا فإن أي استراتيجية مصرية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يجب أن ترتبط باستراتيجية للطاقة، وليس من المنطقي أن ننظر إلى مركز البيانات، باعتباره مشروعًا تكنولوجيًا منفصلًا عن شبكة الكهرباء أو مصادر الطاقة أو إدارة المياه.
وإذا أرادت مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا للحوسبة، فإن عليها أن تضمن أن هذه القدرة الحوسبية، يمكن توفيرها بكفاءة وتكلفة تنافسية واستدامة طويلة الأجل، أما التحدي الأكثر حساسية فيبقى متعلقًا بالبيانات، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، البيانات ليست مجرد ملفات مخزنة على خوادم؛ إنها مادة خام لصناعة المعرفة والاقتصاد.
وتعتبر مصر بحاجة إلى قواعد واضحة تحدد أين تخزن البيانات الحساسة، ومن يملك حق الوصول إليها، وكيف يمكن استخدامها، وما الحدود الفاصلة بين تشغيل الخدمات، وبين استخدام البيانات لأغراض أخرى، والسيادة الرقمية في المستقبل، لن تعني فقط أن تكون الخوادم موجودة داخل الحدود المصرية، وإنما أن تكون الدولة قادرة على التحكم في القواعد التي تحكم البيانات الموجودة عليها.
وهناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية، فهل تمتلك مصر الكوادر البشرية الكافية؟ فالمنافسة العالمية لا تدور على الأجهزة وحدها، وإنما على العلماء والمهندسين وخبراء الشبكات والأمن السيبراني والبيانات والبرمجيات، ومن دون الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب والبحث العلمي، يمكن أن تتحول مراكز البيانات إلى جزر تقنية متقدمة، يعمل فيها خبراء أجانب، بينما تظل القيمة المضافة الحقيقية خارج الاقتصاد المصري.
ويجب هنا أن يكون الهدف أكثر طموحًا من مجرد تشغيل البنية التحتية، وينبغي أن تصبح مراكز البيانات الجديدة، منصات لتكوين جيل مصري من مهندسي الذكاء الاصطناعي، وأن ترتبط بالجامعات، وأن تتيح للباحثين والشركات الناشئة، الوصول إلى قدرات حوسبية بأسعار مناسبة، وأن تشجع على تطوير تطبيقات، تخدم احتياجات مصر وإفريقيا والعالم العربي.
ويمكن من بين الفرص المتاحة، أن تمنح مصر ميزة نسبية أيضًا وهي تطوير الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، فامتلاك بنية حوسبية قوية، يمكن أن يساعد في تدريب نماذج عربية أكثر كفاءة، قادرة على فهم اللغة وسياقاتها الثقافية والقانونية والاجتماعية.
وإذا استطاعت مصر أن تجمع بين البنية التحتية والبيانات والكوادر العلمية، فإنها قد لا تكون مجرد مستخدم لنماذج أجنبية، وإنما شريكًا في إنتاج نماذج وحلول موجهة للمنطقة.
ويجب في الوقت نفسه الحذر من النظر إلى الاستثمار في مراكز البيانات، باعتباره مكسبًا مضمونًا، وصناعة الذكاء الاصطناعي تشهد استثمارات ضخمة للغاية، لكن معها مخاطر مرتبطة بالتقادم التكنولوجي والتمويل وتغير الطلب.
وحذرت تحليلات حديثة من أن بعض مراكز البيانات، قد تواجه مستقبلًا مخاطر التحول إلى أصول عالقة إذا تباطئ الطلب على الحوسبة أو أدى تطور كفاءة النماذج إلى تقليل الاحتياجات الحوسبية.
لذلك فإن مصر بحاجة إلى سياسة ذكية تقوم على التدرج والمرونة، لا على سباق الأحجام، وليس الهدف أن يكون لدينا أكبر مركز بيانات في المنطقة لمجرد تسجيل رقم قياسي، وإنما أن تكون لدينا بنية قابلة للتوسع، ومتصلة باحتياجات الاقتصاد، وتحقق عائدًا حقيقيًا، ويمكن تحديثها مع تطور التكنولوجيا.
وليست أعظم فرصة في هذه المنافسة في تقديري، أن تختار مصر بين الصين والولايات المتحدة، وإنما أن تجعل الطرفين يتنافسان على تقديم أفضل قيمة لها، فإذا أرادت شركة صينية الاستثمار، فلتكن هناك شروط لنقل المعرفة وتدريب الكوادر وحماية البيانات.
وإذا أرادت شركات أمريكية الاستثمار، فليكن الأمر كذلك، وإذا ظهرت عروض من شركات أوروبية أو أسيوية أخرى، فينبغي أن تدخل المنافسة على أساس الكفاءة والأمن والعائد الاستراتيجي، وهذه هي الطريقة التي تتحول بها مصر من ساحة للصراع، إلى طرف في المعادلة.
إن العالم يتغير بسرعة، والذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة القوة الاقتصادية والتكنولوجية، وربما تكون مراكز البيانات هي المصانع الجديدة لعصر الاقتصاد الرقمي، والرقائق هي الآلات التي تدير هذه المصانع، والبيانات هي المواد الخام، والعقول البشرية هي القوة التي تحول كل ذلك إلى قيمة.
ومن ثم فإن الرهان المصري الحقيقي ليس على مركز بيانات بعينه، ولا على شركة بعينها، ولا على دولة بعينها، الرهان هو أن تستفيد مصر من لحظة التنافس الدولي لبناء قاعدة تكنولوجية وطنية وإقليمية تستطيع أن تعيش وتتطور حتى إذا تغيرت خريطة القوى الكبرى.
اقرأ أيضًا:-
د.محمد عسكر يكتب: من يملك رقمك؟.. عندما تصبح شريحة المحمول قضية أمن رقمي
Short Url
أكثر الكلمات انتشاراً