الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

07:27 ص

آليات وتقنيات «التجنيس الجزئي» في مصانع الألبان

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 04:30 ص

مصانع ألبان

مصانع ألبان

هدير جلال

قال الدكتور عدنان محمد خضر، خبير ومستشار دولي معتمد في سلامة الغذاء، إن تقنية التجنيس الجزئي تمثل أحد الحلول الهندسية الحديثة التي يمكن أن تساعد مصانع الألبان على خفض استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل، من خلال تقليل كمية الحليب التي تمر عبر جهاز المجانس، مع الحفاظ على مستوى مناسب من تجانس الدهن وثبات المنتج.

وأوضح "خضر"، أن التجنيس الجزئي لا يعني، كما يعتقد البعض، تجنيس نسبة معينة من كريات الدهن وترك باقي الكريات دون تغيير، وإنما يعتمد المفهوم الصناعي على فصل الحليب إلى قشدة وحليب فرز، ثم تمرير القشدة المطلوبة للمعايرة، بعد تخفيفها بكمية مناسبة من الحليب الفرز، عبر المجانس، بينما يتجاوز معظم الحليب الفرز المجانس، قبل إعادة خلط التيارين للحصول على المنتج النهائي.

التجنيس الكامل مقابل الجزئي

وبيّن خضر أن التجنيس الكامل يعني مرور كامل كمية الحليب المعاير بالدهن عبر المجانس، فعلى سبيل المثال إذا كانت طاقة خط الإنتاج 10 آلاف لتر في الساعة، فإن المجانس يحتاج إلى التعامل مع معدل تدفق يقترب من هذه الكمية.

وأوضح أن هذا النظام يستخدم على نطاق واسع في الحليب المعقم UHT، وبعض منتجات الزبادي والحليب المتخمر، والمنتجات التي تتطلب درجة مرتفعة من الثبات أو تحتوي على مثبتات ومساحيق ومكونات تحتاج إلى تجانس كامل.

أما التجنيس الجزئي، فيبدأ بفصل الحليب إلى قشدة وحليب فرز، ثم تحديد كمية القشدة اللازمة للوصول إلى نسبة الدهن المطلوبة، وتخفيفها بالحليب الفرز قبل تمريرها إلى المجانس، بينما يتجاوز الجزء الأكبر من الحليب الفرز المجانس، ثم يعاد خلط التيارين مرة أخرى.

تخفيض استهلاك الطاقة بنحو 70%

وأكد خبير سلامة الغذاء أن أبرز مزايا التجنيس الجزئي تتمثل في خفض استهلاك الطاقة، لأن المجانس يتعامل مع جزء محدود من التدفق الكلي، مشيرًا إلى أن بعض التصميمات الصناعية يمكن أن تحقق خفضًا في استهلاك القدرة بنحو 70% تقريبًا، بينما أظهرت إحدى الدراسات التطبيقية وفورات في الطاقة تقترب من 68% مقارنة بالتجنيس الكامل، مع التأكيد على أن نسبة التوفير تختلف بحسب تصميم الخط ونسبة الدهن وضغط التجنيس وكفاءة المحرك ومعدل التدفق.

وضرب "خضر" مثالًا توضيحيًا، قائلًا إنه في حالة إنتاج 10 آلاف لتر من الحليب في الساعة بنسبة دهن نهائية 3.5%، واستخدام تيار قشدة مخفف بنسبة دهن تبلغ 18%، فإن كمية التيار التي تحتاج إلى المرور عبر المجانس تبلغ نحو 1944 لترًا في الساعة بدلًا من تمرير كامل كمية الحليب البالغة 10 آلاف لتر.

وأضاف أن ذلك يعني أن المجانس يتعامل مع نحو 19.4% فقط من إجمالي التدفق في هذا المثال المبسط، وهو ما يسمح باستخدام مجانس أصغر وتقليل استهلاك الكهرباء وتكاليف الاستثمار والصيانة.

لماذا يتم تخفيف القشدة قبل التجنيس؟

وشدد خضر على أهمية تخفيف القشدة قبل إدخالها إلى المجانس، موضحًا أن تفتيت كريات الدهن يؤدي إلى زيادة كبيرة في مساحة سطحها، وبالتالي تحتاج الأسطح الجديدة إلى كمية كافية من البروتينات لتكوين أغشية مستقرة حول الكريات.

وأوضح أن تمرير قشدة مرتفعة الدهن بصورة مباشرة إلى المجانس قد يؤدي إلى نقص البروتين المتاح لتغطية الأسطح الجديدة، وتكوين تجمعات من كريات الدهن، وضعف ثبات المستحلب، وظهور طبقة قشدة أو زيادة اللزوجة بصورة غير مرغوبة.

ولفت إلى أن القشدة الخارجة من الفراز قد تصل في بعض الحالات إلى نسب دهن مرتفعة، ولذلك يتم تخفيفها بالحليب الفرز للوصول إلى تركيز مناسب قبل التجنيس، مشيرًا إلى أن النسب التشغيلية النهائية لا ينبغي تعميمها على جميع المنتجات والخطوط، وإنما يجب تحديدها وفق تصميم المعدات وتركيبة المنتج ونتائج الاختبارات.

التجنيس الجزئي ليس مناسبًا لكل المنتجات

وحذر خضر من التعامل مع التجنيس الجزئي باعتباره بديلًا مناسبًا لجميع منتجات الألبان، مؤكدًا أن التوفير في الطاقة لا يجب أن يأتي على حساب جودة المنتج أو ثباته خلال فترة الصلاحية.

وأوضح أن التقنية تكون مناسبة بصورة أكبر لبعض أنواع الحليب المبستر، خاصة عندما تثبت الاختبارات قدرة المنتج على الحفاظ على ثبات الدهن وعدم تكوين طبقة قشدة.

في المقابل، قد يكون التجنيس الكامل أكثر ملاءمة لبعض المنتجات، خاصة الحليب طويل الأجل UHT، وبعض منتجات الزبادي والحليب المتخمر، والحليب المنكه الذي يحتوي على الكاكاو أو المثبتات، والمنتجات عالية البروتين أو التركيبات التي تتطلب تجانسًا كاملًا للطور.

الضغط والحرارة.. أرقام لا تصلح للجميع

وأكد خضر أن نجاح التجنيس لا يرتبط برقم واحد ثابت لدرجة الحرارة أو الضغط، موضحًا أن درجة حرارة التجنيس في العديد من التطبيقات الصناعية تقع غالبًا في نطاق 60 إلى 70 درجة مئوية، بينما تتراوح ضغوط التجنيس التقليدية في كثير من المنتجات تقريبًا بين 100 و250 بار للمرحلة الأولى، وفقًا لطبيعة المنتج وتصميم المعدات.

وشدد على أن رفع الضغط ليس دائمًا الحل الأفضل، لأنه قد يؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة وارتفاع درجة حرارة المنتج وتآكل أجزاء المجانس وارتفاع تكاليف الصيانة، كما أن انخفاض درجة الحرارة بشكل كبير قد يرفع لزوجة المنتج ويؤثر على كفاءة تفتيت الدهن.

كيف نتأكد من نجاح التجنيس؟

وأشار خضر إلى ضرورة عدم الحكم على نجاح التجنيس الجزئي من خلال استهلاك الكهرباء فقط، وإنما يجب إجراء مجموعة من الاختبارات التي تشمل قياس حجم وتوزيع كريات الدهن، ومؤشر التجنيس، واختبارات تكوين طبقة القشدة أثناء التخزين، واللزوجة، واللون، والثبات خلال فترة الصلاحية، إلى جانب الاختبارات الحسية.

وأوضح أن عمليات التحقق يجب أن تتكرر عند تغيير ضغط التجنيس أو نسبة الدهن أو مصدر الحليب، وكذلك عند استبدال أجزاء من المجانس أو زيادة طاقة الخط أو ظهور أي شكاوى مرتبطة بانفصال القشدة.

التحكم الآلي عنصر أساسي

وأكد خبير سلامة الغذاء أن تطبيق التجنيس الجزئي بكفاءة يتطلب منظومة دقيقة للتحكم في التدفقات والمعايرة، تشمل مراقبة معدل تدفق الحليب، ونسبة دهن القشدة، وكمية القشدة المعادة، ودرجة الحرارة، وضغط مراحل التجنيس، ومعدل التدفق داخل المجانس، ونسبة الدهن في المنتج النهائي.

كما شدد على ضرورة وجود أنظمة حماية تمنع تشغيل المجانس في حالة انخفاض التغذية، مع تحويل المنتج عند فقدان ظروف التشغيل المطلوبة، وتسجيل مستمر للمتغيرات الحرجة.

CIP.. النظافة شرط لا يمكن التهاون فيه

وشدد خضر على أهمية تصميم نظام التنظيف المكاني CIP بحيث يغطي جميع مسارات التجنيس الجزئي، بما فيها خطوط القشدة، وخط تخفيف القشدة، والمجانس، ومسار تجاوز الحليب الفرز، ووحدة المعايرة، والصمامات وأجهزة القياس ونقاط إعادة الخلط.

وحذر من أن وجود مسار لا تصل إليه دورة التنظيف بصورة صحيحة يمكن أن يحول ميزة توفير الطاقة إلى مخاطر ميكروبية تهدد سلامة المنتج.

التجنيس الجزئي.. كفاءة هندسية وليست «تجنيسًا ناقصًا»

واختتم الدكتور عدنان محمد خضر بالتأكيد على أن التجنيس الجزئي لا يعني الحصول على حليب «ناقص التجنيس»، وإنما هو تصميم هندسي يعتمد على فصل الحليب والمعايرة وتخفيف القشدة وتجنيـس تيار محدود ثم إعادة خلطه بالحليب الفرز.

وأوضح أن نجاح التقنية يقاس في النهاية بقدرتها على إنتاج حليب يحافظ على نسبة الدهن المحددة، والتوزيع المناسب لكريات الدهن، والثبات أمام انفصال القشدة، والجودة الحسية، والسلامة الميكروبية، والعمر التخزيني المطلوب.

وأكد أن الاستفادة الحقيقية من التجنيس الجزئي تتحقق عندما يتم التعامل معه كمنظومة متكاملة تجمع بين الفصل والمعايرة والتخفيف والتجنيس وإعادة الخلط والتحكم الآلي والتحقق من جودة المنتج، وليس باعتباره مجرد وسيلة لتقليل كمية الحليب التي تمر عبر المجانس.

Short Url

search