الأحد، 30 أغسطس 2026

07:11 م

النائب مصطفى البهي يكتب: شي إلى القاهرة.. والفرصة المصرية في إعادة توزيع الصناعة العالمية

الأحد، 30 أغسطس 2026 06:02 م

النائب مصطفى البهي - أمين سر لجنة الصناعة بمجلس النواب

النائب مصطفى البهي - أمين سر لجنة الصناعة بمجلس النواب

يزور الرئيس الصيني شي جين بينج، مصر في توقيت يعتبر محطة دبلوماسية جديدة رابطة بين البلدين ضمن علاقات تاريخية وثيقة، حيث غادر بكين في 30 أغسطس متوجهًا إلى بيشكيك للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون.

جاء ذلك ضمن جولة تشمل زيارتين لدولتي قيرغيزستان ومصر، وتعد الدولة الإفريقية محطة ذات دلالة خاصة؛ إذ تأتي الزيارة في العام الذي تحتفل فيه القاهرة وبكين، بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث كانت عشرة سنوات كافية لتغيير جانب كبير من الاقتصاد العالمي، بل لتغيير الصين نفسها.

الصين التي عرفها العالم باعتبارها مصنعًا هائلًا يصدر منتجاته إلى كل القارات، أصبحت اليوم صاحبة تكنولوجيا ورأس مال وقدرات متقدمة في السيارات والبطاريات والطاقة الجديدة والروبوتات والاتصالات والذكاء الاصطناعي. وفي المقابل أصبحت الطريق إلى بعض أسواقها التقليدية أكثر تعقيدًا مع اتساع القيود التجارية والتكنولوجية وارتفاع الحساسية الغربية تجاه القدرة الإنتاجية الصينية.

هذا التطور يهم مصر مباشرة.. فالتحرك الخارجي للصناعة الصينية لم يعد مجرد بحث عن سوق جديدة لتصريف المنتج. جزء متزايد من رأس المال الصناعي أصبح ينظر إلى مكان الإنتاج نفسه؛ إلى قربه من الأسواق، وكلفة النقل، واتفاقاته التجارية، وقدرته على بناء شبكة موردين تستطيع خدمة المصنع لسنوات.

بهذا المنظور تصبح مصر أكثر من سوق يتجاوز تعدادها مئة مليون نسمة، وأكثر من قناة تمر عبرها حركة ضخمة للتجارة الدولية.

هناك سوق محلية، وقرب من أوروبا، وامتداد إلى أفريقيا والعالم العربي، وموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وشبكة اتفاقات تجارية، وقاعدة صناعية تراكمت عبر عقود ويمكن توسيعها.

هذه المزايا ليست جديدة. الجديد أن التحولات الجارية في الصناعة العالمية ترفع قيمتها.

فاتورة الاستيراد تخفي خريطة للتصنيع

وصل حجم التجارة المصرية الصينية في 2025 إلى نحو 20.8 مليار دولار، وفق بيانات رسمية أوردتها تقارير دولية، اقتربت الصادرات الصينية منها من 19.9 مليار دولار، مقابل نحو 819 مليون دولار من الصادرات المصرية إلى الصين.

الفارق كبير، لكن قراءته لا ينبغي أن تتوقف عند حجم العجز التجاري أو كمية العملة الأجنبية التي تخرج لتمويل الواردات.

الصناعي ينظر إلى قائمة الواردات فيجد فيها، إلى جانب التكلفة، معلومات عن السوق.

المنتج الذي نستورد منه كميات متزايدة لعدة سنوات يخبرنا بوجود طلب مستقر. والمكوّن الذي تدفع المصانع المصرية ملايين الدولارات سنويًا للحصول عليه من الخارج قد يكون نواة لصناعة محلية إذا توافرت التكنولوجيا والحجم المناسبان. وبعض ما نستورد لا يحتاج إلى تصنيع محلي فورًا، لكنه يكشف لنا مواضع يمكن أن يدخل منها المستثمر أو الشريك التكنولوجي.

بهذه القراءة تتحول بيانات الاستيراد إلى جزء من الخريطة الصناعية.

السوق المصرية تعاملت بالفعل مع آلاف المنتجات والمعدات والخامات الصينية، والمصانع المحلية تعرف المورد الصيني وتعرف في كثير من القطاعات مواطن القوة والضعف والتكلفة. لذلك لا تبدأ العلاقة الصناعية المقبلة بين البلدين من فراغ.

يمكننا البناء على سنوات التجارة لإنتاج معرفة صناعية أكثر قيمة.

زيادة الصادرات المصرية إلى الصين تظل مطلوبة، لكن معالجة الاختلال التجاري يمكن أن تتحرك كذلك من داخل السوق المصرية نفسها، عبر تصنيع نسبة أكبر مما نستورد، ثم الانتقال تدريجيًا من الإحلال إلى التصدير.

المصنع الذي يأتي وحده يظل مصنعًا

هناك فارق أعرفه من الممارسة الصناعية بين إنشاء مصنع وإقامة صناعة.

قد يعمل مصنع كبير بكفاءة وينتج عشرات الآلاف من الوحدات بينما تظل علاقته بالاقتصاد المحيط محدودة، لأن الجزء الأكبر من المكونات والمعدات والخدمات الفنية يأتي من الخارج.

الصناعة تبدأ في اكتساب عمقها عندما تنشأ حول المصنع شبكة.. مصنع للبلاستيك يرفع جودة إنتاجه لكي يدخل قائمة الموردين، وشركة ضفائر تتعلم مواصفة جديدة، ومصنع أجزاء معدنية يستثمر في ماكينة أدق، ومهندس ينجح في تطوير قالب محلي، ومورد صغير يصبح بعد سنوات قادرًا على العمل مع أكثر من شركة دولية.

التراكم هنا لا يظهر كاملًا في رقم الاستثمار عند بدء المشروع، لكنه يبقى بعد ذلك داخل الاقتصاد.

ولهذا فإن جذب الاستثمارات الصينية يجب أن يصاحبه عمل منظم لإدخال المورد المصري إلى سلسلة التوريد.

في صناعة السيارات مثلًا، عدد المركبات المنتجة مؤشر مهم، لكنه لا يكشف وحده مقدار ما أضافه المشروع إلى الصناعة المصرية. تظهر الصورة بصورة أوضح في حجم المشتريات المحلية، وعدد الشركات المصرية التي أصبحت موردة للمصنع، ثم قدرة بعضها لاحقًا على توريد المكونات لمصانع الشركة الأم خارج مصر.

عند هذه النقطة يكون المورد المصري قد انتقل من خدمة سوقه المحلية إلى موقع داخل سلسلة إنتاج دولية.

من المصنع إلى العنقود الصناعي

هذا المنطق يرتبط بما طرحته من قبل في رؤيتي لـ«القرية المنتجة»، المشكلة التي حاولت مناقشتها وقتها كانت في ترتيب عناصر التنمية الإنتاجية. بناء المكان قبل تحديد المنتج والسوق كثيرًا ما ينتهي إلى طاقة إنتاجية تبحث عن عمل. أما البداية من الميزة النسبية والطلب الحقيقي وقدرة المنتج على المنافسة، فتعطي للاستثمار منذ بدايته اتجاهًا اقتصاديًا واضحًا.

الفكرة تصلح على نطاق أكبر.. حين تستهدف مصر قطاعًا صناعيًا بالتعاون مع الصين، يمكن من البداية أن تنظر إلى الصناعة التي تحيط بالمنتج، لا إلى الشركة الرئيسية وحدها.

دخول مصنع سيارات يفتح مساحة للمقاعد والزجاج والضفائر والبلاستيك والأنظمة الإلكترونية والأجزاء المعدنية.

التوسع في تخزين الطاقة يخلق احتياجًا إلى مكونات وأنظمة إدارة وتحكم وحلول حرارية وصناعات هندسية مرتبطة بها.

والتوسع في الصناعات المعدنية المتقدمة يكتسب قيمة أكبر عندما يرتبط بالمعدات والسيارات والآلات والصناعات الهندسية التي تستهلك هذه المعادن.

تجمع هذه الأنشطة بالقرب من بعضها يقلل زمن التوريد والمخزون وتكلفة النقل، ويجعل تعديل المنتج أسرع، ويخلق سوقًا أكبر أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.

جزء من القوة الصناعية الصينية نفسها تشكل بهذه الطريقة. هناك مدن ومناطق كاملة لا تستمد قدرتها التنافسية من مصنع عالمي منفرد، بل من مئات الشركات المتخصصة الموجودة حوله.

قرب المورد، وصانع القالب، ومهندس الصيانة، وشركة الأتمتة، ومركز التصميم، أحيانًا يوفر على المصنع أكثر مما توفره حوافز مالية كبيرة.

مصر لديها بالفعل تجمعات صناعية مؤهلة للبناء على هذا المنطق في محور قناة السويس والعاشر من رمضان والسادات وغيرها. وما نحتاجه هو رفع درجة الترابط داخلها حتى ننتقل تدريجيًا من مناطق تضم مصانع إلى عناقيد تضم صناعات.

صناعة ما يصنع الصناعة

وسأعود خلال الفترة المقبلة إلى جانب آخر أراه شديد الأهمية في تطور القاعدة الصناعية المصرية.

أعمل على طرح مشروع متكامل لتطوير صناعة الميكنة ومعدات الإنتاج في مصر، وسيأخذ المشروع مساره المناسب عند تقديمه دون استباق تفاصيله الآن.

ما يمكن قوله في هذا السياق أن توسع مصر الصناعي في السنوات المقبلة يقتضي اهتمامًا أكبر بالطبقة التي تقف خلف المنتج النهائي: القدرة على بناء وتجهيز وتطوير وسائل الإنتاج نفسها.

الدول ترتقي صناعيًا حين تتراكم لديها هذه المعرفة، والصين، بما وصلت إليه في صناعة الآلات ومعدات الإنتاج والأتمتة والحلول الهندسية، تستطيع أن تكون شريكًا مهمًا لمصر في مرحلة أكثر تقدمًا من التعاون، إذا اتجهت العلاقة إلى تعميق القدرات المحلية وليس فقط إلى إضافة المزيد من خطوط التجميع.

هذه المساحة تستحق أن تصبح أحد الملفات الصناعية المصرية في المستقبل القريب.

قناة السويس وقيمة لا تنتهي عند العبور.. اعتدنا الحديث عن عبقرية موقع مصر، لكن تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد يحتاج إلى عمل صناعي متراكم.

السفينة العابرة لقناة السويس تحقق عائدًا مهمًا للدولة، بينما السلعة التي تمر بمراحل تصنيع داخل مصر قبل أن تخرج إلى السوق النهائية تترك وراءها أجورًا ومشتريات محلية وخدمات وضرائب ومعرفة وإنتاجًا قابلًا للتصدير.

كلما زادت القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المصري قبل خروج المنتج، اتسع العائد الحقيقي من الموقع.

وهنا يصبح محور قناة السويس والموانئ عنصرًا داخل السياسة الصناعية وليس بنية للنقل والخدمات فقط.

الشركة الصينية التي تفكر في إقامة قاعدة إنتاج خارج آسيا ستقارن بين أكثر من دولة. موقع مصر سيكون عنصرًا في الحساب، لكنه لن يحسم القرار وحده.

المستثمر سيحسب الطاقة والتمويل والنقل، ووقت دخول الخامات من الميناء، وجودة الموردين المحليين، واستقرار التشريعات، وسرعة الإجراءات، والقدرة على تحويل الأرباح، والأسواق التي يستطيع المنتج النفاذ إليها.

هذه الحسابات اليومية، أكثر من العبارات الكبيرة عن الموقع، هي التي تحدد في النهاية أين يستقر المصنع.

تجهيز أرض المعركة الاقتصادية

التحولات الصناعية الجارية تكشف أيضًا أن المنافسة المقبلة لن تدور على الأرض والطاقة والحوافز فقط.

الدولة التي تعرف سوقها بصورة دقيقة تمتلك ميزة على الدولة التي تعمل ببيانات تصل إليها متأخرة أو متفرقة.

لهذا أرى أن الوقت قد حان للإسراع في التحول الرقمي للاقتصاد المصري باعتباره جزءًا من البنية الإنتاجية للدولة، وليس مجرد برنامج لتحديث الخدمات الحكومية.

هناك كم هائل من البيانات لدى المؤسسات الصناعية والجمارك والضرائب والموانئ والجهات التجارية والقطاع المالي.

يمكن لهذه البيانات أن تخبرنا أين تتزايد الواردات، وأين تتكون فرصة جديدة للإحلال، وأين توجد طاقات إنتاجية غير مستغلة، وأين تتحرك الأسعار بصورة غير طبيعية، وأي صناعة بدأت تواجه اختناقًا في خامة أو مكون قبل أن يصل أثره إلى السوق.

المشكلة ليست في نقص المعلومات دائمًا، بل في قدرتنا على ربطها وإنتاج معنى اقتصادي منها.

إذا كان مصنع مصري لديه طاقة فائضة في منتج نستورد منه مئات الملايين، فمن المفيد أن تصل المعلومتان إلى المكان نفسه.

وإذا بدأت واردات مكون معين ترتفع بصورة متكررة، يمكن أن تظهر هذه الحركة على شاشة صانع السياسة الصناعية قبل أن تتحول بعد سنوات إلى فجوة يصعب علاجها.

هذا النوع من القدرة المعلوماتية جزء من تجهيز أرض المنافسة الاقتصادية المقبلة.

وأقصد بانضباط السوق وضوح القواعد وقابلية البيانات للقراءة ووجود منافسة حقيقية وقدرة الدولة على التمييز بين حركة السعر الناتجة عن تغير التكلفة وبين التشوه الناشئ عن نقص المعلومات أو الممارسات غير التنافسية.

لا تحتاج هذه البيئة بالضرورة إلى مزيد من القيود بقدر حاجتها إلى معلومات أفضل ومؤسسات أسرع في استخدامها.

وفي الاقتصاد الحديث تصبح سرعة المعلومة جزءًا من القدرة على اتخاذ القرار. كلما قصرت المسافة بين تشكل الظاهرة الاقتصادية ووصولها إلى صانع السياسة، زادت فرص التدخل المبكر وانخفضت تكلفة معالجة الأزمة بعد وقوعها.

التمويل جزء من السياسة الصناعية

وفي يونيو الماضي جاء تطور مالي يستحق البناء عليه؛ إذ جدد البنكان المركزيان المصري والصيني اتفاق مبادلة العملات المحلية، وارتفع حجمه من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد.

هذه الأدوات تخدم التجارة والاستثمار والاستقرار المالي بين البلدين، لكن قيمتها الصناعية يمكن أن تتسع كلما ارتبط جانب أكبر من التعاون المالي بتمويل الاستثمار الرأسمالي والتكنولوجيا والتوسع في القدرات الإنتاجية.

المصنع يحتاج إلى تمويل يتناسب مع عمر أصوله ودورة استرداد استثماره، وشراء خط إنتاج أو تكنولوجيا جديدة يترك قدرة منتجة داخل الاقتصاد لسنوات، لذلك فإن أدوات التمويل طويلة الأجل الموجهة إلى القطاعات الصناعية ذات الأولوية يمكن أن تصبح مكونًا مهمًا في التعاون المصري الصيني.

وجود خريطة صناعية واضحة يساعد المؤسسات المالية كذلك على التمييز بين التمويل الذي يزيد القدرة الإنتاجية والتمويل الذي يعيد إنتاج دورة الاستيراد. 

الصناعة والتمويل يجب أن يقرآ الخريطة نفسها.

الصين وBRICS.. اختبار عملي للفكرة

طرحت في كتابات سابقة أن قيمة عضوية مصر في BRICS لن تتحدد بالعضوية نفسها، وإنما بالطريقة التي نستفيد بها من الشبكة الكبيرة التي أصبحت مصر جزءًا منها.

أسواق وتمويل واستثمارات وتكنولوجيا وسلاسل إنتاج، والصين تمثل حالة مهمة جدًا في هذا السياق، فهي من أكبر شركاء مصر التجاريين وأكبر قاعدة صناعية داخل تجمع BRICS، كما تمتلك نطاقًا تكنولوجيًا يبدأ بالصناعات التقليدية ولا ينتهي بأحدث قطاعات الاقتصاد العالمي.

تظهر قيمة العلاقة بعد سنوات في الأثر الذي يبقى داخل مصر: منتج لم نكن نصنعه وأصبح له خط إنتاج محلي، مورد ارتقى إلى مواصفات التوريد الدولي، معرفة هندسية انتقلت إلى فريق مصري، أو شركة محلية أصبحت جزءًا من شبكة إنتاج تمتد خارج السوق الداخلية.

هذه الأصول لا تظهر كاملة في أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر، لكنها تحدد عمق الاستثمار وقدرته على تغيير بنية الاقتصاد.

عندما تتنافس القوى الكبرى على مصر

التطور اللافت الآخر أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا مباشرًا من التنافس الدولي حول السوق المصرية.

نشر Al-Monitor، استنادًا إلى تقرير Bloomberg، أن هواوي تقدمت بعرض يتضمن 1,408 من شرائح Ascend 950 المتقدمة إلى جانب 600 شريحة إضافية لمشروعات مرتبطة بمراكز بيانات وذكاء اصطناعي حكومية في مصر، فيما تحركت واشنطن لدراسة دعم عرض منافس من شركات تكنولوجيا أمريكية. وحتى الآن يظل الأمر عرضًا قيد البحث وليس صفقة منجزة.

بعيدًا عن تفاصيل هذا الملف الفنية والسيادية، تكشف الواقعة عن قيمة متزايدة للسوق المصرية في المنافسة العالمية على التكنولوجيا.

اتساع البدائل يمنح مصر مساحة تفاوضية ينبغي استثمارها بعناية.

تنويع مصادر التكنولوجيا يقلل مخاطر الاعتماد ويرفع القدرة على التفاوض حول السعر والتدريب ونقل المعرفة والتصنيع المحلي. وما تحتاجه الدولة في مثل هذه الملفات هو القدرة الفنية على تقييم التكنولوجيا نفسها وتحديد ما يخدم احتياجاتها على المدى الطويل.

مراكز البيانات والرقائق والذكاء الاصطناعي لم تعد قطاعات تجارية عادية. أصبحت جزءًا من إنتاجية الاقتصاد والأمن التكنولوجي وقدرة الدول على بناء صناعات المستقبل.

ما تعلمه الصناعة لصانع السياسة

ربما تجعلني الخبرة الصناعية أنظر إلى كثير من هذه الملفات من زاوية مختلفة قليلًا.

داخل المصنع تتعلم سريعًا أن المشكلة الكبيرة قد تبدأ من تفصيلة صغيرة.

قطعة واحدة غير متاحة تستطيع إيقاف خط كامل. قالب غير مضبوط يكرر عيبًا في عشرات الآلاف من المنتجات. والمورد الجيد لا يوفر فقط في سعر القطعة؛ قد يوفر في المخزون والهالك وزمن التوقف ومواعيد التسليم في الوقت نفسه.

وقرار هندسي محدود في تكلفته يمكن أن تتضاعف قيمته حين يتكرر أثره على مئة ألف وحدة.

لهذا لا أتعامل مع السياسة الصناعية من خلال الأرقام الكبيرة فقط.

هناك منظومة يجب أن تعمل في الوقت نفسه: مصنع ومورد وبنك وميناء وجمارك ومواصفة ومهندس وطاقة وبيانات وتشريع.

كل حلقة ضعيفة في هذه المنظومة تدخل في تكلفة المنتج.

وعندما تتكرر نقاط الضعف نفسها في آلاف الشركات، تتحول من مشكلة مصنع إلى فارق في القدرة التنافسية للاقتصاد كله.

هذا هو المستوى الذي يجب أن تنزل إليه السياسة الصناعية إذا أردنا المنافسة الحقيقية.

ما بعد الزيارة..

تحتفل العلاقات المصرية الصينية هذا العام بمرور سبعين عامًا على تأسيسها؛ ففي 30 مايو 1956 أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

لكن قيمة التاريخ تظهر حين نستطيع استخدام ما بناه في صناعة المستقبل.

العالم يعيد الآن توزيع الصناعة ورأس المال والتكنولوجيا في وقت واحد. والشركات الصينية تبحث عن أسواق جديدة وعن قواعد إنتاج جديدة، بينما تحتاج مصر إلى زيادة صادراتها وتعميق صناعتها ورفع قدرتها على توليد العملة الأجنبية من الإنتاج وخلق وظائف ذات إنتاجية أعلى.

هذه المصالح تستطيع أن تلتقي.

ولا توجد دولة تتحرك وحدها في هذا السباق. دول كثيرة حولنا تقدم أرضًا وطاقة وحوافز وموانئ وتنافس على رأس المال الصناعي نفسه.

الفارق سيظهر في جودة المشروع المصري المطروح على المستثمر، وفي مقدار ما يستطيع أن يربطه بالاقتصاد المحلي.

بعد سنوات، سيكون الاختبار الحقيقي لهذه المرحلة في قدرة المصنع الصيني المقام في مصر على تكوين مصالح إنتاجية عميقة حوله: موردون مصريون اكتسبوا الجودة والحجم، ومهندسون راكموا معرفة جديدة، ومكونات انتقلت من حاويات الاستيراد إلى خطوط الإنتاج المحلية ثم وجدت طريقها من مصر إلى أسواق أخرى.

وفي الوقت نفسه ينبغي أن تكون الدولة قد أصبحت أكثر قدرة على قراءة سوقها؛ تعرف أين تنشأ فجوة الإنتاج، وأين توجد طاقة صناعية معطلة، وأين يستطيع التمويل أن يخلق قيمة مضافة بدل أن يلاحق الطلب بعد ظهوره.

بهذا المقياس سأقرأ نتائج زيارة شي جين بينغ بعد سنوات، لا بعد انتهاء مراسمها.

العالم يعيد توزيع الصناعة ورأس المال والتكنولوجيا، ومصر تدخل هذه اللحظة بموقع نادر وسوق كبيرة وبنية أساسية توسعت بصورة واضحة وقاعدة صناعية لديها ما يمكن البناء عليه.

لكن الموقع لا يحتفظ بالمصنع وحده.

الذي يحتفظ به هو ما يتكون حوله من موردين ومهارات وتكنولوجيا وأسواق ومصالح يصبح نقلها مكلفًا.

إذا نجحنا في بناء هذه الكثافة، تكون العلاقة المصرية الصينية قد تجاوزت التجارة والاستثمار بمعناهما التقليدي إلى مستوى أكثر أهمية: أن يصبح جزء من القوة الصناعية الصينية عنصرًا في بناء قدرة إنتاجية مصرية مستقرة ومتصلة بالعالم.

تلك، في تقديري، هي الفرصة الأكبر التي تحملها زيارة شي إلى القاهرة.

Short Url

search