من المنوفية إلى قصور العالم.. الحرير يتحول إلى لوحات فنية في «ساقية أبو شعرة» والأسعار تهدد الصناعة
الأربعاء، 08 يوليو 2026 08:00 م
السجاد اليدوي
منة الغزاوى
على أنوال خشبية تجاوز عمر بعضها نصف قرن، تتحول خيوط الحرير في قرية ساقية أبو شعرة بمحافظة المنوفية إلى لوحات فنية تستغرق شهورًا من العمل اليدوي، لتصل في النهاية إلى قصور وفنادق وأسواق داخل مصر وخارجها.
تعتبر قرية ساقية أبو شعرة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية واحدة من أهم قلاع الصناعات الحرفية في مصر، وتشتهر القرية بإنتاجها للسجاد اليدوي عالي الجودة الذي يصدر للأسواق العربية والأوروبية، وتسهم هذه المهنة في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل للشباب، وذلك لعمل غالبية سكانها بالنسيج اليدوي، تلك المهنة التي توارثت بين الأجيال عبر الأنوال الخشبية التقليدية، فيبدأ الطفل من الصغر في تعلم مهارات صناعة السجاد والتعامل مع الخيوط الحريرية لإنتاج منتجات ذات قيمة وجودة عالية.
بدأت صناعة السجاد في قرية ساقية أبو شعرة منذ خمسينات القرن الماضي، عندما سافر بعض أهالي القرية للعمل بها في منطقة الدراسة بالقاهرة، وبعد أن عاد العمال إلى ساقية أبو شعرة نقلوا هذه الحرفة التي اكتسبوها وأنشأوا العديد من الورش، وعمل بها نحو 80% منهم، بينما عمل باقي أفراد القرية بالزراعة ورعاية الماشية، وسميت القرية بهذا الاسم نسبة إلى الإمام عبدالوهاب الشعراني أحد أئمة الشافعية.

لماذا يزداد الطلب على سجاد القرية؟
يزداد الطلب على سجاد ساقية أبو شعرة الحريري نتيجة لدقة الصناعة التي تجعل السجادة متينة وقوية وتعيش لعشرات السنين دون أن تتلف، وذلك لزيادة عدد العقد في السجادة، فقد يصل عدد العقد في بعض السجاد الحريري إلى 100 عقدة أو أكثر في السنتيمتر الواحد، الأمر الذي يجعل تفاصيل الرسوم أشبه باللوحات الزيتية عالية الجودة.
أيضا، تركيز القرية على الحرير الطبيعي الخالص كمادة خام أساسية سواء نُسج الحرير على سداة من القطن أو من الحرير، على عكس قرى كثيرة تعتمد على الصوف أو الألياف الصناعية، هذا الحرير الذي يعطي النعومة واللمعان للسجادة بالإضافة إلى قدرته على عكس الضوء، فيقوم بتغيير درجات الألوان حسب زاوية النظر وإضاءة الغرفة.

ومن الأسباب التي تزيد من الطلب على سجاد القرية هو إتقان صانعي السجاد في القرية للعقدة الفارسية أو الإيرانية، والتي توارثها أهل القرية عبر الأجيال، وتتميز هذه العقدة عن غيرها بأنها تتيح رسم المنحنيات والنقوش الإسلامية شديدة التعقيد، تلك التفاصيل التي يصعب تنفيذها على السجاد الآلي.
كما أن التنوع التراثي الكبير في التصميمات يزيد من الإقبال على هذه المنتجات، فالفنانون في ساقية أبو شعرة لا يلتزمون بمدرسة واحدة، بل يدمجون بين عدة مدارس عالمية يطلبها السوق الخارجي بكثافة، فتتنوع منتجاتهم بين المدرسة الفارسية بنقوشها الشهيرة مثل الأصفهاني والكاشان، والمدرسة المملوكية والإسلامية القائمة على الزخارف الهندسية المعقدة والخط العربي، بالإضافة إلى قدرتهم على تحويل اللوحات التشكيلية والمعالم السياحية العالمية إلى قطع فنية مغزولة بالخيوط.
كيف تتحول خيوط الحرير إلى لوحات فنية ؟
تمر صناعة السجاد بـ 6 مراحل أساسية للحصول على المنتج النهائي منها:
مرحلة إعداد التصميم الهندسي
يرسم الفنانون المتخصصون التصميم المطلوب على ورق بدقة شديدة تشبه المخططات الهندسية، وتسمي هذه الرسومات بالكرتونة، ويحدد فيها الرسام كل لون ومكان كل عقدة بدقة متناهية، بعدها يعلق النساج هذه الورقة أمامه على النول، وتكون هي مرشده الوحيد طوال أشهر العمل، وتتحول تلك المربعات الملونة إلى غرز حقيقية.
مرحلة تجهيز النول
المرحلة التي يتم فيها بناء الهيكل الأساسي للسجادة، وتتم على النول وهو إطار خشبي أو حديدي، يقوم الصناع بعملية تسدية النول وهي عبارة عن شد الخيوط القطنية أو الحريرية بشكل طولي ومتوازي ومشدود، هذه الخيوط الطولية تسمى السداة وهي بمثابة العمود الفقري الذي يحمل السجادة بالكامل.
مرحلة النسج وغزل العقد
وهنا يجلس النساجون بجانب بعضهم البعض، ويقومون بربط خيوط الحرير حول خيوط السدى الطولية، حيث يمسك النساج الخيط ويقصه بسرعة فائقة، ويتحرك صعودا عقدة وراء عقدة وصفا وراء آخر، ويكون ملتزما بالتصميم المعلق أمامه.

مرحلة دك الخيوط
بعد الانتهاء من غزل كل الصفوف من العقد، يمرر النساج خيطا أفقيا يعرف بخيط اللحمة بين خيوط السدى الرأسية، ثم يمسك بأداة حديدية ثقيلة تشبه المشط الضخم تسمى الدفة، ويضرب بها الصف الجديد بقوة لدمج العقد وتثبيتها مع الصفوف السابقة لضمان تماسك السجادة.
مرحلة التقفيل والفصل عن النول
بعد الانتهاء من تصميم السجادة، يقوم الصناع بقطع خيوط السداة الطولية من أعلى وأسفل النول بحذر شديد، ولا تقطع الخيوط بالكامل، بل تترك أطرافها لتجدل وتربط يدويا، وهي خطوة مهمة لتقفيل السجادة وحمايتها من التفكك أو التنسل مع الاستخدام.
مرحلة الغسيل والكي والتشطيب النهائي
تمر السجادة بمرحلة التشطيب أولا قبل العرض النهائي، فترسل إلى مغاسل مخصصة لتنظيفها بمواد معينة تزيد من بريق الحرير الطبيعي وتظهر ألوانه الحقيقية، وبعد أن يتم تجفيفها تفرد السجادة وتكوى بمكواة بخارية ثقيلة، لفرد أي انحناءات فيها وضبط أبعادها.
أين يذهب سجاد ساقية أبو شعرة؟
تعد البازارات الكبيرة والمحلات في خان الخليلي هي الموزع الأساسي لمنتجات القرية، ويقتنيها السياح بوصفها قطعًا فنية نادرة نظرًا لجودتها، التي تنافس السجاد الإيراني الشهير، ولا يقتصر بيع السجاد اليدوي على الاستهلاك المحلي فقط، بل يصدر للعديد من دول العالم لعقود كثيرة، وتعد القصور الرئاسية والملكية هي الوجهة الأولى لهذا الفن، مثل السجاد الحريري المعلق على جدران قصر الإليزيه في باريس لفرنسا، بالإضافة إلى القصور الرئاسية يتوجه الإنتاج إلى الفنادق العالمية الفاخرة.

أزمة الأسعار تهدد السجاد اليدوي في القرية
وعلى الرغم من التصدير الكبير لمنتجات القرية من السجاد اليدوي للخارج، إلا أن تلك الصناعة تواجه تحديات صعبة تهدد استمرارها، وتأتي أزمة ارتفاع أسعار الخامات على مقدمة تلك التحديات، فالقرية تعتمد بشكل أساسي على الحرير الطبيعي المستورد، والسوق المصري المحلي يستهلك حاليا حوالي 300 طن من خيوط الحرير سنويا والمنتج في مصر لا يتعدى 4 أطنان سنويا، ومع التغيرات في أسعار العملة الصعبة، تضاعفت تكلفة الإنتاج بشكل كبير.
هذه الأزمة الاقتصادية أدت إلى تراجع العمالة، فصناعة السجاد تحتاج إلى شهور طويلة من العمل قبل بيع المنتج والحصول على ربح، مما دفع الكثير من الشباب إلى هجر المهنة والاتجاه إلى مهن أخرى مثل العمل في المصانع والوظائف الحرة وهو ما يهدد بزوال تلك الحرفة المتوارثة عبر الأجيال.
اقرأ أيضا:
2.39 مليار دولار، مصر تنافس كبار أسيا في صناعة السجاد والأرضيات
صناعة من قلب العودة الحرف اليدوية، طرق مبتكرة لصناعة السجاد من القماش والجلد في المنازل
مخلفات.. قرية "ميت الحارون" قلعة إعادة تدوير الإطارات التالفة في مصر
Short Url
من 125 إلى 512 مليار دولار.. المشروبات الوظيفية تقود موجة جديدة في صناعة الأغذية
08 يوليو 2026 03:41 م
1.6 مليون متر مربع لاستثمار جديد.. السعودية تستهدف تقليل الواردات بـ «مدينة البن»
05 يوليو 2026 02:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً