دكتور تامر مؤمن يكتب: الاقتصاد المصري- مفارقة مؤشرات النمو والشعور بالتحسن الاقتصادي للمواطن المصري
السبت، 30 أغسطس 2025 01:55 م

الدكتور تامر مؤمن
متى سيشعر المواطن بالتحسن الاقتصادي؟؟؟
لطالما كان التحليل الاقتصادي الهادف يكمن في قدرته على تجاوز الأرقام الجامدة إلى فهم عميق لواقع الأفراد، إن الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي خريطة طريق نحو واقع أفضل، أكتب لكم اليوم رؤية متكاملة لمصر، أسميتها "فجوة الرخاء" هذه ليست مجرد كلمات، بل هي تحليل يربط بين كل ما كتبتُه سابقًا فهي ليست سلسلة من المقالات المنفصلة، بل هي محاولة رسم لوحة متكاملة تصف استراتيجيات مصرية واضحة ومترابطة، فكل محور يعزز الآخر؛ توطين الصناعة يخلق قاعدة إنتاجية قوية، وهذه القاعدة تعزز الصمود الاقتصادي في مواجهة الأزمات، وهذا الصمود يدعمه تنويع مالي يقلل الاعتماد على الدولار وتحقيق موارد اقتصادية مستدامة، وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق دون الاستثمار في الكوادر البشرية و المعرفة والتحول الرقمي.
إن "فجوة الرخاء" التي أسعى لتوضيحها هي تلك الفجوة بين الإمكانات الهائلة التي تمتلكها مصر وبين الواقع المعيشي الذي يطمح إليه المواطن. وأؤمن بأن هذه الرؤية المتكاملة، القائمة على الإنتاج، والصمود، والتنوع، والاعتماد على الذات، هي الطريق الأمثل لتحويل الأرقام إلى واقع ملموس، وتحقيق رخاء يستحقه الشعب المصري، ليثبت أن استراتيجية الدولة المصرية لا تقتصر على معالجة التحديات الآنية، بل هي رؤية شاملة ومترابطة تهدف إلى بناء اقتصاد مرن ومستدام، قادر على تحويل التحديات إلى فرص والوعود إلى إنجازات ملموسة.
حيث يواجه الاقتصاد المصري مفارقة ملحوظة تتمثل في التباين بين التحسن المستمر في مؤشراته الكلية والجهود الحكومية الدؤوبة لتنفيذ استراتيجيات وسياسات اقتصادية قوية، وبين عدم شعور المواطن المصري العادي بهذا التحسن في جودة حياته اليومية. ففي هذا المقال والمقالات القادمة إن شاء الله - أسعى إلى تفكيك هذه المفارقة، وتحليل الأسباب الكامنة وراء هذا التناقض، وتقديم خارطة طريق شاملة تتضمن وسائل وإجراءات عملية لترجمة النمو الاقتصادي إلى رخاء ملموس يشعر به المواطن، مع استعراض الرؤية المستقبلية للاقتصاد المصري. واستهدف من هذه المقالات والتحليل الوصول إلى توفير فهم معمق للوضع الاقتصادي، وتحديد نقاط القوة والضعف، وتقديم توصيات قابلة للتطبيق لسد الفجوة بين الأداء الكلي للاقتصاد المصري والشعور الفردي للمواطن، ولضمان ترابط وتسلسل التحليل والرؤية سوف تكون محاور مقالاتنا":
- المشهد الاقتصادي المصري: مؤشرات إيجابية وجهود حكومية دؤوبة
- الفجوة بين الأرقام والشعور: التحديات الهيكلية والمجتمعية
- خارطة طريق لتعزيز شعور المواطن بالتحسن الاقتصادي
- الرؤية المستقبلية للاقتصاد المصري وشعور المواطن بالرخاء

ولما كان التحليل الاقتصادي الهادف يكمن في قدرته على تجاوز الأرقام والتحليلات إلى فهم عميق لواقع الأفراد والمجتمع. وهذا ما دأبتُ على تناوله في كتاباتي السابقة، مؤكداً أن صمود الاقتصاد المصري أمام الصدمات الجيوسياسية العالمية لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية استراتيجية وسياسات حكيمة. واليوم، وبعد أن رأينا ثمار هذه الاستراتيجية في تحسن العديد من المؤشرات الكلية، يبرز تساؤل جوهري على الساحة: "لماذا لا يترجم هذا التحسن إلى شعور ملموس بالرخاء في حياة المواطن اليومية؟"
إن هذا التباين بين المؤشرات والأحاسيس، أو ما يمكن أن نسميه "فجوة الرخاء"، ليس مفاجأة، بل هو نتيجة طبيعية لتحديات هيكلية عميقة، وهذا التحليل ليس مجرد سرد لتلك التحديات، بل هو خارطة طريق متكاملة، تربط بين الأداء الاقتصادي الكلي والواقع المعيشي، وتقدم رؤية ثابتة ومتسقة لمستقبل أكثر شمولية.
المشهد الاقتصادي المصري: مؤشرات إيجابية وجهود حكومية دؤوبة
يشهد الاقتصاد المصري بالفعل أداءً إيجابياً يعكس قدرة فائقة على التكيف. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً قوياً وحقيقيا بلغ 4.77% خلال الربع الثالث من العام المالي 2024-2025، وهو أعلى معدل نمو فصلي منذ ثلاث سنوات بحسب ما أعلنته وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي. بالنسبة للتضخم فكما أعلن البنك المركزي المصري تراجع المعدل السنوي للتضخم العام إلى 13.9% في يوليو 2025 مقابل 14.9% في يونيو 2025. وبالنسبة للتضخم الأساسي، فقد ظل مستقرا عند 11.6% في يوليو 2025 مقابل 11.4% في يونيو 2025. أما على أساس شهري، فقد سجل التضخم العام سالب 0.5% والتضخم الأساسي سالب 0.3% في يوليو 2025، في خطوة حاسمة نحو استقرار الأسعار، وسيستمر في التراجع، ليسجل متوسطا يتراوح بين 14% و15% خلال عام 2025 مما دفع لجنة السياسة النقديـة للبنك المركــزي المصـري في اجتماعهـا يــوم الخميس الموافـــق 28 أغسطس 2025 خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 200 نقطة أساس إلى 22.00% و23.00% و22.50%، على الترتيب. كما قررت خفض سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 22.50%، وذلك للحفاظ على سياسة نقدية من شأنها ترسيخ التوقعات ودعم المسار النزولي المتوقع للتضخم.
ولعل أبرز الإنجازات هو الارتفاع التاريخي في صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 49.03 مليار دولار أمريكي بنهاية يوليو 2025، مما يمنح البنك المركزي هامش أمان واسعاً. هذا التحسن انعكس أيضاً في استقرار سعر الصرف واختفاء السوق الموازية، وانخفاض معدل البطالة إلى 6.10% في الربع الثاني من عام 2025.
كل ذلك يشير الى تتبنى الحكومة المصرية استراتيجيات طموحة لخفض الدين العام، وتمكين القطاع الخاص، وتوطين الصناعة تحت شعار "صنع في مصر". هذه الأرقام والسياسات، في مجملها، تشكل أساساً متيناً للنهوض والتنمية المستدامة.
لماذا لا يترجم التحسن الكلي إلى رخاء فردي؟
رغم هذه الإنجازات، يظل المواطن يقع تحت وطأة تحديات يومية تحول دون شعوره بالتحسن، تكمن الأسباب في عدة عوامل هيكلية:
- "تآكل القوة الشرائية" لا يقاس التحسن بتراجع معدل التضخم فقط، بل بانخفاض الأسعار المطلقة للسلع والخدمات. المواطن لا يزال يشعر بالعبء لأن الأسعار ارتفعت بشكل تراكمي على مدى سنوات، وزيادات الأجور، وإن كانت موجودة (الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص وصل إلى 7000 جنيه في مارس 2025)، لا تواكب بالضرورة ارتفاع تكلفة المعيشة الحقيقية.
- "فجوة التواصل" يواجه المواطنون صعوبة في فهم جهود الإصلاح الاقتصادي، مما يؤدي إلى انعدام الثقة، خاصة وأن المواطن ينتظر تحسناً ملموساً في الخدمات اليومية ومستوى المعيشة.
- "عبء الدين العام" يشكل الدين تحدياً كبيراً، حيث تستهلك فاتورة خدمته نحو 64.8% من إجمالي الموازنة في العام المالي 2024-2025، مما قد يؤدى الى الحد من قدرة الحكومة على ضخ استثمارات كافية في الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم.
- "المنافسة غير العادلة" تعاني بيئة الأعمال من منافسة غير متكافئة في بعض الأحيان، والتي قد تتمتع بإعفاءات وحوافز تكون متاحة لقطاعات دون القطاعات الأخرى، وهذا قد يثبط الاستثمار في بعض القطاعات، التي تعد المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل اللائقة والابتكار.
- "الإجراءات وبيئة الاستثمار" لا تزال الإجراءات المعقدة تمثل عائقاً أمام الاستثمار، مما يؤثر سلباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
خارطة طريق نحو الرخاء الشامل
إن تحقيق الرخاء الملموس يتطلب معالجة جذرية لهذه التحديات، من خلال خارطة طريق شاملة ترتكز من وجهة نظري على خمسة محاور رئيسية:
- "تعزيز القوة الشرائية ومكافحة التضخم" حيث يجب تفعيل رقابة الأسواق لضمان أن تحسن الأوضاع ينعكس على أسعار السلع. كما ينبغي ربط الأجور بزيادات تتجاوز معدلات التضخم، وإعادة هيكلة برامج الدعم لضمان وصولها للفئات الأكثر احتياجاً.
- "تطوير وتبنى استراتيجية تواصل حكومي فعال"، لبناء الثقة وذلك يتطلب حواراً متبادلاً، وتقديم شرح مبسط وواضح للإصلاحات الاقتصادية، وإشراك الجمهور في عملية صنع السياسات.
- "تمكين القطاع الخاص" ويتطلب ذلك تسريع وتيرة تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية غير الاستراتيجية، وتحسين بيئة الأعمال بتبسيط الإجراءات، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال بالتمويل الميسر والحوافز.
- "تحقيق العدالة الاجتماعية" يجب أن يكون النمو شاملاً وعادلاً ويتطلب ذلك توسيع "برامج الحماية الاجتماعية الموجهة"، وتطبيق إصلاحات ضريبية لزيادة العدالة في توزيع الدخل والثروة.
- "مكافحة التعقيد وتعزيز الشفافية" ومن ثم يجب تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ورقمنة الخدمات الحكومية لتقليل البيروقراطية، وتعزيز الشفافية والمساءلة في جميع التعاملات.
الرؤية المستقبلية: من الأرقام إلى واقع ملموس
إن تحقيق رؤية مصر 2030، التي تستهدف نمواً اقتصادياً يتراوح بين 6% و8%، لن يتم إلا بتحويل المؤشرات الكلية إلى تحسينات ملموسة في حياة المواطن. فالرخاء لا يعني ارتفاع الأجور فقط، بل يتطلب أن يرى المواطن انعكاس النمو في جيبه، وفي جودة الخدمات التي يتلقاها، وفي شعوره بالعدالة والإنصاف في مجتمعه.
إنها عملية قد تكون طويلة الأمد وليست بالسهلة، لكن بالإرادة السياسية الراسخة، والالتزام بالإصلاحات الهيكلية، والتواصل الفعال الذي يبني الثقة، يمكن لمصر أن تسد فجوة الرخاء، وتترجم الإنجازات الاقتصادية إلى واقع ملموس في حياة كل مصري، وهو الهدف الأسمى للتنمية المستدامة القائمة على الإنتاج والتمكين وتحقيق الرخاء للمواطن. وللحديث بقية في شرح وتحليل تفصيلي للأسباب وخارطة الطريق والرؤية المستقبلية لتحويل الأرقام الى واقع ملموس.
Short Url
دكتور كريم عادل يكتب: الاستثمار في الفضة.. المعدن الذي لا غنى عنه
28 أغسطس 2025 07:41 م
الدكتور أحمد جلال يكتب.. التحصين المناسب لصحة قطعان الدواجن
26 أغسطس 2025 02:38 م
الدكتورة محاسن محمود تكتب: من اللبن الزبادي المدعّم إلى المشروبات الوظيفية
24 أغسطس 2025 07:34 م
أكثر الكلمات انتشاراً