السبت، 18 يوليو 2026

07:40 م

الدكتور تامر مؤمن يكتب: الأضحية كنموذج رائد للاقتصاد الدائري واستدامة الموارد

الأحد، 31 مايو 2026 08:08 م

الدكتور تامر مؤمن خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

الدكتور تامر مؤمن خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

بقلم الدكتور تامر مؤمن خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

بينما تُطوى صفحة موسم عيد الأضحى، تنتهي شعائر التضحية المباشرة لتبدأ على الفور دورة اقتصادية وبيئية جديدة وصامتة في مصانعنا ومزارعنا، فمع هدوء الأسواق، يجب أن نتوقف لتقييم الحصاد التنموي لهذه الشعيرة، لندرك أن الاستدامة الحقيقية لا تُولد في أروقة المؤتمرات الدولية، بل تتجسد في التطبيق العملي لمبدأ التوطين النوعي العميق حيث تتحول الشعيرة الإيمانية إلى محرك محلي يحارب الهدر ويعظم العائد البيئي والمجتمعي بصمت وكفاءة، فعندما تتطابق مقاصد التشريع مع معايير الاقتصاد الدائري، ندرك أننا أمام منظومة ربانية تجاوزت مفاهيم -الصفر هدر- بقرون، لتخلق قيمة مضافة متجددة من قلب الأزمات.

ففي ظل تسارع التحول العالمي نحو تبني معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، تتزايد الضغوط على القطاعات الإنتاجية لتقليل البصمة الكربونية والتحول نحو مسارات الاقتصاد الأخضر، وسط هذا الزخم العالمي تبرز منظومة "الأضحية" كنموذج استباقي فريد ومبكر للاقتصاد الدائري، يؤسس لمفهوم استدامة الموارد قبل أن تصيغه المؤسسات الدولية بقرون، فالفلسفة العميقة لهذه الشعيرة لا تقف عند حدود توفير الغذاء، بل تتخطاها إلى التطبيق الحرفي لمبدأ - صفر هدر- حيث يتم تحويل كل عنصر من عناصر الأضحية إلى قيمة اقتصادية مضافة، مما يغذي صناعات تحويلية حيوية ويقلل من استنزاف الموارد الطبيعية المحدودة.

د. تامر مؤمن – خبير مصرفي ومحلل اقتصادي

فمن منظور التنمية المستدامة، يعتمد ما يقرب من 35% من مدخلات الإنتاج السنوي لقطاع دباغة الجلود والصناعات الجلدية في مصر على هذا الموسم الاستثنائي. ولا يتوقف الأمر عند الجلود التي تمثل المادة الخام الأولى لواحدة من أهم الصناعات التحويلية، بل يمتد لاستغلال العظام والمخلفات العضوية في إنتاج الأسمدة النظيفة وصناعات الجيلاتين الدقيقة. وهنا أرى، كباحث في التنمية المستدامة، أن هذا الاستغلال الأمثل يجسد تماماً مفهوم "التوطين النوعي العميق"؛ فنحن لا نعيد تدوير الموارد فحسب، بل نخلق سلسلة قيمة مضافة تبدأ من الريف وتغذي الصناعة وتدعم الصادرات، وكل ذلك تحت مظلة تشريعية إيمانية صارمة تحرم الإهدار، تقلل البصمة الكربونية، وتتوافق مع ما تسعى إليه كبرى المؤسسات التمويلية اليوم عند تقييم استدامة المشاريع.

ومن زاوية التمويل والتشغيل، يمثل هذا النموذج الدائري بيئة خصبة لنمو ريادة الأعمال المجتمعية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) ذات الطابع الأخضر، فعمليات تجميع وتدوير هذه الموارد غير المستغلة كالجلود والمخلفات العضوية، تخلق سلاسل إمداد فرعية تفتح آفاقاً واسعة للتمويل متناهي الصغر والتمويل الأخضر. هذا التشابك يحول منظومة الأضحية من مجرد استهلاك موسمي إلى منصة انطلاق لمشروعات خضراء صغيرة ومتناهية الصغر، قادرة على استيعاب العمالة وتوليد الدخل المستدام، وهو ما يعزز من مرونة الاقتصاديات المحلية ويضعها بقوة على خريطة التمويل المستدام.

وهنا أؤكد أن دمج معايير التنمية المستدامة في الممارسات الاقتصادية اليومية لم يعد رفاهية، بل هو معيار أساسي لقياس قدرة المجتمعات على البقاء والنماء، فالأضحية تقدم للمؤسسات التمويلية والتنموية درساً عملياً في كيفية تحقيق الاستدامة الذاتية، وتحسين جودة الحياة دون الإخلال بالتوازن البيئي، وإنها دعوة مفتوحة لإعادة قراءة شعائرنا بمنظور تنموي حديث، لاستلهام آليات مبتكرة تعزز من تنافسية الاقتصاد الأخضر وتضمن حقوق الأجيال القادمة في موارد مستدامة.

اقرأ أيضا:

دكتور تامر مؤمن يكتب: الاقتصاد المصري- مفارقة مؤشرات النمو والشعور بالتحسن الاقتصادي للمواطن

الدكتور تامر مؤمن يكتب.. الاقتصاد الرقمي المصري من التحول إلى الريادة

الدكتور تامر مؤمن يكتب "لماذا يراهن البنك المركزي على التعليم المصرفي؟

Short Url

search