أ.د. غادة محمد عامر تكتب.. الذكاء الاصطناعي والإدمان الرقمي: هندسة العقول في عصر الخوارزميات
السبت، 08 أغسطس 2026 04:54 م
أ.د غادة عمار
لم يعد الإدمان الرقمي مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح نتيجة مباشرة لتصميمات متعمدة تقودها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. هذه الخوارزميات لا تعمل فقط على تنظيم المحتوى أو تحسين تجربة المستخدم، بل تُعيد تشكيل سلوك الإنسان عبر استغلال أضعف غرائزه النفسية.
إشعارات غير متوقعة، تمرير بلا نهاية، ومكافآت فورية تُحفّز الدماغ بدفعات صغيرة من الدوبامين، كلها أدوات هندسية تجعل من الصعب الانفصال عن الهاتف أو التطبيقات حتى مع إدراك الأضرار.
لقد اعترف خبراء من داخل صناعة التكنولوجيا مثل تريستان هاريس بأن ما يحدث هو "سباق نحو قاع الدماغ"، حيث تتنافس التطبيقات على استغلال انتباهنا بأكثر الطرق تأثيرًا على الجهاز العصبي.
كما أكد مسؤولون سابقون في فيسبوك مثل شامات باليهابيتيا وشون باركر أن هذه التصاميم ليست عرضًا جانبيًا، بل استراتيجية تجارية تهدف إلى خلق حلقات تغذية قصيرة المدى مدمرة للمجتمع.
الذكاء الاصطناعي هنا ليس مجرد أداة محايدة، بل هو القوة التي تعيد تشكيل حياتنا اليومية. فهو يضاعف الإدمان الرقمي عبر التخصيص المفرط للمحتوى، مما يجعل كل مستخدم يعيش في "فقاعة رقمية" مصممة خصيصًا له، ويزيد من صعوبة الانفصال عن الشاشة.
هذا التأثير يمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية، حيث ترتبط الظاهرة بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، إضافة إلى ضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية. كما أن التعليم والإنتاجية يتأثران بشكل مباشر، إذ أثبتت الدراسات أن الطلاب والموظفين يحتاجون أكثر من 23 دقيقة لاستعادة تركيزهم بعد أي مقاطعة رقمية.
ولعل أبرز مثال واقعي على خطورة هذه الظاهرة ما حدث في كوريا الجنوبية عام 2025، حين أعلنت وزارة الصحة عن حالة وفاة شاب في العشرينات بعد جلسة ألعاب إلكترونية استمرت أكثر من 40 ساعة متواصلة.
التحقيقات أثبتت أن اللعبة كانت مصممة بخوارزميات ذكاء اصطناعي تعتمد على المكافآت المتغيرة، ما جعله غير قادر على التوقف.
هذه الحادثة لم تكن مجرد مأساة فردية، بل جرس إنذار عالمي حول كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول الترفيه إلى إدمان قاتل.
كما أن خطورة الإدمان الرقمي تكمن في أنه لا يقتل الجسد مباشرة مثل المخدرات أو الكحول، لكنه يقتل الوقت، العلاقات، والإبداع.
ومع انتشار الهواتف الذكية بين الأطفال والمراهقين، يصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا استراتيجيًا في تشكيل جيل يعاني من هشاشة معرفية ونفسية.
لذلك إذا لم نضع ضوابط أخلاقية وتقنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم التطبيقات، فإننا نخاطر بخلق مجتمع يعيش في حالة تشتت دائم، علاقات سطحية، وإبداع مهدد بالانقراض. الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لتحرير الإنسان لا لاستعباده عبر الإدمان الرقمي.
أ.د. غادة محمد عامر
أستاذ هندسة النظم الكهربائية – جامعة بنها
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
Short Url
الدكتور علي عبد النبي يكتب: خطورة نووي إيران بعد هجرة التكنولوجيا من الغرب إلي الشرق
03 أغسطس 2026 07:23 م
د.محمد عسكر يكتب: كيف أنذرت هواتف أندرويد المصريين قبل هزة السويس؟
03 أغسطس 2026 01:01 م
أكثر الكلمات انتشاراً